يُعَدُّ أمبرتو إيكو مِنْ أَبْرَزِ أَعْلَامِ الأَدَبِ وَالفِكْرِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، وَهُوَ رَوَائِيٌّ إِيطَالِيٌّ، وَنَاقِدٌ أَدَبِيٌّ، وَفَيْلَسُوفٌ، وَمُنَظِّرٌ فِي عِلْمِ السِّيمِيَائِيَّاتِ (عِلْمِ العَلَامَاتِ). وُلِدَ فِي مَدِينَةِ أَلِسَّانْدْرِيَا بِإِيطَالِيَا يَوْمَ 5 يَنَايِرَ 1932، وَتُوُفِّيَ فِي مِيلَانُ فِي 19 فِبْرَايِرَ 2016 .
تَلَقَّى إِيكُو تَعْلِيمَهُ الجَامِعِيَّ فِي University of Turin حَيْثُ حَصَلَ عَلَى دُكْتُورَاهُ فِي الفَلْسَفَةِ، وَتَخَصَّصَ فِي دِرَاسَةِ الفِكْرِ الوَسِيطِ وَالجَمَالِيَّاتِ، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ إِلَى البَحْثِ فِي عِلْمِ السِّيمِيَائِيَّاتِ وَالنَّقْدِ الثَّقَافِيِّ . وَقَدْ دَرَّسَ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ فِي University of Bologna، حَيْثُ أَصْبَحَ أُسْتَاذًا مُرْمُوقًا وَمَرْجِعًا فِكْرِيًّا دُوَلِيًّا .
اشْتَهَرَ
إِيكُو عَالَمِيًّا بِرِوَايَتِهِ الشَّهِيرَةِ اسم
الوردة (1980)، وَهِيَ رِوَايَةٌ تَارِيخِيَّةٌ تَمْزِجُ
بَيْنَ التَّحْقِيقِ البُولِيسِيِّ وَالفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ وَالدِّرَاسَاتِ
الوَسِيطَةِ، وَقَدْ جَعَلَتْ مِنْهُ كَاتِبًا عَالَمِيًّا ذَا صِيتٍ وَاسِعٍ . كَمَا أَلَّفَ أَعْمَالًا رِوَائِيَّةً أُخْرَى مِثْلَ بندول فوكو، وَعَدَدًا كَبِيرًا مِنَ
الدِّرَاسَاتِ النَّقْدِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ.
وَيُعَدُّ
إِيكُو مِنْ أَهَمِّ المُنَظِّرِينَ فِي عِلْمِ السِّيمِيَائِيَّاتِ، حَيْثُ
طَوَّرَ مَفَاهِيمَ مِثْلَ “العَمَلِ المَفْتُوحِ” (Opera Aperta) وَ“دَوْرِ
القَارِئِ فِي إِنْتَاجِ المَعْنَى”، مُؤَكِّدًا أَنَّ النَّصَّ لَيْسَ كِيَانًا
مُغْلَقًا، بَلْ فَضَاءٌ تَأْوِيلِيٌّ مُتَعَدِّدُ الدَّلَالَاتِ . وَقَدْ جَمَعَ فِي كِتَابَاتِهِ بَيْنَ العِلْمِ وَالأَدَبِ
وَالفَلْسَفَةِ، مِمَّا جَعَلَ أُسْلُوبَهُ مُوسُوعِيًّا يَمْزِجُ بَيْنَ
الصَّرَامَةِ الأَكَادِيمِيَّةِ وَالسَّرْدِ الإِبْدَاعِيِّ.
لَمْ
يَكُنْ إِيكُو رَوَائِيًّا فَقَطْ، بَلْ كَانَ مُثَقَّفًا نَاقِدًا لِظَوَاهِرِ
العَصْرِ، وَقَدْ تَنَاوَلَ فِي مَقَالَاتِهِ قَضَايَا السِّيَاسَةِ
وَالثَّقَافَةِ وَالإِعْلَامِ، وَمِنْ أَشْهَرِ نُصُوصِهِ مَقَالُهُ حَوْلَ
“الفَاشِيَّةِ الأَزَلِيَّةِ” الَّذِي قَدَّمَ فِيهِ تَحْلِيلًا عَمِيقًا
لِبِنْيَةِ الأَفْكَارِ الشُّمُولِيَّةِ .
وَبِفَضْلِ
مَسَارِهِ المُتَعَدِّدِ، ظَلَّ أمبرتو إيكو
نَمُوذَجًا لِلمُفَكِّرِ المُوسُوعِيِّ الَّذِي يَعْبُرُ الحُدُودَ بَيْنَ
الأَجْنَاسِ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ لَذَّةِ الحِكَايَةِ وَعُمْقِ الفِكْرِ، مُتْرِكًا
إِرْثًا أَدَبِيًّا وَفَلْسَفِيًّا يَظَلُّ حَيًّا فِي الثَّقَافَةِ
العَالَمِيَّةِ.
يَظَلُّ عَمَلُ Umberto Eco الرِّوَائِيُّ "اسم الوردة" (1980)
نُقْطَةَ تَقَاطُعٍ نَادِرَةً
بَيْنَ الأَدَبِ وَالفَلْسَفَةِ وَالتَّارِيخِ، حَيْثُ لا يَكْتَفِي النَّصُّ
بِسَرْدِ حِكَايَةٍ بُولِيسِيَّةٍ فِي دَيْرٍ إِيطَالِيٍّ فِي القَرْنِ الرَّابِعِ
عَشَرَ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَخْبَرٍ تَأْوِيلِيٍّ يَفْتَحُ أَبْوَابَ
المَعْنَى عَلَى مِصْرَاعَيْهَا، وَيُرَاوِغُ القَارِئَ بَيْنَ ظِلَالِ النَّصِّ
وَحُدُودِ التَّأْوِيلِ.
تَدُورُ
أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ دَاخِلَ دَيْرٍ بِنِدِكْتِيٍّ سَنَةَ 1327، حَيْثُ يَصِلُ
الرَّاهِبُ الفِرَنْسِيسْكَانِيُّ وِيلْيَامُ مِنْ بَاسْكَرْفِيل وَتِلْمِيذُهُ
آدْسُو لِلْتَّحْقِيقِ فِي سِلْسِلَةِ جَرَائِمَ غَامِضَةٍ، لَكِنَّ مَا يَبْدُو
فِي ظَاهِرِهِ لُغْزًا جِنَائِيًّا يَنْفَتِحُ سُرْعَانَ مَا عَلَى صِرَاعٍ
أَعْمَقَ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالعَقْلِ، وَبَيْنَ الحَقِيقَةِ وَسُلْطَةِ
تَحْجِيمِهَا .
يَتَجَلَّى
نَبْضُ الرِّوَايَةِ فِي فِكْرَةِ "المَكْتَبَةِ المُتَاهِيَةِ"، تِلْكَ
البِنْيَةِ الرَّمْزِيَّةِ الَّتِي تُجَسِّدُ مَعْرِفَةً مُحَاصَرَةً
وَمُقَنَّنَةً، حَيْثُ تُصْبِحُ الكُتُبُ أَدَوَاتِ سُلْطَةٍ، وَيَغْدُو
إِخْفَاؤُهَا وَتَحْرِيمُهَا وَسِيلَةً لِلسَّيْطَرَةِ عَلَى العُقُولِ. هُنَا
يَتَقَاطَعُ السَّرْدُ مَعَ رُؤْيَا سِيمِيَائِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، إِذْ يُصْبِحُ
كُلُّ عَلامَةٍ دَلِيلًا مُحْتَمَلًا، وَكُلُّ نَصٍّ نَصًّا آخَرَ يُحِيلُ
إِلَيْهِ، فَـ"الكُتُبُ تَتَحَدَّثُ عَنْ كُتُبٍ أُخْرَى"، كَمَا
يُشِيرُ إِيكُو، فِي إِحَالَةٍ صَرِيحَةٍ إِلَى لُعْبَةِ التَّنَاصِّ وَتَفَكُّكِ
اليَقِينِ .
وَفِي
هَذَا الفَضَاءِ المُعْتِمِ، يَتَقَابَلُ نَمُوذَجَانِ مَعْرِفِيَّانِ:
وِيلْيَامُ، الَّذِي يُجَسِّدُ العَقْلَ التَّجْرِيبِيَّ وَمَنْطِقَ
الاِسْتِنْتَاجِ، وَجُورْجِي، الَّذِي يُمَثِّلُ سُلْطَةَ التَّأْوِيلِ المُغْلَقِ
وَالخَوْفَ مِنَ الضَّحِكِ وَالمَعْرِفَةِ الحُرَّةِ. وَبَيْنَ هَذَيْنِ
القُطْبَيْنِ، تَنْبَنِي دِرَامَا الفِكْرِ الإِنْسَانِيِّ، حَيْثُ لَا تَنْتَصِرُ
الحَقِيقَةُ بِلُغَةٍ قَاطِعَةٍ، بَلْ تَتَشَظَّى إِلَى شَذَرَاتٍ، كَأَنَّهَا
وَرْدَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا اسْمُهَا.
وَإِذَا
كَانَتِ الرِّوَايَةُ تُقَدِّمُ نَفْسَهَا كَحِكَايَةِ تَحْقِيقٍ، فَإِنَّهَا فِي
جَوْهَرِهَا تَهْدِمُ مَنْطِقَ الحَلِّ نَفْسَهُ؛ فَالنِّهَايَةُ لَا تُقَدِّمُ
يَقِينًا، بَلْ تَكْشِفُ عَنْ فَوْضَى الأَسْبَابِ وَهَشَاشَةِ النَّتَائِجِ،
حَيْثُ يَعْتَرِفُ المُحَقِّقُ بِأَنَّهُ لَا نَمَطَ نِهَائِيًّا لِلأَحْدَاثِ،
فَتَتَحَوَّلُ الرِّوَايَةُ مِنْ بَحْثٍ عَنِ الحَقِيقَةِ إِلَى تَأَمُّلٍ فِي
اسْتِحَالَةِ امْتِلَاكِهَا .
إِنَّ
قُوَّةَ "اسم
الوردة" لَا تَكْمُنُ فِي حَبْكَتِهَا فَقَطْ، بَلْ فِي بِنْيَتِهَا
المَعْرِفِيَّةِ المُرَكَّبَةِ، حَيْثُ تَتَدَاخَلُ النُّصُوصُ الدِّينِيَّةُ
وَالفَلْسَفِيَّةُ وَالأَدَبِيَّةُ، لِتُشَكِّلَ مَا يُشْبِهُ "مُتَاهَةً
نَصِّيَّةً" تُجْبِرُ القَارِئَ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا فِي الإِنْتَاجِ
الدَّلَالِيِّ، لَا مُجَرَّدَ مُتَلَقٍّ سَلْبِيٍّ. وَهُنَا يَتَجَلَّى مَفْهُومُ
"العَمَلِ المَفْتُوحِ" الَّذِي نَظَّرَ لَهُ إِيكُو، حَيْثُ يَظَلُّ
النَّصُّ قَابِلًا لِتَأْوِيلَاتٍ لَا نِهَائِيَّةٍ.
وَلَعَلَّ
العُنْوَانَ نَفْسَهُ يُمَثِّلُ مِفْتَاحًا سِيمِيَائِيًّا لِفَهْمِ الرِّوَايَةِ؛
فَالوَرْدَةُ، بِغِنَاهَا الرَّمْزِيِّ، تَفْقِدُ مَعْنَاهَا بِكَثْرَةِ مَا
تَحْمِلُ مِنْ دَلَالَاتٍ، حَتَّى تُصْبِحَ مُجَرَّدَ اسْمٍ خَالٍ مِنَ
الجَوْهَرِ، فِي إِشَارَةٍ إِلَى تَبَدُّدِ الحَقِيقَةِ فِي عَالَمٍ تَتَكَاثَرُ
فِيهِ التَّأْوِيلَاتُ .
هَكَذَا،
يَكْتُبُ إِيكُو رِوَايَةً لَا تُقْرَأُ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ تُعَادُ
قِرَاءَتُهَا كُلَّمَا أَرَدْنَا أَنْ نُفَكِّرَ فِي عَلَاقَةِ الإِنْسَانِ
بِالمَعْرِفَةِ وَالسُّلْطَةِ وَالحَقِيقَةِ. إِنَّهَا نَصٌّ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ
العَالَمَ لَيْسَ كِتَابًا مَفْتُوحًا فَقَطْ، بَلْ مَتَاهَةٌ مِنَ العَلَامَاتِ،
وَأَنَّ القَارِئَ هُوَ آخِرُ مَنْ يَكْتُبُهُ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق