الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، مايو 16، 2026

العابرون يتركون عطورهم على حافة فنجاني: عبده حقي

 


في المقهى الذي يطلُّ على غيمةٍ مكسورة،

جلستُ أعدُّ ما تبقّى من الجهات،
وأصغي إلى الوقت
وهو يسقط قطرةً قطرةً
في محبرة الفنجان.

كان المساءُ يجرُّ ظلاله
مثل جنديٍّ تعبَ من الحروب القديمة،
وكانت الطاولةُ الخشبيةُ
تعرف اسمي أكثر من أصدقائي،
لأنني تركتُ عليها
أصابعَ كثيرةً من الحنين،
ورسائلَ لم تصل،
وقلباً يتدرّب كلَّ يوم
على خسارةٍ جديدة.

قلتُ للنادل:
أَعِدْ لي قهوةً تشبه أمّي،
مرَّةً قليلاً،
ودافئةً بما يكفي
كي ينام التعبُ في عظامي.

فضحك الرجل
كأنّه يعرف أن الأمهات
لا يُقدَّمن في فناجين،
ولا يُقاس دفؤهنَّ
بملعقةِ سكر.

في الزاوية الأخرى
كان شاعرٌ عجوز
يرتّب شيخوخته
فوق دفترٍ أصفر،
ويكتب:
“كلُّ الذين أحببناهم
أخذوا طريقهم نحو الغياب،
وتركوا لنا الكراسي فارغة
كي نتعلّم معنى الانتظار.”

وحين قرأتُ الجملة
سمعتُ الوقتَ
يتعثر داخل الفنجان،
كعصفورٍ مبتلّ
فقدَ سماءه فجأة.

يا لهذا الوقت،
كم يشبهنا
حين نخسر أسماءنا
في زحمة المدن.
يمشي متعباً
على أرصفةٍ بلا ذاكرة،
ويبحث عن ساعةٍ
لا تلدُ الموت كلَّ دقيقة.

أمدُّ يدي إلى القهوة،
فأرى وجهي
يغرق ببطء
في سوادها اللامع.
وجهي الذي حملته المنافي
مثل حقيبةٍ قديمة،
وتركته أمام أبواب كثيرة
دون أن تفتح له.

أقول لنفسي:
ما الذي يبقى من الإنسان
إذا تأخر قلبه عن الوصول؟
إذا صار العمرُ
مجردَ ظلٍّ يرافق جسداً
نسيَ الطريق إلى الفرح؟

في الخارج
كانت الأشجارُ تلوّح للريح،
كأنها تودّع أحداً
لن يعود.
وكان الليل
يفتح معطفه الأسود
ليخبئ المدن المتعبة
والعشاق المتأخرين
والشعراء الذين نسوا
أن النجاةَ ليست قصيدة.

لكنني،
رغم هذا الخراب الخفيف،
كنت أؤمن أن الكلمات
تستطيع أن تؤجّل السقوط قليلاً.
أن القصيدة
نافذةٌ صغيرة
في جدار العالم،
وأن القلب
حين يكتب،
يصير أقلَّ وحدةً.

لهذا تركتُ الوقت
يسقط في محبرة الفنجان،
ولم أحاول إنقاذه.
فالوقتُ الذي لا يسقط
لا يتعلّم الطيران،
والأعمار التي تبقى معلّقةً
فوق الحائط
لا ترى اتساع الأرض.

شربتُ آخر رشفة،
فارتجف المساءُ
كأنه تذكّر حباً قديماً،
ورأيتُ في قاع الفنجان
نهراً صغيراً
يعبر نحو المجهول.

نهراً يشبه القصائد
حين تخرج من القلب
عاريةً من البلاغة،
ومحمّلةً فقط
برائحة الإنسان.

ثم نهضتُ،
وتركتُ الكرسيَّ وحيداً
يحرس ما تبقّى مني،
ومشيتُ في شارعٍ طويل
تتبخر فيه الأرصفة
مثل ذاكرةٍ بعيدة،
بينما كانت الساعة
تواصل سقوطها البطيء
في محبرة الفنجان.


0 التعليقات: