في أسبوع واحد فقط، بدا العالم السينمائي كأنه يعيد كتابة خريطته الجمالية والسياسية من جديد. من الرباط إلى كان، ومن لاغوس إلى هوليوود، ومن القاهرة إلى بروكسيل، تحولت الشاشة الكبيرة إلى مرآة تعكس ارتباك العالم، وخوفه، وأحلامه المؤجلة. لم تعد السينما مجرد صناعة للترفيه، بل أصبحت أرشيفاً متحركاً للذاكرة الإنسانية، ومختبراً مفتوحاً للأسئلة الكبرى حول الهوية والحرب والمنفى والذكاء الاصطناعي وتراجع الإنسان أمام الآلة. في هذا المناخ المتوتر والمليء بالتحولات، جاءت حصيلة الأسبوع السينمائي الماضي لتؤكد أن الفن السابع ما يزال قادراً على مقاومة العتمة بأدوات الصورة والحلم.
في المغرب، خطفت المشاركة المغربية في الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي اهتمام الصحافة الثقافية، خاصة مع حضور الفيلم المغربي “الأكثر حلاوة” للمخرجة ليلى المراكشي ضمن قسم “نظرة ما”. ويتناول الفيلم أوضاع العاملات المغربيات في حقول الفراولة الإسبانية، من خلال معالجة إنسانية تقترب من هشاشة الجسد الأنثوي والاغتراب الاجتماعي.
تكشف هذه المشاركة المغربية أن السينما الوطنية بدأت تتحرر تدريجياً من الفولكلور البصري التقليدي، لتقترب أكثر من القضايا الإنسانية المعقدة. فالمخرج المغربي الجديد لم يعد يبحث عن “الفرجة السياحية” التي ترضي الغرب، بل صار يشتغل على هشاشة الإنسان المغربي داخل منظومات الاستغلال والهجرة والعمل الموسمي. وهذا التحول مهم لأنه ينقل السينما المغربية من خانة “التمثيل المحلي” إلى فضاء الأسئلة الكونية.
وفي السياق نفسه، اختتمت مدينة ميدلت فعاليات الدورة السابعة من المهرجان الدولي للسينما والتراث وسط اهتمام متزايد بالأفلام الوثائقية وأفلام الذاكرة المحلية. وقد ركزت هذه الدورة على العلاقة بين السينما والتراث اللامادي المغربي، عبر عروض وندوات ناقشت دور الصورة في حماية الذاكرة الجماعية.
إن أهمية هذا المهرجان لا تكمن في حجمه الإعلامي، بل في رهانه الثقافي العميق. فالسينما المغربية بدأت تدرك أن التراث ليس مجرد ديكور بصري، بل مادة درامية قادرة على إنتاج أسئلة الهوية والانتماء. لذلك تحاول هذه المهرجانات الصغيرة أن تمنح للهوامش المغربية صوتاً بصرياً في مواجهة مركزية المدن الكبرى.
عربياً، بدا واضحاً أن السينما العربية تعيش لحظة صعود غير مسبوقة داخل مهرجان كان السينمائي، حيث حضرت أكثر من 11 فيلماً عربياً في مختلف الأقسام الرسمية والموازية. وقد تناولت معظم هذه الأعمال موضوعات الحرب والمنفى والذاكرة والهوية النسوية، مع حضور لافت للسينما الفلسطينية والسورية والمغربية والعراقية.
هذا الحضور العربي لم يعد مجرد مشاركة رمزية، بل أصبح يعكس نضجاً حقيقياً في اللغة السينمائية العربية. لقد انتقلت السينما العربية من مرحلة “الشكوى السياسية” المباشرة إلى مرحلة بناء عوالم بصرية معقدة ومفتوحة على التأويل. فالمخرج العربي الجديد لم يعد يكتفي بسرد المأساة، بل صار يعيد تفكيكها جمالياً وفلسفياً.
كما شهد الأسبوع نقاشات واسعة داخل “سوق كان السينمائي” حول مستقبل الإنتاجات العربية التجارية وصعود المنصات الرقمية. وقد أكد عدد من المنتجين العرب أن الجمهور العربي بدأ يعود تدريجياً إلى القاعات السينمائية بعد سنوات من هيمنة البث الرقمي.
هذه العودة ليست مجرد مسألة اقتصادية، بل مؤشر على حاجة الإنسان العربي إلى التجربة الجماعية للصورة. فالقاعات السينمائية ليست فضاءات للعرض فقط، بل أماكن لإعادة بناء الإحساس الجماعي بالحلم. وربما لهذا السبب ما تزال السينما قادرة على البقاء رغم هيمنة الهواتف والمنصات السريعة.
إفريقياً، استحوذت السينما الإفريقية على اهتمام نقدي واسع في مهرجان كان السينمائي، خاصة بعد اختيار ثلاثة أفلام إفريقية ضمن قسم “نظرة ما”، مع حضور لافت لسينما نيجيريا ورواندا والكونغو والمغرب. كما سلطت الصحافة الدولية الضوء على التحولات الجديدة داخل “نوليوود” النيجيرية.
إن ما يحدث اليوم في السينما الإفريقية يشبه ثورة هادئة ضد الصور النمطية القديمة. فالمخرج الإفريقي الجديد لم يعد يقبل أن يُختزل في الحروب والمجاعات فقط، بل صار يصنع سينما تتحدث عن الحب والمدن والخيال العلمي والذاكرة الفردية. وهذا التحول يمنح للقارة الإفريقية حقها الجمالي بعد عقود من التهميش البصري.
كما أن صعود المهرجانات الإفريقية الجديدة يؤكد أن إفريقيا بدأت تبني شبكتها الثقافية الخاصة بعيداً عن المركز الأوروبي التقليدي. فالمسألة لم تعد مجرد مشاركة في مهرجانات الغرب، بل تأسيس فضاءات إفريقية قادرة على إنتاج سردياتها الذاتية.
أوروبياً، هيمنت أخبار مهرجان كان السينمائي على المشهد السينمائي، خاصة مع الحديث المتزايد عن غياب هوليوود عن الدورة الحالية، مقابل صعود سينما المؤلف الأوروبية والأفلام المستقلة. وقد اعتبرت عدة صحف أوروبية أن هذه الدورة تمثل عودة قوية للسينما الفنية بعد سنوات من هيمنة الإنتاجات الضخمة.
هذا التحول يكشف أزمة عميقة داخل الصناعة السينمائية الغربية. فهوليوود التي كانت تفرض إيقاعها على العالم بدأت تفقد مركزيتها الرمزية أمام صعود المنصات الرقمية وتراجع القاعات التقليدية. وفي المقابل، تحاول أوروبا الدفاع عن سينما المؤلف باعتبارها شكلاً من المقاومة الثقافية ضد التصنيع المفرط للصورة.
كما ناقش مهرجان “كان” هذا الأسبوع مستقبل الموسيقى السينمائية والتعاونات العابرة للحدود داخل الصناعة الأوروبية، في مؤشر على أن السينما الأوروبية تبحث عن نماذج إنتاج جديدة تتجاوز الحدود الوطنية التقليدية.
أما في الولايات المتحدة، فقد انصب الاهتمام الإعلامي على أزمة غياب استوديوهات هوليوود الكبرى عن مهرجان كان السينمائي، وسط تساؤلات حول مستقبل السينما الأمريكية التقليدية في عصر المنصات والبث الرقمي. وأشارت تقارير صحفية إلى أن شركات الإنتاج الكبرى أصبحت أكثر حذراً تجاه إطلاق أفلامها داخل المهرجانات الدولية بسبب المخاطر التجارية وضعف العائدات.
إن السينما الأمريكية تعيش اليوم لحظة مراجعة قاسية. فالنموذج القديم القائم على النجومية الخارقة والمؤثرات الضخمة بدأ يفقد بريقه أمام جمهور يبحث عن قصص أكثر إنسانية وأقل صخباً. وربما لهذا السبب تعود السينما المستقلة الأمريكية تدريجياً إلى الواجهة، باعتبارها القادرة على إعادة الروح إلى الشاشة.
وفي المحصلة، تكشف حصيلة الأسبوع السينمائي الماضي أن العالم يعيش انتقالاً عميقاً في مفهوم الصورة نفسها. لم تعد السينما مجرد صناعة للربح، بل أصبحت معركة ثقافية حول من يملك الحق في رواية العالم. وبين المغرب والعالم العربي وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، يتأكد يوماً بعد آخر أن الشاشة الكبيرة ما تزال قادرة على إنقاذ شيء من إنسانيتنا وسط هذا الضجيج الكوني.








0 التعليقات:
إرسال تعليق