خلال الأسبوع الممتد تقريباً من 20 إلى 27 ماي 2026، بدت خريطة حقوق الإنسان في الجزائر وتونس وإفريقيا والاتحاد الأوروبي كأنها مرآة واحدة بأربع شقوق: قمع الحريات، تضييق المجتمع المدني، عنف النزاعات، وتحويل الهجرة إلى ملف أمني بارد.
في الجزائر، ظلّ ملف حرية التعبير في الواجهة، خصوصاً بعد دعوات منظمة العفو الدولية إلى الإفراج عن صحافيين وإعلاميين قالت إنهم اعتُقلوا أو حوكموا بسبب عملهم المهني أو آرائهم. تحدثت المنظمة عن سبعة صحافيين وإعلاميين منذ نونبر 2025، بينهم من يوجد رهن الحبس الاحتياطي ومن صدرت في حقه أحكام سالبة أو موقوفة التنفيذ. هذه ليست حالة معزولة، بل استمرار لمنطق يخلط بين النقد وتهديد الدولة، وبين الصحافة والجريمة السياسية. كما نبّه خبراء أمميون إلى إغلاق مقر جمعية SOS Disparus المعنية بملف المختفين قسرياً، وهو مثال واضح على تضييق الذاكرة الحقوقية نفسها لا فقط الحاضر السياسي.
وتضيف قضية المعارض الجزائري في المنفى هشام عبود بعداً عابراً للحدود، بعد حديث لوموند عن اتهامات في فرنسا تتعلق بمحاولة اغتيال استهدفته سنة 2025 وعودة الملف إلى الواجهة في ماي 2026. حتى مع غياب إثبات مباشر لمسؤولية رسمية جزائرية، فإن مجرد وجود معارض منفي في قلب ملف محاولة قتل يبرز هشاشة حماية الأصوات المعارضة خارج أوطانها.
في تونس، تواصل المشهد الحقوقي في الانحدار تحت عنوان واسع: تفكيك المجتمع المدني. فقد أكدت هيومن رايتس ووتش أن السلطات التونسية علّقت في 24 أبريل 2026 نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي منظمة تاريخية كانت جزءاً من الرباعي الراعي للحوار الوطني الحائز على نوبل للسلام. كما تحدثت عن تعليق ما لا يقل عن عشرين منظمة منذ يوليوز 2025. أما منظمة العفو الدولية فحذّرت من أن عشرات الجمعيات أصبحت مهددة بالحل أو التعليق بدعوى التمويل الأجنبي أو حماية “المصلحة الوطنية”.
وتجلّى الوجه الإنساني لهذا التضييق في ملاحقة عاملين في المجلس التونسي للاجئين بسبب مساعدتهم لطالبي اللجوء والمهاجرين، وهيومن رايتس ووتش طالبت بوقف هذه المتابعات. وفي 16 ماي 2026، خرج مئات التونسيين في احتجاجات ضد الرئيس قيس سعيد، رافعين شعارات تنتقد امتلاء السجون وتدهور الأوضاع الاجتماعية، وسط اتهامات باستعمال القضاء والشرطة لإسكات السياسيين والصحافيين والنشطاء.
أما في إفريقيا جنوب الصحراء، فقد حضرت الكونغو الديمقراطية والسودان وجنوب إفريقيا كأمثلة دالة. في الكونغو، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً عن فظائع منسوبة إلى حركة M23 وقوات رواندية في مدينة أوفيرا، شملت إطلاق النار على مدنيين فارين، وإعدامات ميدانية لأكثر من خمسين شخصاً، واغتصاب نساء، وإخفاء قسري. كما دعت المنظمة، خلال زيارة مسؤوليها إلى كينشاسا بين 17 و21 ماي، إلى وقف الاعتقالات التعسفية واحترام حرية التعبير.
وفي جنوب إفريقيا، حذّرت هيومن رايتس ووتش من موجات جديدة من العنف المعادي للأجانب استهدفت مهاجرين أفارقة وآسيويين، مع ضعف واضح في رد الشرطة. هنا لا تأتي الانتهاكات فقط من الدولة، بل من مجتمع تحرّكه كراهية منظمة، ثم تتأخر الدولة عن حماية الضحايا.
أما في السودان، فقد اتهمت هيومن رايتس ووتش الإمارات بتدريب ونقل مرتزقة كولومبيين للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع، المتهمة بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك تدريب مجندين أطفال. هذه القضية تكشف كيف تتحول الحروب الإفريقية إلى سوق دولية للمرتزقة والسلاح والإنكار الدبلوماسي.
في الاتحاد الأوروبي، لم يكن الوضع الحقوقي أفضل حالاً، وإن اتخذ صورة مؤسساتية أكثر برودة. فقد منعت محكمة نرويجية تسليم الناشط Tommy Olsen إلى اليونان، بعدما اعتبرت أن نشاطه في مراقبة أوضاع المهاجرين في بحر إيجه يدخل ضمن حرية التعبير والعمل الإنساني. القضية تكشف اتجاهاً خطيراً في أوروبا: تجريم التضامن مع المهاجرين.
كما حذّرت منظمة العفو الدولية من إعلان لمجلس أوروبا حول الهجرة قد يفتح الباب أمام نظام حقوقي مزدوج، خصوصاً في التعامل مع ما يسمى “توظيف الهجرة”، بينما توجد قضايا ضد لاتفيا وليتوانيا وبولندا أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بشأن الإرجاع العنيف والاحتجاز التعسفي. وفي خلفية ذلك كله، تؤكد هيومن رايتس ووتش أن سياسات الاتحاد الأوروبي الرامية إلى منع المهاجرين “بأي ثمن” تخلق مخاطر جسيمة على حقوق الإنسان.
الخلاصة أن الأسبوع الماضي لم يقدم حوادث منفصلة، بل كشف بنية عالمية واحدة: سلطة تضيق على الكلمة، حدود تطارد الإنسان، حروب تلتهم المدنيين، ومجتمع مدني يدفع ثمن دفاعه عن الضعفاء. من الجزائر إلى تونس، ومن الكونغو إلى بوابات أوروبا، صار السؤال الحقوقي امتحاناً يومياً لضمير الدول قبل قوانينها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق