الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 31، 2026

المشهدُ الثقافيُّ ينسجُ ذاكرةً جديدةً فوقَ إيقاعِ التحوّلات: إعداد عبده حقي


 في الأسبوع الأخير من شهر ماي 2026، بدا المشهد الثقافي والفني العربي والمغربي وكأنه يكتب فصلاً جديداً من سيرته المتحوّلة، حيث لم تعد الثقافة مجرد نشاط موازٍ للحياة اليومية، بل تحولت إلى لغة مركزية لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية والجمالية التي يعيشها العالم. من الرباط إلى باريس، ومن مراكش إلى كان، ومن معارض الكتب إلى جداريات الشوارع، برزت مؤشرات تؤكد أن الثقافة لم تعد تكتفي بدور الترفيه أو التوثيق، بل أصبحت مجالاً لإعادة تشكيل الوعي الجماعي وإنتاج صور جديدة عن الذات والآخر.

الرباط تواصل ترسيخ مكانتها عاصمة عالمية للكتاب

شهدت العاصمة المغربية زخماً ثقافياً متواصلاً في إطار برنامج «الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026»، وهو المشروع الذي منح المدينة حضوراً دولياً غير مسبوق داخل الخريطة الثقافية العالمية. وقد تزامن هذا الحراك مع تنظيم معارض ولقاءات أدبية ومبادرات موجهة للشباب والقراء والناشرين.

ما يلفت الانتباه في هذه الدينامية ليس عدد الأنشطة فقط، بل طبيعة الرؤية التي تقف خلفها. فالرباط تحاول الانتقال من مدينة تحتضن التظاهرات الثقافية إلى مدينة تنتج المعنى الثقافي نفسه. الكتاب هنا لم يعد سلعة معروضة فوق رفوف المعارض، بل أصبح محوراً لمشروع حضاري يربط القراءة بالتنمية وبإعادة بناء المجال العمومي.

معهد العالم العربي يوجه أنظاره نحو المغرب

خلال الأسبوع الماضي أثارت تصريحات الرئيسة الجديدة لـ معهد العالم العربي اهتماماً واسعاً بعدما أكدت أن المغرب يعيش حركية ثقافية لافتة تستحق مواكبة أوسع من المؤسسة الثقافية الفرنسية. كما أشارت إلى مشاريع تعاون ثقافي جديدة بين الجانبين المغربي والفرنسي.

هذا التصريح يتجاوز المجاملة الدبلوماسية المعتادة، لأنه يعكس تحولاً في النظرة الأوروبية إلى الحقل الثقافي المغربي. فبعد عقود كان فيها المغرب مجرد فضاء لاستقبال الأنشطة أو استهلاك المنتجات الثقافية، أصبح اليوم يُنظر إليه باعتباره فاعلاً ثقافياً قادراً على اقتراح نماذج جديدة في النشر والفنون البصرية والمهرجانات الدولية. 

السينما المغربية والعربية تفرض حضورها في مهرجان كان

حظيت الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان كان السينمائي باهتمام استثنائي بسبب الحضور العربي والمغربي داخل المسابقات الرسمية، خاصة من خلال أفلام اختيرت ضمن أقسام «نظرة ما» وبرامج موازية أخرى. كما عرفت الدورة نقاشات نقدية واسعة حول توجهات التحكيم والرهانات الفنية الجديدة للسينما العالمية.

من زاوية أعمق، يبدو أن السينما العربية بدأت تتخلص تدريجياً من عقدة التمثيل الفولكلوري للهوية. الأفلام الجديدة لم تعد تقدم الشرق بوصفه مشهداً غرائبياً موجهاً للعين الغربية، بل أصبحت تشتغل على أسئلة الوجود والذاكرة والجسد والتحولات الاجتماعية بلغة سينمائية عالمية. هذه النقلة النوعية تفسر حجم الاهتمام الذي تحظى به الأعمال العربية في كبريات المهرجانات الدولية. 

مراكش تحتفي بالمسرح والكتابة الإبداعية

احتضنت مدينة مراكش خلال الأسبوع الماضي فعاليات الدورة الثانية عشرة لمهرجان المسرح بالمكتبة الوسائطية الكدية، حيث اجتمعت عروض مسرحية ولقاءات فكرية ونقاشات حول مستقبل الخشبة المغربية. كما شهدت المدينة انطلاق المهرجان الوطني للكتابة الإبداعية الموجه للمواهب الشابة.

تكشف هذه الأنشطة عن ظاهرة مهمة تتمثل في عودة الاهتمام بالأجيال الجديدة من المبدعين. ففي زمن هيمنة المحتوى السريع والمنصات الرقمية، يصر المسرح والكتابة الإبداعية على الدفاع عن الزمن الطويل للتأمل والتكوين. وربما لهذا السبب بالذات تبدو هذه المبادرات أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تزرع في الأجيال الجديدة فكرة أن الثقافة ليست استهلاكاً آنياً بل مشروع بناء مستمر للذات والمجتمع.

جداريات الرباط تحوّل الشارع إلى متحف مفتوح

واصل مهرجان جدار حضوره القوي داخل الفضاء الحضري للعاصمة، حيث شارك فنانون مغاربة وأجانب في رسم جداريات ضخمة حولت جدران المدينة إلى معرض بصري مفتوح أمام الجميع.

تكمن أهمية هذا المهرجان في أنه يحرر الفن من سلطة القاعات المغلقة والنخب المتخصصة. فاللوحة لم تعد معلقة داخل متحف ينتظر الزائرين، بل أصبحت جزءاً من المشهد اليومي للمواطن. إنها محاولة لإعادة توزيع الجمال داخل المدينة، وإعادة الاعتبار للفن بوصفه حقاً عمومياً لا امتيازاً طبقياً. 

أصيلة تواصل تقاليدها الثقافية العابرة للحدود

واصلت موسم أصيلة الثقافي الدولي حضوره في النقاش الثقافي المغربي من خلال أنشطة فنية ولقاءات دولية وملتقيات للحوار بين الثقافات، إلى جانب فعاليات تجمع بين التراث المغربي والإسباني.

منذ عقود نجحت أصيلة في بناء نموذج ثقافي فريد داخل العالم العربي. فهي ليست مجرد مهرجان موسمي، بل مختبر دائم للحوار الثقافي. وما يمنحها خصوصيتها أنها حافظت على قدرتها في الجمع بين المحلي والعالمي، وبين الفن التشكيلي والفكر والأدب، دون أن تفقد هويتها المتوسطية الخاصة. 

الثقافة العربية تبحث عن أفق جديد

شهدت المنطقة العربية أيضاً نشاطاً ثقافياً لافتاً من خلال معارض الكتب والفعاليات الفكرية والمتاحف الحديثة، خصوصاً في الدوحة وعدد من العواصم الخليجية التي تسعى إلى تحويل الثقافة إلى عنصر أساسي في مشاريعها التنموية المستقبلية.

وإذا كان النفط قد صنع صورة الخليج في القرن العشرين، فإن المعرفة والثقافة تبدوان اليوم في طريقهما إلى صناعة صورته الجديدة في القرن الحادي والعشرين. فالمتاحف العملاقة، ومعارض الكتب الدولية، والاستثمارات المتزايدة في الصناعات الإبداعية، كلها مؤشرات على انتقال الثقافة من الهامش إلى قلب الاستراتيجيات الوطنية.

في المحصلة، كشف الأسبوع الثقافي الأخير عن مشهد عربي ومغربي يتحرك في اتجاهين متوازيين: اتجاه يحافظ على الذاكرة والتراث، واتجاه آخر يغامر داخل المستقبل الرقمي والعابر للحدود. وبين الاتجاهين تتشكل صورة جديدة للمثقف والفنان والمؤسسة الثقافية. لم تعد الثقافة مجرد احتفال بالماضي، بل أصبحت ورشة مفتوحة لصناعة الغد، وهو ما يجعل الأسابيع المقبلة مرشحة لمزيد من التحولات والأسئلة والإبداعات التي تستحق المتابعة الدقيقة.


0 التعليقات: