تبدو تجربة الكاتب المغربي عبده حقي في موقع ديوان العرب أشبه بورشة فكرية مفتوحة على تحولات الكتابة العربية في العصر الرقمي، أكثر من كونها مجرد مساهمة صحفية أو ثقافية عابرة. فمن خلال تتبع منشوراته ومقالاته وقراءاته النقدية وترجماته، يتبين أن هذا الكاتب لا يتحرك داخل الأدب باعتباره جنساً ثابتاً، بل باعتباره فضاءً متحولاً تتقاطع فيه التكنولوجيا مع الجماليات، والسرد مع الخوارزميات، والذات مع الشاشة. لقد جعل من مشروعه الثقافي محاولة دؤوبة لتأصيل مفهوم الأدب الرقمي عربياً، ليس بوصفه موضة تقنية عابرة، وإنما باعتباره انقلاباً معرفياً يطال مفهوم النص والكاتب والقارئ معاً.
أول ما يلفت الانتباه في كتابات عبده حقي هو هذا الإصرار الواضح على بناء خطاب نقدي عربي يواكب التحولات الرقمية العالمية دون أن يفقد حساسيته الثقافية المحلية. ففي عدد كبير من مقالاته المنشورة على منصته الخاصة وعلى مواقع عربية متعددة، يتكرر هاجس السؤال: ماذا يحدث للأدب حين يدخل إلى الشاشة؟ وما مصير المؤلف في زمن الذكاء الاصطناعي والنصوص الخوارزمية؟
هذه الأسئلة ليست عنده مجرد زخارف نظرية، بل تتحول إلى مشروع تأملي طويل النفس، يتغذى من قراءات غربية وعربية في الآن نفسه، ويعيد صياغتها بلغة تجمع بين التحليل الأكاديمي والنبرة الأدبية الشاعرية.
إن المتأمل في عناوينه وحدها يلاحظ هيمنة معجم رقمي كثيف: “النص الخوارزمي”، “رواية الشبكات العصبية”، “السرد المصنّع خوارزمياً”، “أقاليم الحبر الشبكي”، “الأدب التفاعلي”، “أدب الشاشة”، وغيرها من العناوين التي تكشف أن الكاتب لا يكتفي بوصف التحولات التقنية، بل يحاول خلق لغة عربية جديدة قادرة على استيعاب مفاهيم الثقافة الرقمية الحديثة.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة مشروعه: فهو لا يترجم المفاهيم الغربية بشكل ميكانيكي، بل يسعى إلى “تعريب” الحساسية الرقمية نفسها، أي جعل التكنولوجيا جزءاً من المخيال الثقافي العربي لا مجرد أداة خارجية.
لكن هذه القوة نفسها تحمل أحياناً بعض مواطن الضعف. فالإفراط في اللغة المجازية والشاعرية يجعل بعض المقالات أقرب إلى بيانات أدبية منها إلى دراسات نقدية صارمة. ففي العديد من النصوص، تطغى الصور البلاغية على التحليل المفهومي الدقيق، فنجد عبارات مثل “الحكاية تولد من جديد فوق الشاشات” أو “الخوارزميات تعيد كتابة العالم” أكثر حضوراً من التحليل التقني العميق للبنيات الرقمية ذاتها.
وهذا يمنح النصوص جمالاً أسلوبياً واضحاً، لكنه قد يجعلها أحياناً أقل صرامة بالنسبة إلى القارئ الأكاديمي الباحث عن المفاهيم المحددة والأمثلة التطبيقية الدقيقة.
ومع ذلك، فإن عبده حقي يظل من القلائل الذين واصلوا منذ سنوات الاشتغال المنتظم على سؤال الأدب الرقمي عربياً، سواء عبر المقالات أو الترجمات أو الكتب الإلكترونية. فقد انشغل مبكراً بقضية “النص الرقمي” ومفهوم “الأدبياتية الناشئة”، وساهم في نقل عدد من الدراسات الغربية المتعلقة بالفن والأدب الرقمي إلى اللغة العربية.
وتكشف هذه الترجمات عن وعيه بأن الثقافة العربية لا يمكن أن تدخل العصر الرقمي من دون ترجمة مفاهيمه أولاً، أي من دون بناء جهاز اصطلاحي ومعرفي جديد.
ومن الجوانب اللافتة أيضاً في مشروعه النقدي أنه لا يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها خلاصاً مطلقاً، بل يطرح دائماً أسئلة القلق والهوية والمصير. ففي كثير من مقالاته، يظهر خوف واضح من ذوبان الكاتب داخل الآلة، ومن تحوّل النص إلى مجرد منتج إحصائي تصنعه الخوارزميات.
إنه لا يحتفي بالذكاء الاصطناعي احتفاءً ساذجاً، بل يتعامل معه بوصفه تحدياً وجودياً وأخلاقياً يعيد طرح سؤال: من يكتب فعلاً؟ الإنسان أم النظام الحسابي؟
وهذا البعد الفلسفي يمنح كتاباته عمقاً يتجاوز الطابع الإخباري أو التقني.
كما يلاحظ أن منشوراته في ديوان العرب تتوزع بين ثلاثة مستويات أساسية:
أولاً: المستوى النقدي النظري، حيث يناقش مفاهيم الأدب الرقمي والسرد التفاعلي والذكاء الاصطناعي والنص الخوارزمي.
ثانياً: المستوى التوثيقي، إذ ينجز باستمرار حصائل أسبوعية عن الإصدارات الرقمية والكتب الإلكترونية والتحولات الثقافية العالمية، محاولاً بناء أرشيف عربي مواكب لهذه التحولات.
ثالثاً: المستوى الإبداعي، حيث يكتب نصوصاً شعرية وتأملية وقصائد تفاعلية تحاول اختبار إمكانات الكتابة الجديدة داخل الفضاء الرقمي نفسه.
هذا التنوع يجعل مشروعه أشبه بجسر بين الناقد والكاتب والمترجم والموثق، لكنه في الآن نفسه يطرح سؤال التخصص: هل يستطيع الكاتب أن يوازن دائماً بين هذه الأدوار كلها دون أن يطغى أحدها على الآخر؟
فأحياناً يشعر القارئ أن المقالات الأسبوعية الكثيفة والمتتابعة تُكتب بسرعة إيقاع الصحافة الرقمية، مما يؤثر على التماسك الفكري لبعض النصوص أو يدفعها نحو التكرار المفاهيمي.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لتجربة عبده حقي لا تكمن فقط في جودة كل مقال على حدة، بل في استمرارية المشروع نفسه. فالرجل يكتب منذ سنوات داخل منطقة عربية ما تزال تتعامل بحذر أو ارتباك مع الأدب الرقمي، ولذلك فإن مجرد هذا الإصرار على بناء خطاب عربي حول الثقافة الرقمية يعد مساهمة مهمة في حد ذاته.
إن قراءة منشوراته في ديوان العرب تكشف في النهاية عن كاتب يعيش داخل قلق حضاري حقيقي: قلق الانتقال من الورق إلى الشاشة، ومن المؤلف الفرد إلى الذكاء الاصطناعي، ومن القراءة الخطية إلى التفاعل الشبكي. ولذلك فإن نصوصه ليست مجرد مقالات ثقافية، بل محاولة مستمرة لفهم مصير الإنسان العربي داخل العالم الرقمي الجديد.
وقد يختلف القراء حول درجة العمق الأكاديمي أو حول كثافة اللغة المجازية في كتاباته، لكن من الصعب إنكار أن عبده حقي أصبح أحد الأصوات العربية القليلة التي جعلت من الأدب الرقمي مشروعاً فكرياً مستمراً لا مجرد موضوع عابر. وفي هذا المعنى، فإن حضوره في فضاءات مثل ديوان العرب يمثل جزءاً من محاولة أوسع لإدخال الثقافة العربية إلى قلب الأسئلة الجديدة التي يفرضها العصر الرقمي على الكتابة والمعرفة والخيال.








0 التعليقات:
إرسال تعليق