الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 20، 2026

الثقافة تُعيد ابتكار زمنها من فاس إلى البندقية: أعد التقرير عبده حقي

 


تبدو الأجندة الثقافية للأسبوع الماضي أشبه بساعةٍ أخرى موازية، لا تقيس الوقت بالدقائق، بل بجرعات المعنى التي تُعاد صياغتها في كل عرضٍ موسيقي، وكل معرضٍ فني، وكل خشبة مسرحٍ تُضاء ثم تنطفئ تاركةً خلفها أسئلة أكثر مما تمنح من إجابات. من المغرب إلى المشرق، ومن ضفاف المتوسط إلى قلب أوروبا، لم تكن المواعيد الثقافية مجرد تواريخ في رزنامة، بل كانت علاماتٍ على تحوّلٍ أعمق، حيث يعيد الفن كتابة علاقته بالمدينة، وبالإنسان، وبالسلطة الرمزية التي تتحكم في ما يُرى وما يُنسى.

في المغرب، حيث تتقاطع طرق الذاكرة مع رياح الأطلسي، بدت طنجة وهي تحتضن مهرجان الربيع المحلي وكأنها تُعيد اكتشاف نفسها كمدينةٍ لا تكتفي باستقبال العابرين، بل تُعيد تشكيلهم أيضًا. هناك، لم يعد المسرح حبيس القاعات المغلقة، بل خرج إلى الشوارع، إلى الأرصفة، إلى فضاءاتٍ كان يُعتقد أنها لا تصلح للفن. هذا الانزياح من الداخل إلى الخارج ليس مجرد خيارٍ جمالي، بل هو موقفٌ ثقافي يعيد توزيع الضوء، ويمنح الهامش فرصة الظهور. في هذا السياق، يتحول المهرجان إلى فعل مقاومةٍ ناعمة، يعلن من خلاله الفنانون أن المدينة ليست ملكًا للإسمنت فقط، بل للخيال أيضًا.

غير أن هذا التحول لا يمرّ دون أن يطرح أسئلته. فحين يصبح الفضاء العام مسرحًا، تبرز إشكالية العلاقة بين الفن والسلطة، بين الحرية والتنظيم، بين العفوية والبرمجة. ومع ذلك، فإن ما يميز التجربة المغربية هو قدرتها على التوازن بين هذه الأقطاب، حيث يبدو أن الفن وجد لنفسه مكانًا في قلب التحولات الحضرية دون أن يفقد صوته الخاص.

في فاس، المدينة التي تتنفس تاريخًا، يواصل المعهد الفرنسي لعب دور الوسيط الثقافي، من خلال برمجة تجمع بين الموسيقى والمسرح والأدب. هنا، يتجلى شكل آخر من أشكال التفاعل الثقافي، حيث تتقاطع اللغات والتجارب، وتتشابك الرؤى في فضاءٍ واحد. هذا الحضور للمؤسسات الثقافية الأجنبية في المشهد المحلي ليس جديدًا، لكنه يكتسب اليوم دلالة مختلفة، في ظل عالمٍ يتجه أكثر فأكثر نحو الهجنة الثقافية.

إن فاس، بما تحمله من ثقلٍ روحي وتاريخي، لا تستقبل هذه البرمجة بوصفها امتدادًا لهيمنة ثقافية، بل كفرصةٍ لإعادة التفاوض مع الآخر، لإعادة تعريف الذات عبر مرآةٍ متعددة الزوايا. ومع ذلك، يظل السؤال قائمًا: إلى أي حد يمكن لهذه الدينامية أن تخلق توازنًا حقيقيًا بين المحلي والعالمي، دون أن تُذيب أحدهما في الآخر؟

في الدار البيضاء والرباط، حيث الإيقاع أسرع والفضاء أكثر اتساعًا، تعود الحفلات الموسيقية لتملأ المسارح والساحات، حاملةً معها مزيجًا من الأصوات التي تتراوح بين العيطة وكناوة والتجارب الحديثة. هذا التعايش بين الأنماط الموسيقية ليس مجرد تنوع، بل هو تعبير عن هويةٍ مركبة، ترفض الاختزال في قالبٍ واحد. وكأن الموسيقى هنا تُمارس نوعًا من الترجمة المستمرة بين الماضي والحاضر، بين الجذور والأجنحة.

إن عودة الجمهور بقوة إلى هذه العروض الحية بعد سنواتٍ من هيمنة الشاشة الرقمية تكشف عن حاجةٍ عميقة إلى اللقاء، إلى المشاركة، إلى استعادة الإحساس بالجماعة. فالفن، في جوهره، ليس مجرد عرضٍ يُشاهَد، بل تجربة تُعاش، لحظة تلتقي فيها الذوات في إيقاعٍ واحد، ولو لوقتٍ قصير.

في العالم العربي، تتخذ هذه التحولات منحى أكثر تأملاً. المعارض الفنية في دبي وغيرها من العواصم العربية لم تعد تكتفي بتقديم أعمالٍ جميلة، بل أصبحت فضاءاتٍ للتفكير في الذاكرة، في المنفى، في الجسد الذي يحمل تاريخه أينما ذهب. هنا، يتحول الفن إلى لغةٍ بديلة للقول، إلى محاولةٍ لملء الفراغ الذي تتركه السياسة حين تعجز عن التعبير.

إن اشتغال الفنانين العرب على موضوعات مثل الهجرة والهوية لا يعكس فقط واقعًا اجتماعيًا، بل يكشف عن وعيٍ جديد بدور الفن كأداةٍ للتحليل، لا مجرد انعكاس. فالمعرض لم يعد مكانًا للعرض فقط، بل أصبح مختبرًا للأفكار، حيث تُختبر الأسئلة أكثر مما تُقدَّم الأجوبة.

أما في أوروبا، حيث تتعدد الذاكرات وتتشابك الهويات، فإن المهرجانات الموسيقية مثل Roadburn في هولندا تقدم نموذجًا مختلفًا، يقوم على الحوار بين الأزمنة. هناك، يلتقي القديم بالجديد، لا في صراع، بل في محاولةٍ لخلق انسجامٍ جديد. هذا الربط بين الماضي والحاضر يكشف عن رغبةٍ في إعادة بناء الذاكرة الثقافية، ليس بوصفها أرشيفًا جامدًا، بل ككائنٍ حي يتغير باستمرار.

وفي فرنسا، حيث يحتفي مهرجان “Welcome in Tziganie” بالموسيقى الغجرية، نلمس توجهًا آخر، يسعى إلى إعادة الاعتبار للهويات المهمشة. هذا الاحتفاء بالهامش ليس مجرد فعلٍ ثقافي، بل هو موقفٌ سياسي أيضًا، يعترف بأن الثقافة الحقيقية لا تُبنى من المركز وحده، بل من الأطراف التي ظلت طويلاً خارج الضوء.

إن هذه التظاهرات الأوروبية، رغم اختلافها، تشترك في سعيها إلى إعادة تعريف معنى الثقافة في عالمٍ يتغير بسرعة. فالثقافة لم تعد مجرد تراث يُحفظ، بل أصبحت عملية مستمرة من إعادة الاكتشاف، من إعادة التفاوض مع الذات والآخر.

ما يجمع كل هذه المواعيد، على اختلاف جغرافيتها وسياقاتها، هو أنها تعكس لحظة انتقالية، حيث لم يعد الفن مجرد ترفٍ أو زينة، بل أصبح ضرورة لفهم العالم. من طنجة إلى دبي، ومن فاس إلى أمستردام، يبدو أن الثقافة تُعيد ابتكار زمنها الخاص، زمنًا لا يخضع بالكامل لمنطق السوق ولا لسلطة السياسة، بل يتحرك في منطقةٍ رمادية، حيث تتقاطع الحرية مع المسؤولية، والجمال مع القلق.

إنها لحظة يخرج فيها الفن من صمته، لا ليصرخ، بل ليهمس بأسئلةٍ عميقة: من نحن؟ إلى أين نذهب؟ وما الذي يبقى منا حين تتغير كل الأشياء؟ وربما، في هذا الهمس تحديدًا، تكمن قوة الثقافة الحقيقية، تلك التي لا تُقاس بعدد الحضور أو بحجم الميزانيات، بل بقدرتها على إحداث شرخٍ صغير في جدار العادة، يسمح للضوء بأن يتسلل، ولو للحظة.

وهكذا، لا تبدو الأجندة الثقافية مجرد جدولٍ للمواعيد، بل خريطةً للمعنى، تُرسم كل أسبوع من جديد، وتدعونا، نحن القراء والمتفرجين، إلى أن نكون أكثر من مجرد شهود: أن نكون شركاء في هذا التحول، وأن نعيد، بدورنا، اكتشاف العالم عبر الفن.


0 التعليقات: