الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 20، 2026

الثقافة العربية تعيد كتابة ذاتها بين الذاكرة والعالم: إعداد عبده حقي


 في الأسبوع الثقافي الذي انقضى، لم تكن الأحداث مجرد تواريخ عابرة في أجندة المعارض والمهرجانات، بل بدت أشبه بنبضات خفية تُعيد تشكيل الجسد الرمزي للثقافة من المحيط إلى الخليج. شيء ما يتغير في العمق، كأن الفن العربي والإفريقي يخرج من قوقعته القديمة، ليخوض مغامرة جديدة في مساءلة الذات والعالم معًا، دون خوف من الأسئلة الثقيلة أو الذاكرة المربكة.

في إفريقيا، وتحديدًا في أبيدجان، بدا المشهد وكأنه استعارة حية لفكرة “المدينة كمعرض مفتوح”. لم يعد الفن محصورًا داخل الجدران البيضاء لصالات العرض، بل تمدد إلى الشوارع، إلى الأزقة، إلى الفضاءات التي اعتادت أن تكون بعيدة عن الضوء الثقافي. هناك، لم يكن الزائر مجرد متفرج، بل صار جزءًا من العمل الفني نفسه، يتفاعل، يتساءل، وربما يعيد تعريف موقعه داخل هذا المشهد. هذه الدينامية الجديدة تكشف عن تحوّل عميق: الفن لم يعد ترفًا للنخب، بل أصبح أداة لإعادة توزيع الحساسية الجمالية داخل المجتمع.

غير أن هذا الانفتاح لا يخلو من دلالات سياسية خفية. فحين يخرج الفن من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام، فإنه يعلن، بطريقة غير مباشرة، عن رغبته في استعادة المجال العمومي من قبضة الاستهلاك السريع واللامبالاة اليومية. وكأن الفنان الإفريقي يقول: نحن هنا، نعيد رسم خرائطنا بأنفسنا، بعيدًا عن المركزيات القديمة التي كانت تحدد ما يُعرض وما يُهمّش.

في الضفة العربية، من تونس إلى دبي، تتخذ هذه التحولات منحى أكثر تعقيدًا. المعارض الفنية التي برزت خلال هذا الأسبوع لم تعد تكتفي بعرض اللوحات، بل تحولت إلى فضاءات تأمل في الذاكرة والهوية والمنفى. أعمال فنية تتحدث عن الغياب أكثر مما تتحدث عن الحضور، وعن الجذور التي تذبل في المنفى، وعن المدن التي تسكننا حتى ونحن بعيدون عنها. هنا، يصبح الفن لغة بديلة للسياسة، أو ربما امتدادًا لها، لكن بلغة أكثر شفافية وأقل مباشرة.

في هذه المعارض، لا يُطرح سؤال الهوية كمعطى ثابت، بل كمسار قلق ومفتوح. الهوية لم تعد شيئًا نملكه، بل شيئًا نبحث عنه باستمرار، في الصور، في الحكايات، في الوجوه التي عبرت حدودًا لا تُرى. وهذا ما يمنح الفن العربي المعاصر تلك النبرة الشجية التي تشبه الاعتراف، حيث يتحول العمل الفني إلى نوع من البوح الجماعي، أو إلى مرآة تعكس شروخ الذاكرة الجماعية.

أما في الخليج، وتحديدًا في السعودية، فإن المشهد يبدو مختلفًا من حيث الإيقاع، لكنه لا يقل أهمية من حيث الدلالة. بينالي الدرعية، في امتداداته الجديدة، يكشف عن طموح واضح لتحويل الفن إلى رافعة استراتيجية، لا تقتصر على الجماليات، بل تتجاوزها نحو الدبلوماسية الثقافية. هنا، يصبح الفن جزءًا من خطاب الدولة، أو لنقل من مشروعها لإعادة تعريف موقعها في العالم.

غير أن هذه التجربة، رغم طموحها، تظل محاطة بتوترات صامتة. فالفن، بطبيعته، يميل إلى الحرية والانفلات، بينما تميل المؤسسات إلى التنظيم والضبط. وبين هذين القطبين، يتشكل فضاء هش، لكنه خصب، يسمح بظهور أشكال جديدة من التعبير، خاصة في مجال الفن الرقمي، الذي يبدو أنه وجد في هذه البيئة مجالًا رحبًا للنمو.

في موازاة ذلك، تواصل السينما العربية زحفها نحو الساحة العالمية، حيث تُعلن مشاركات جديدة في مهرجان كان، وكأنها تؤكد أن الحكاية العربية لم تعد محلية فقط، بل أصبحت جزءًا من السرد العالمي. هذه العودة ليست مجرد حضور رمزي، بل هي تعبير عن نضج سردي، وعن قدرة على تحويل التجارب المحلية إلى قصص إنسانية كونية.

وإذا كانت السينما تتجه نحو العالمية، فإنها في الآن نفسه تعود إلى جذورها، كما يظهر في إعادة عرض أفلام يوسف شاهين في القاهرة. هذه العودة إلى التراث ليست مجرد حنين، بل هي محاولة لإعادة قراءة الماضي بعين الحاضر، لفهم ما تغير وما بقي. وكأن السينما العربية، في هذه اللحظة، تعيش بين زمنين: زمن الذاكرة وزمن الإمكان.

أما على الساحة الدولية، فإن حضور الثقافة العربية يتخذ أشكالًا أكثر تركيبًا. جناح قطر في بينالي البندقية، على سبيل المثال، لا يكتفي بعرض أعمال فنية، بل يقدم تجربة متعددة الحواس، تجمع بين الفن والموسيقى والمطبخ. هنا، تتحول الثقافة إلى تجربة معيشة، لا مجرد عرض بصري، وكأن الرسالة تقول: الهوية ليست فكرة مجردة، بل هي طعم وصوت ورائحة.

هذا التوجه يعكس تحولًا في فهم العرض الثقافي، حيث لم يعد الهدف هو عرض الأعمال فقط، بل خلق تجربة شاملة تضع المتلقي في قلب الحدث. وهو ما يعكس أيضًا رغبة في كسر الحدود بين الفنون، وفي تقديم الثقافة كنسيج متكامل، لا كجزر منفصلة.

وفي الضفة الغربية من العالم، تستمر الثقافة في لعب دورها كضمير حي، كما يظهر في دعوات المسرحيين الأمريكيين إلى كسر الصمت تجاه الأزمات العالمية. هنا، يعود المسرح إلى جذوره الأولى، كفضاء للنقاش والمساءلة، لا كوسيلة للترفيه فقط. وكأن الفن، في هذه اللحظة، يرفض أن يكون محايدًا، ويصر على أن يكون شاهدًا، وربما فاعلًا، في ما يجري.

كل هذه التحولات، على تباينها، تشير إلى حقيقة واحدة: الثقافة لم تعد مجرد انعكاس للواقع، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيله. من أبيدجان إلى دبي، ومن الرياض إلى البندقية، ومن القاهرة إلى نيويورك، يبدو أن الفن يعيش لحظة إعادة تعريف شاملة، حيث تتداخل الجماليات بالسياسة، والذاكرة بالمستقبل، والمحلي بالعالمي.

إنها لحظة معقدة، لكنها غنية بالإمكانات. لحظة تفرض على المثقف العربي أن يعيد التفكير في موقعه، لا كناقل للمعرفة فقط، بل كصانع للمعنى، وكشاهد على زمن يتغير بسرعة غير مسبوقة. وربما، في هذا التوتر بين القديم والجديد، بين المحلي والعالمي، تكمن الفرصة الحقيقية لولادة خطاب ثقافي جديد، أكثر جرأة، وأكثر صدقًا، وأكثر قدرة على ملامسة الإنسان في عمقه.

وهكذا، لا يبدو الأسبوع الثقافي الماضي مجرد حصيلة أحداث، بل أشبه بمرآة تعكس تحولات أعمق، تحولات لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحس في تفاصيل صغيرة: في لوحة، في فيلم، في عرض مسرحي، أو حتى في لحظة صمت داخل قاعة عرض. هناك، في تلك التفاصيل، يُعاد تشكيل العالم، ببطء، ولكن بثبات.


0 التعليقات: