شهد الأسبوع الماضي زخماً لافتاً في عالم الرسم والفنون التشكيلية، بدا معه المشهد البصري العالمي وكأنه يستعيد أنفاسه وسط عالم يزداد قسوة وتوتراً. من الرباط إلى مراكش، ومن باريس إلى البندقية، ومن القاهرة إلى برلين، عادت اللوحة إلى الواجهة بوصفها لغة مقاومة صامتة، قادرة على التقاط هشاشة الإنسان المعاصر داخل متاهة الصور الرقمية السريعة. لم تعد المعارض التشكيلية مجرد فضاءات للفرجة الجمالية، بل تحولت إلى مختبرات للتأمل في الذاكرة والهوية والمنفى والعلاقة المتوترة بين الإنسان والمدينة والطبيعة.
في المغرب، استأثر افتتاح الرواق الفني الجديد “فن” التابع للجامعة الخاصة بفاس باهتمام الصحافة الثقافية، بعدما اختار أن يربط بين الفنون البصرية والهوية المغربية المعاصرة. وقد احتضن الرواق أعمال الفنانة التشكيلية ريم السباعي والفنان أحمد بناني، في تجربة مزجت بين التشكيل والنحت والرمزية البصرية.
تكمن أهمية هذا الحدث في كونه يعكس تحوّلاً لافتاً في علاقة الجامعة المغربية بالفن. فالمؤسسات الأكاديمية لم تعد فضاءات للتلقين فقط، بل بدأت تتحول إلى مختبرات جمالية مفتوحة على المجتمع. إن الفن هنا لم يعد زينة هامشية، بل أصبح أداة للتفكير في الهوية المغربية داخل عالم معولم يفقد فيه الإنسان تدريجياً صلته بجذوره الثقافية.
وفي الرباط، ناقشت ندوة فنية ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب مسار تشكل الفن التشكيلي المغربي الحديث منذ ستينيات القرن الماضي، بمشاركة فنانين ونقاد وباحثين مغاربة. وقد أعادت الندوة قراءة تجارب رواد التشكيل المغربي وعلاقة الفن بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي عاشها المغرب بعد الاستقلال.
إن العودة إلى تاريخ التشكيل المغربي ليست مجرد حنين ثقافي، بل محاولة لفهم الأسئلة التي طرحتها اللوحة المغربية منذ بداياتها. فالفنان المغربي كان دائماً ممزقاً بين التراث المحلي والتيارات الغربية الحديثة. ولذلك تبدو التجربة التشكيلية المغربية اليوم كأنها رحلة طويلة للبحث عن لغة بصرية قادرة على المصالحة بين الذاكرة والحداثة.
كما واصل المغرب حضوره القوي داخل المشهد التشكيلي العالمي من خلال الاستعدادات المتواصلة لمشاركته الأولى بجناح وطني في بينالي البندقية للفنون المعاصرة 2026، عبر مشروع الفنانة أمينة أكزناي تحت عنوان “Asǝṭṭa”. وقد اعتبرت عدة منصات فنية دولية أن هذه المشاركة تمثل لحظة تاريخية للفن المغربي المعاصر.
هذه المشاركة لا تحمل فقط قيمة رمزية، بل تؤكد أن الفن المغربي بدأ يتحرر من موقع “الهامش الجغرافي” ليدخل قلب المؤسسات الفنية الكبرى. فبينالي البندقية ليس مجرد معرض عالمي، بل مختبر لصناعة الاتجاهات الجمالية الجديدة في العالم. ولذلك فإن دخول المغرب إلى هذا الفضاء يعني أن التشكيل المغربي أصبح قادراً على مخاطبة العالم بلغته الخاصة.
وفي مراكش، عاد معرض “1-54” للفن الإفريقي المعاصر إلى الواجهة، باعتباره أحد أهم الأحداث الفنية التي تربط المغرب بالمشهد التشكيلي الإفريقي والدولي. وقد أبرزت تقارير فنية دولية الحضور المتزايد للغاليريهات المغربية داخل هذا الحدث، إلى جانب مشاركة فنانين من أكثر من 12 دولة.
إن ما يحدث في مراكش اليوم يتجاوز فكرة “المعرض الفني” التقليدي. فالمدينة الحمراء تحولت تدريجياً إلى عاصمة إفريقية للفن المعاصر، حيث تتقاطع التجارب القادمة من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي داخل فضاء بصري واحد. وهذه الدينامية تؤكد أن المغرب لم يعد فقط مستهلكاً للفنون العالمية، بل أصبح منتجاً للاتجاهات البصرية الجديدة.
عربياً، استقطب بينالي الدرعية للفن المعاصر في السعودية اهتماماً متزايداً، خاصة مع تركيزه على قضايا الحركة والانتقال والتبادل الثقافي بين الحضارات. وقد جمعت التظاهرة أعمالاً لفنانين عرب ودوليين داخل تجربة بصرية تمزج بين الفن المعاصر والأسئلة الفلسفية المتعلقة بالهوية والهجرة والذاكرة.
إن الفن العربي المعاصر يعيش اليوم مرحلة تحرر حقيقية من القوالب الكلاسيكية القديمة. فالفنان العربي الجديد لم يعد يرسم الصحراء والجِمال فقط، بل صار يشتغل على الجسد والهجرة والذكاء الاصطناعي والمدينة المنهكة والحروب الخفية. وهذا التحول يؤكد أن اللوحة العربية أصبحت أكثر جرأة في مساءلة الواقع.
كما شهدت القاهرة انطلاق فعاليات “هيباتيا للفن 2026”، وهي منصة دولية للاحتفاء بالإبداع النسائي في الفنون البصرية، بمشاركة فنانات من العالم العربي وأوروبا وإفريقيا. وقد ركزت الدورة الحالية على العلاقة بين الجسد الأنثوي والفضاء العام في الفن المعاصر.
تكشف هذه المبادرات الفنية النسائية عن تحوّل عميق في المشهد التشكيلي العربي، حيث لم تعد المرأة موضوعاً للرسم فقط، بل أصبحت صانعة للرؤية الجمالية نفسها. وهذا التحول يمنح للفن العربي حساسية جديدة أكثر قرباً من الأسئلة الإنسانية الكبرى.
أوروبياً، هيمن الحديث عن بينالي البندقية للفنون على الصحافة الثقافية، خاصة مع المشاركة الواسعة لفنانين عرب ومغاربة وفلسطينيين داخل أجنحة ومعارض موازية. وقد وصفت مجلات فنية دولية هذه الدورة بأنها واحدة من أكثر الدورات انفتاحاً على الجنوب العالمي.
إن أوروبا الفنية تبدو اليوم في حاجة إلى أصوات جديدة قادمة من خارج المركز التقليدي. فالفن الأوروبي المعاصر بدأ يدرك أن المستقبل البصري لن يُصنع داخل العواصم الغربية وحدها، بل أيضاً داخل مدن الجنوب التي تحمل تجارب مختلفة للذاكرة والمنفى والهوية.
وفي ألمانيا، أثار “بينالي الفن الحضري” بمدينة فولكلينغن اهتماماً واسعاً بعدما حوّل مجمعاً صناعياً قديماً إلى فضاء للأعمال الفنية المعاصرة، بمشاركة خمسين فناناً من سبعة عشر بلداً. وقد ركزت الأعمال المعروضة على الخراب الصناعي والأزمة البيئية وذاكرة المدن المتعبة.
تكمن قوة هذا المعرض في أنه يعيد تعريف العلاقة بين الفن والخراب. فالفن هنا لا يهرب من الواقع، بل يدخل إلى قلب المصانع المهجورة والحديد الصدئ ليحوّل الركام إلى سؤال جمالي. وكأن اللوحة المعاصرة لم تعد تبحث عن الجمال المثالي، بل عن الجمال المختبئ داخل التشققات الإنسانية.
وفي باريس ولندن، واصلت المتاحف الكبرى تقديم معارض ضخمة لفنانين معاصرين مثل تريسي أمين، وسط إقبال جماهيري واسع أعاد النقاش حول عودة الجمهور إلى الفضاءات الفنية بعد سنوات من العزلة الرقمية.
وفي المحصلة، تكشف حصيلة الأسبوع التشكيلي الماضي أن العالم يعيش عودة قوية إلى الصورة البطيئة في مواجهة سطوة الشاشة السريعة. لقد أصبحت اللوحة اليوم شكلاً من أشكال المقاومة ضد الاستهلاك البصري اليومي. وبين المغرب والعالم العربي وأوروبا، يبدو الفن التشكيلي وكأنه يحاول إنقاذ الإنسان من التآكل الداخلي عبر استعادة حقه القديم في التأمل والحلم والدهشة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق