الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أبريل 20، 2026

شظايا الحقيقة في زمن المنصات المتقلبة: إعداد عبده حقي

 


في أسبوعٍ واحدٍ فقط، بدا المشهد الإعلامي العالمي كأنه مرآة متكسّرة، تعكس وجوهًا متعدّدة للحقيقة، كلّ وجهٍ منها يدّعي الاكتمال، بينما يخفي في شقوقه رواياتٍ أخرى لا تُقال. لم تعد الصحافة، كما عرفناها يومًا، مجرّد وسيطٍ لنقل الخبر، بل تحوّلت إلى ساحةٍ مفتوحة تتقاطع فيها الخوارزميات مع الأيديولوجيا، وتتجاور فيها المهنية مع الفوضى، في زمنٍ صار فيه “النشر” أسرع من “التفكير”، و”المشاركة” أسبق من “التحقّق”.

في قلب هذه التحوّلات، برز هذا الأسبوع حدثٌ يكاد يلخّص المأزق كله: تصاعد غير مسبوق في انتشار الأخبار الزائفة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لم يعد التزييف بدائيًا أو مكشوفًا، بل أصبح فنًّا خفيًا، يتقن تقليد الأصوات والصور والوقائع، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الحقيقي والمصطنع. إننا لا نعيش فقط أزمة “معلومة”، بل أزمة “ثقة” عميقة، حيث تتآكل الحدود بين الخبر والخيال، وتصبح الحقيقة نفسها قابلة للتفاوض. هنا، لم يعد السؤال: ماذا حدث؟ بل: من يملك القدرة على إقناعنا بما حدث؟

وفي زاوية أخرى من هذا المشهد، كشف تقرير دولي عن تراجع مقلق في تغطية قضايا العنف ضد النساء. كأن الإعلام، وهو يلهث خلف ما تفرضه الخوارزميات من مواضيع “رائجة”، بدأ يفقد حساسيته تجاه القضايا الإنسانية الأكثر إلحاحًا. لم يعد الألم الإنساني معيارًا للأولوية، بل صار رهينةً بعدد النقرات والمشاهدات. وهنا، تتجلّى مفارقة قاسية: في زمنٍ تتوسّع فيه أدوات التعبير، يضيق فيه هامش الإنصات. كأن الصمت لم يعد غيابًا للكلام، بل نتيجة فائضه.

أما على مستوى التفاعل السياسي، فقد أعادت إحدى المنشورات المثيرة للجدل، التي حُذفت لاحقًا من منصة تواصل اجتماعي، طرح سؤال قديمٍ بثوبٍ جديد: من يصنع الرأي العام اليوم؟ لم تعد الخطابات الرسمية وحدها قادرة على توجيه الجماهير، بل أصبحت “التغريدة” أو “المنشور” قادرة على إشعال نقاشاتٍ عابرة للحدود في دقائق معدودة. إننا أمام تحوّلٍ عميق، حيث تتراجع الوساطة الصحفية لصالح تواصل مباشر، سريع، لكنه في كثير من الأحيان سطحي ومتقلّب. وهنا، يصبح السياسي صحفيًا لنفسه، ويغدو الجمهور هيئة تحريرٍ مفتوحة، بلا قواعد واضحة.

وفي سياقٍ لا يقل دلالة، أثارت إقالة صحفية بسبب تعليقٍ نشرته على حسابها الشخصي نقاشًا واسعًا حول حدود الحرية والمسؤولية. هل يملك الصحفي الحق في التعبير عن رأيه خارج مؤسسته؟ أم أن هويته المهنية تلاحقه حتى في مساحاته الخاصة؟ هذا التوتر بين “الشخصي” و”المهني” يعكس مأزقًا جديدًا في عصر المنصات: لم يعد هناك فصلٌ واضح بين الذات والوظيفة، بين الرأي والخبر، بين الإنسان والصحفي. كلّ شيءٍ صار مرئيًا، وكلّ زلّةٍ قابلة للتحوّل إلى قضية.

ورغم هذه الهزّات، لا تزال بعض المؤسسات الإعلامية التقليدية تحاول إعادة تعريف حضورها. فقد أظهرت تقارير هذا الأسبوع استمرار هيمنة بعض الصحف الشعبية، بفضل قدرتها على التكيّف مع التحوّل الرقمي، واعتمادها على الفيديو والمحتوى التفاعلي. إنها مفارقة أخرى: في زمنٍ يُعلن فيه كثيرون “موت الصحافة الورقية”، تثبت بعض هذه المؤسسات أن البقاء ليس للأقدم، بل للأكثر قدرة على التجدّد. فالإعلام، في جوهره، ليس شكلًا، بل وظيفة: القدرة على الوصول، والتأثير، وإعادة تشكيل السرد.

ومن بين إشارات الأمل القليلة، برزت مبادرات لتشجيع الصحافة الشبابية، من خلال جوائز ومنافسات تستهدف الجيل الجديد. قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه يحمل دلالة عميقة: ثمة إدراك متزايد بأن مستقبل الصحافة لن يُبنى فقط بالتكنولوجيا، بل أيضًا بالإنسان. فالشباب، الذين يستهلكون الأخبار عبر تيك توك ويوتيوب، قد يكونون هم أنفسهم صُنّاع الصحافة القادمة، بشرط أن تتوفّر لهم أدوات التفكير النقدي، لا مجرد أدوات النشر.

إذا حاولنا قراءة هذه الوقائع مجتمعة، سنجد أننا أمام ثلاث حركات كبرى تعيد تشكيل المشهد الإعلامي. أولها، صعود الذكاء الاصطناعي كفاعلٍ مركزي، ليس فقط في إنتاج المحتوى، بل أيضًا في توجيهه وتضليله. ثانيها، تحوّل الجمهور من متلقٍ سلبي إلى مشاركٍ نشط، يعلّق ويشارك ويعيد صياغة الخبر. وثالثها، أزمة الثقة التي تضرب المؤسسات الإعلامية، وتدفع الجمهور إلى البحث عن بدائل، قد تكون أحيانًا أكثر هشاشة من الأصل.

لكن، وسط هذا التشظّي، يبقى سؤال جوهري يفرض نفسه: هل ما زالت الصحافة ممكنة؟ الجواب، في تقديري، ليس في استعادة الماضي، بل في إعادة اختراع الحاضر. الصحافة التي يمكن أن تصمد اليوم ليست تلك التي تنافس المنصات في السرعة، بل تلك التي تتفوّق عليها في العمق. ليست التي تلهث خلف “الترند”، بل التي تفكّكه وتعيد تأويله. إنها صحافة تُبطئ الإيقاع، لتمنح المعنى فرصةً للظهور.

في النهاية، قد يكون هذا الأسبوع مجرّد عيّنة مكثّفة من تحوّلاتٍ أكبر، تمتدّ في الزمن وتتجاوز الجغرافيا. لكنه، في الوقت نفسه، يذكّرنا بأن الحقيقة، رغم كلّ ما يحيط بها من ضجيج، لا تزال ممكنة. غير أنها لم تعد تُعطى بسهولة، بل تُنتزع انتزاعًا، عبر جهدٍ مضاعف من التحقّق، والتفكير، والشكّ الخلّاق.

وهكذا، بينما تتكاثر الشظايا، يبقى الأمل في أن نعيد تركيب المرآة، لا لتكون كاملة كما كانت، بل لتكون صادقة بما يكفي كي تعكسنا كما نحن: كائنات تبحث عن المعنى، وسط عالمٍ يفيض بالمعلومات، ويعاني من ندرة الحقيقة.


0 التعليقات: