الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مايو 26، 2026

السرد الخوارزمي ومسرحة الرواية الرقمية يفتحان أبواب الأدب القادم: عبده حقي

 


لم يعد النص الروائي المعاصر يعيش داخل الحدود الورقية المغلقة التي صاغتها القرون السابقة، بل صار يتحرك مثل كائن هجين يعبر بين الخوارزميات والمنصات الرقمية والعروض الحية والبيانات الضخمة. لقد بدأت الرواية الحديثة تفقد ملامحها التقليدية القديمة بالتدريج، كما تفقد المدن العتيقة أسوارها الحجرية تحت ضغط الحداثة المتسارعة. وفي قلب هذا التحول يبرز مفهوم السرديات المولدة خوارزمياً بوصفه واحداً من أكثر المشاريع الأدبية إثارة للجدل في القرن الحادي والعشرين، خاصة مع صعود الذكاء الاصطناعي، وتحول البيانات البشرية إلى مادة خام قابلة للمعالجة السردية.

السرد الخوارزمي لا يقوم فقط على كتابة قصة بواسطة برنامج معلوماتي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة بناء عوالم سردية كاملة اعتماداً على تحليل كميات هائلة من البيانات البشرية والنصوص والأمزجة والاتجاهات الثقافية. هنا تصبح الخوارزمية أشبه بعقل خفي يراقب ملايين الجمل والصور والسلوكيات الرقمية ثم يعيد تركيبها داخل شخصيات روائية وأحداث متشابكة. هذا التصور يقترب مما تحدث عنه الباحث الأمريكي فرانكو موريتّي في كتابه الشهير Distant Reading الذي دعا فيه إلى قراءة الأدب عبر البيانات والإحصاءات بدل القراءة التقليدية وحدها. فالرواية الجديدة لم تعد فقط فناً للتأمل الفردي، بل أصبحت أيضاً مختبراً لتحليل الأنماط البشرية داخل الفضاء الرقمي العالمي.

لقد بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى ومختبرات الذكاء الاصطناعي بالفعل في اختبار نماذج قادرة على توليد شخصيات روائية معقدة اعتماداً على تحليل ملايين الحوارات البشرية. وتكشف تقارير منشورة في مجلات مثل MIT Technology Review وWired أن عدداً من الباحثين يعملون على تطوير أنظمة تستطيع اقتراح الحبكات وتوقع ردود فعل القراء وحتى تعديل الأحداث أثناء القراءة بناءً على تفاعل المستخدم مع النص. وهنا يتحول القارئ من متلق سلبي إلى مشارك داخل ماكينة سردية متحركة تشبه متاهة إلكترونية تتغير جدرانها باستمرار.

هذا التحول يعيد إلى الواجهة أسئلة فلسفية قديمة حول معنى المؤلف وحدود الإبداع الإنساني. فقد أعلن رولان بارت منذ ستينيات القرن الماضي “موت المؤلف”، لكنه لم يكن يتخيل أن الآلة نفسها قد تصبح ذات يوم شريكاً في صناعة النص. إن الخوارزمية اليوم لا تكتب بدافع العاطفة أو الذاكرة أو المعاناة، لكنها تستطيع محاكاة تلك العناصر عبر تحليل أرشيف بشري هائل. وهنا تبدو الرواية الجديدة مثل مرآة رقمية ضخمة تعكس الإنسان دون أن تمتلك قلبه الحقيقي. إنها تشبه ممثلاً بارعاً يقلد الألم بدقة مذهلة بينما يبقى داخله بارداً مثل شاشة زجاجية.

وفي موازاة هذا المسار تظهر الرواية المسرحية الغامرة بوصفها شكلاً آخر من أشكال الثورة السردية الرقمية. هذا النمط الجديد يحاول تفكيك الحدود بين الرواية والمسرح والألعاب الرقمية والسينما التفاعلية. فالقارئ لم يعد يكتفي بمتابعة الأحداث من الخارج، بل يدخل إلى العالم السردي كما يدخل المتفرج إلى عرض مسرحي حي تحيط به الأصوات والظلال والمؤثرات البصرية. وقد برزت تجارب عالمية عديدة في هذا الاتجاه، أبرزها عروض Sleep No More في نيويورك التي أعادت تقديم “ماكبث” بطريقة تجعل الجمهور يتجول داخل فضاء العرض بحرية كاملة، وكأنه يسير داخل حلم متشظٍ لا داخل مسرح تقليدي.

إن الرواية الغامرة تستعير من المسرح الحي قدرته على الإحاطة الحسية بالمتلقي، ومن الوسائط الرقمية قدرتها على التفاعل الفوري. وهنا تتحول القراءة إلى تجربة جسدية ونفسية في الوقت نفسه. فالقارئ قد يسمع صوت المطر أثناء تصفح فصل معين، أو يشاهد مقطع فيديو مرتبطاً بالشخصية، أو يتلقى رسالة رقمية تغير مسار القصة. هذه التقنية تجعل النص أقرب إلى مدينة متعددة الأبواب بدلاً من كونه طريقاً خطياً واحداً. وقد ناقش الباحث هنري جينكنز في كتابه Convergence Culture هذا التداخل بين الوسائط، معتبراً أن السرد المستقبلي سيقوم على عبور القصة بين أشكال إعلامية متعددة بدل بقائها محصورة في قالب واحد.

لكن هذا التحول لا يخلو من مخاطر ثقافية وجمالية. فهناك من يرى أن الإفراط في الاعتماد على الخوارزميات قد يقود إلى أدب بارد يخضع لمنطق البيانات أكثر مما يخضع لحرارة التجربة الإنسانية. الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو كان يعتقد أن الرواية الحقيقية تنمو من الغموض والاحتمال والذاكرة الشخصية، بينما تميل الخوارزميات إلى البحث عن الأنماط المتكررة والقابلة للتوقع. ولهذا يخشى بعض النقاد من أن يتحول الأدب إلى منتج استهلاكي تحكمه خوارزميات السوق الرقمي التي تفضل السرعة والإثارة والانتشار على العمق الفني والتأمل الوجودي.

ومع ذلك فإن كثيراً من الكتّاب الشباب ينظرون إلى هذه التقنيات بوصفها فرصة لتحرير الرواية من قيودها القديمة. لقد بدأت تظهر بالفعل نصوص رقمية تتغير حبكاتها حسب اختيارات القارئ، وأخرى تستخدم بيانات الطقس أو الموقع الجغرافي لتعديل الأجواء السردية لحظة القراءة. وبعض التجارب اليابانية والكورية ذهبت أبعد من ذلك، حيث تم دمج تقنيات الواقع الافتراضي داخل الأعمال الروائية بحيث يصبح القارئ قادراً على التجول داخل المدينة المتخيلة أو الحديث مع الشخصيات عبر واجهات تفاعلية.

إن الرواية القادمة لن تكون مجرد صفحات مكتوبة، بل شبكة حسية وبيانية معقدة تجمع بين اللغة والصوت والصورة والخوارزمية والأداء الحي. وستصبح الشخصية الروائية أقرب إلى كيان رقمي متغير بدلاً من بطل ثابت الملامح. وربما سيظهر مستقبلاً نوع جديد من المؤلفين يجمع بين البرمجة والكتابة والإخراج المسرحي وتصميم الألعاب الرقمية في آن واحد. وهذا ما بدأت بعض الجامعات الغربية تناقشه بالفعل داخل برامج “الأدب الرقمي” و”السرد التفاعلي”.

في العالم العربي لا تزال هذه التجارب محدودة ومتفرقة، رغم وجود محاولات مبكرة في الأدب الرقمي التفاعلي. غير أن البنية التقنية وضعف الاستثمار الثقافي يجعلان هذا التحول يسير ببطء مقارنة بالغرب وآسيا. ومع ذلك فإن صعود الذكاء الاصطناعي وانتشار المنصات الرقمية قد يدفعان خلال السنوات المقبلة إلى ظهور أشكال سردية عربية جديدة تمزج بين التراث الحكائي العربي وتقنيات السرد الخوارزمي الحديثة. وربما سيصبح “الحكواتي” القديم ذات يوم مطوراً رقمياً يجلس خلف شاشة مضيئة بدلاً من جلوسه في مقهى شعبي.

إن الأدب يقف اليوم عند منعطف يشبه لحظة اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر. فكما غيّرت المطبعة شكل المعرفة والخيال الإنساني، تبدو الخوارزميات والوسائط الغامرة قادرة على إعادة تعريف معنى الرواية نفسها. وبين الحنين إلى دفء الورق والانبهار ببريق التقنية الجديدة، يتحرك الأدب العالمي مثل سفينة تعبر بحراً مجهولاً تتداخل فيه الذاكرة البشرية مع الذكاء الاصطناعي، ويصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الآلة ستكتب الرواية، بل ما إذا كان الإنسان سيظل قادراً على التعرف إلى صوته القديم داخل هذا الضجيج الرقمي الهائل.


0 التعليقات: