معهد العالم العربي وكأنه جزيرة ثقافية مضيئة وسط عالم يتسارع نحو النسيان البصري والضجيج الرقمي. فالمؤسسة التي ظلت منذ تأسيسها جسرا رمزيا بين الثقافة العربية وأوروبا، واصلت خلال الأيام الأخيرة تقديم برنامج فني وثقافي كثيف يعكس رغبة واضحة في إعادة وصل الإنسان العربي بذاكرته الجمالية والتاريخية والروحية. ولم تكن الأنشطة المقترحة مجرد مواعيد للفرجة العابرة، بل بدت كأنها محاولة لإنقاذ ما تبقى من المعنى في زمن تتحول فيه الثقافة تدريجيا إلى مادة استهلاكية سريعة.
من بين أبرز الأحداث التي استقطبت اهتمام الصحافة الثقافية الفرنسية والعربية خلال الأسبوع الماضي، تواصل فعاليات معرض “بيبلوس… مدينة لبنان الألفية”، وهو المعرض الذي أعاد فتح بوابة الذاكرة المتوسطية على واحدة من أقدم المدن المأهولة في التاريخ. هذا المعرض لم يكن مجرد استعراض لقطع أثرية قديمة، بل بدا أشبه بسفر طويل داخل طبقات الحضارة اللبنانية، من الفينيقيين إلى الحاضر الممزق بالحروب والأزمات. وقد وصفت عدة مقالات فرنسية المعرض بأنه رحلة بصرية داخل “لبنان الذي يقاوم الخراب بالذاكرة”.
اللافت في هذا المعرض ليس فقط غنى القطع المعروضة، بل الطريقة التي اختار بها المنظمون مزج التاريخ بالبعد الإنساني المعاصر. فلبنان هنا لا يظهر كبلد منكوب فقط، بل كفضاء حضاري استطاع عبر آلاف السنين أن يحول الألم إلى فن، والخراب إلى ذاكرة قابلة للترميم. وربما لهذا السبب شعر كثير من الزوار أن المعرض يتحدث عن العالم العربي كله، لا عن لبنان وحده.
وفي السياق نفسه، استمر الاهتمام بمعرض الصور الفوتوغرافية الخاص بالتراث اللبناني، الذي أُنجز بشراكة بين معهد العالم العربي والمكتبة الشرقية ببيروت. وقد أبرزت الصحافة الثقافية الفرنسية أهمية هذه الصور النادرة التي توثق ملامح لبنان بين 1864 و1970، قبل أن تبتلع الحروب أجزاء واسعة من ذاكرته العمرانية والإنسانية.
كانت تلك الصور أشبه بمرآة زمنية تكشف وجها آخر للمدن العربية قبل أن تلتهمها الفوضى الحديثة. شوارع هادئة، وجوه بشرية بسيطة، عمارة حجرية دافئة، وأسواق تنبض بإيقاع الحياة القديمة. لقد بدا المعرض كأنه دفاع بصري عن الذاكرة العربية المهددة بالاختفاء.
وفي المجال الموسيقي، واصل المعهد تقديم أمسياته ضمن برنامج “الأسفار الموسيقية”، حيث امتزجت الموسيقى العربية التقليدية بتجارب معاصرة قادمة من ضفاف المتوسط وإفريقيا وأوروبا. وقد ركزت الصحافة الثقافية الفرنسية على هذا البعد التفاعلي الذي يجعل الموسيقى داخل المعهد ليست مجرد حفلات، بل مختبرا للحوار الحضاري بين الثقافات.
ما يثير الانتباه في هذه الأمسيات هو أنها تحاول تحرير الموسيقى العربية من الصورة الفولكلورية الجامدة التي التصقت بها طويلا داخل المخيال الأوروبي. فالفنان العربي هنا لا يقدم نفسه كحارس للتراث فقط، بل كمبدع معاصر قادر على إعادة تركيب الأصوات القديمة داخل حساسية موسيقية جديدة تتجاور فيها الآلات الشرقية مع الإيقاعات الإلكترونية والجاز والتجريب السمعي الحديث.
كما خصص المعهد خلال الأسبوع الماضي سلسلة من اللقاءات الفكرية والنقاشات حول الأدب والهوية والذاكرة والهجرة، ضمن برامجه الثقافية المتعددة. وقد استضاف بعض هذه اللقاءات كتابا وباحثين عربا وفرنسيين ناقشوا مستقبل الثقافة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية. بدا واضحا أن المعهد يريد أن يتحول أكثر فأكثر إلى فضاء للأسئلة الفكرية الكبرى، لا مجرد مؤسسة لتنظيم المعارض الفنية.
وفي الجانب السينمائي، استمرت عروض الأفلام العربية والوثائقية داخل قاعات المعهد، مع تنظيم لقاءات مفتوحة مع بعض المخرجين والباحثين. وقد ركزت هذه العروض على قضايا الهوية والمنفى والحروب والتحولات الاجتماعية داخل العالم العربي. اللافت أن السينما العربية داخل المعهد لم تعد مجرد نافذة على الشرق بالنسبة للجمهور الفرنسي، بل أصبحت أداة لفهم تعقيدات العالم المعاصر نفسه.
كما شهد الأسبوع الماضي اهتماما متزايدا ببرنامج “الليالي الإلكترونية” الذي فتح أبواب المعهد أمام تجارب موسيقية شبابية تمزج الموسيقى الإلكترونية بالإيقاعات الشرقية والمتوسطية. وقد رأت بعض الصحف الفرنسية في هذه البرمجة محاولة ذكية لجذب الأجيال الجديدة نحو الثقافة العربية عبر أدوات فنية معاصرة.
إن ما تكشفه حصيلة الأسبوع الثقافي والفني داخل معهد العالم العربي هو أن المؤسسة لم تعد مجرد متحف للحنين العربي داخل باريس، بل تحولت إلى مساحة حية للحوار والتجريب وإعادة التفكير في معنى الثقافة نفسها. ففي زمن يزداد فيه الانغلاق والهويات المتشنجة، يبدو هذا المعهد وكأنه نافذة صغيرة تطل منها الحضارة العربية على العالم بثقة هادئة، بعيدا عن الضجيج السياسي والصور النمطية الجاهزة.
وربما لهذا السبب تحديدا، يظل معهد العالم العربي واحدا من الأماكن القليلة التي يستطيع فيها الزائر أن يشعر بأن الثقافة ما تزال قادرة على مقاومة النسيان، وأن الفن، رغم كل شيء، ما يزال قادرا على إنقاذ الروح الإنسانية من التصحر الداخلي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق