الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أبريل 21، 2026

من دفاتر الورق إلى شاشات التفاعل حيث تتشظى الحكاية وتولد من جديد: إعداد عبده حقي


 لقد صار الأدب الرقمي قلبًا نابضًا يعيد تشكيل معنى الحكاية في زمن تتقاطع فيه الخوارزميات مع الرغبة الإنسانية في السرد. ما تكشفه حصيلة الإصدارات الجديدة خلال الأسبوع الماضي ليس مجرد أخبار متناثرة، بل إشارات دقيقة إلى تحوّل عميق في طبيعة الأدب نفسه: من نص يُقرأ إلى تجربة تُعاش، ومن مؤلف فرد إلى شبكة من الأصوات والتفاعلات.

في أوروبا، حيث تتقدم صناعة النشر بخطى محسوبة، بدا واضحًا أن الأدب الرقمي قد تجاوز مرحلة التجريب. إطلاق منصات اشتراك جديدة تجمع بين الكتاب الإلكتروني والصوتي ليس حدثًا تقنيًا عابرًا، بل هو إعلان غير مباشر عن ولادة “اقتصاد سردي” جديد. هنا، لا تُباع الكتب بوصفها نصوصًا فقط، بل بوصفها خدمات مستمرة، تتجدد وتتكيف مع القارئ كما تفعل التطبيقات الذكية. هذا التحول يجعل من الكاتب جزءًا من منظومة إنتاج، لا مجرد صانع نص، ويضع الأدب في مواجهة سؤال مربك: هل سيظل النص حرًا، أم سيخضع لمنطق السوق الخوارزمي؟

غير أن الوجه الآخر لهذا التحول يبدو أكثر عمقًا في الحقل الأكاديمي، حيث تتزايد الدعوات إلى دراسة ما يُسمى بالأدب “المولود رقميًا”. هذا المصطلح، الذي كان يبدو غامضًا قبل سنوات قليلة، أصبح اليوم مدخلًا لإعادة تعريف الأدب ذاته. فالنص الرقمي لا يُكتب فقط، بل يُبرمج ويُصمم ويُبنى كفضاء تفاعلي. إنه نص لا يكتمل إلا بالقارئ، ولا يُفهم إلا داخل شبكة من الروابط والوسائط. هنا، يتحول الأدب إلى ما يشبه “كائنًا حيًا”، يتغير مع كل قراءة، ويتشكل مع كل تفاعل.

أما في العالم العربي، فإن المشهد يبدو أكثر شاعرية وأقل صخبًا. المبادرات الرقمية، مثل حلقات القراءة الثنائية اللغة، تفتح نوافذ جديدة للحوار بين الثقافات، لكنها تكشف أيضًا عن حالة انتقالية يعيشها الأدب العربي. فبينما يتقدم الشكل الرقمي بخطى ثابتة، لا يزال المضمون مترددًا، كمن يخشى أن يفقد جذوره في تربة الورق. ومع ذلك، فإن هذه المبادرات تحمل في طياتها بذور تحول مهم: الانتقال من القراءة الفردية إلى القراءة الجماعية، ومن النص المغلق إلى النص المفتوح على النقاش والتأويل.

في هذا السياق، يبدو الأدب العربي كمن يقف على عتبة زمنين: زمن المخطوط الذي يحتفي بالكلمة، وزمن الشاشة الذي يحتفي بالتفاعل. وربما تكمن قوة هذا الأدب في قدرته على التوفيق بين الاثنين، لا في الانحياز إلى أحدهما. فالنص الرقمي العربي، إن أراد أن ينجو من سطحية الاستهلاك، عليه أن يستعيد عمقه الثقافي، وأن يحوّل التكنولوجيا إلى أداة للمعنى، لا مجرد زينة شكلية.

في الضفة الأخرى من العالم، في أمريكا وأوروبا، تكشف المعارض والفعاليات الأدبية عن تداخل متزايد بين الأدب والصناعات الثقافية. لم يعد غريبًا أن تتحول الرواية إلى تطبيق، أو أن تُبنى القصة على منطق الألعاب الرقمية. هذا التداخل يفتح آفاقًا جديدة للسرد، لكنه يطرح أيضًا أسئلة مقلقة: هل سيبقى الأدب مساحة للتأمل، أم سيتحول إلى منتج ترفيهي سريع الاستهلاك؟ وهل يمكن للنص أن يحتفظ بعمقه في عالم تحكمه السرعة والانتباه القصير؟

وسط هذا المشهد العالمي، يبدو المغرب في موقع خاص، أقرب إلى الصمت منه إلى الضجيج. لا أخبار بارزة عن إصدارات رقمية كبرى، لكن ثمة حراكًا خفيًا يتشكل في الهوامش: مدونات، تجارب فردية، محاولات لكتابة نصوص تشعبية. هذا الغياب الظاهري قد يكون في الحقيقة فرصة، لأنه يتيح للأدب الرقمي المغربي أن ينمو بعيدًا عن ضغط السوق، وأن يكتشف صوته الخاص.

غير أن التحدي الأكبر يظل مؤسساتيًا. فالأدب الرقمي لا يمكن أن يزدهر في غياب بنية تحتية داعمة: دور نشر رقمية، منصات توزيع، برامج تدريب. ما نراه اليوم هو جهد أفراد، لا مشروع جماعة. ومع ذلك، فإن التاريخ الأدبي يعلمنا أن التحولات الكبرى تبدأ دائمًا من الهامش، قبل أن تنتقل إلى المركز.

إن ما يجمع كل هذه التحولات هو فكرة واحدة: أن الأدب لم يعد ثابتًا. لقد خرج من صفحاته ليعيش في فضاء مفتوح، حيث تتداخل النصوص مع الصور، وتتحاور الكلمات مع الأصوات، وتتشكل الحكاية في لحظة تفاعل مستمر. هذا التحول لا يعني نهاية الأدب، بل ربما بدايته الجديدة.

لكن هذه البداية ليست بريئة. فهي محاطة بأسئلة السلطة والمعنى والسوق. من يملك المنصة يملك النص، ومن يملك الخوارزمية يحدد ما يُقرأ وما يُنسى. في هذا العالم الجديد، لم يعد الكاتب وحده من يكتب، بل تكتب معه الخوارزميات، وتعيد تشكيل نصه وفق منطقها الخاص. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف يمكن للأدب أن يحتفظ بحريته في زمن تتحكم فيه الآلات في شروط القراءة؟

ربما يكون الجواب في العودة إلى جوهر الأدب نفسه: القدرة على طرح الأسئلة. فالأدب الرقمي، مهما تطورت أدواته، يظل في النهاية بحثًا عن المعنى، ومحاولة لفهم الإنسان في عالم يتغير بسرعة. وإذا استطاع هذا الأدب أن يحافظ على هذا الجوهر، فإنه لن يكون مجرد انعكاس للتكنولوجيا، بل سيكون قوة نقدية قادرة على مساءلتها.

هكذا، ونحن نتابع أخبار الإصدارات الجديدة، ندرك أننا لا نقرأ عن كتب فقط، بل عن تحوّل حضاري يعيد تشكيل علاقتنا بالكلمة. الأدب الرقمي ليس مجرد مرحلة عابرة، بل هو مرآة لزمننا، بكل ما فيه من تناقضات وإمكانات. وبين الخوارزمية والخيال، بين السوق والمعنى، يظل السؤال مفتوحًا: أي أدب نريد أن نكتب؟ وأي قارئ نريد أن نصبح؟


0 التعليقات: