الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مايو 11، 2026

الإعلامُ العربيُّ يطاردُ الحقيقةَ داخلَ متاهةِ الشاشاتِ السريعةِ: إعداد عبده حقي

 


لم تعد الصحافة العربية والمغربية تتحرك داخل حدود الورق أو الشاشات التقليدية فقط، بل أصبحت تعيش وسط عاصفة رقمية تتبدل فيها القيم المهنية بسرعة هائلة، وتتغير معها علاقة الجمهور بالحقيقة والصورة والخبر. خلال الأسبوع الماضي، بدت الميديا العربية كأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب أدوارها، بعد أن تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مجرد فضاءات للتفاعل إلى سلطات موازية تصنع الأحداث، وتؤثر في الرأي العام، وتعيد توجيه النقاشات السياسية والثقافية والاجتماعية.

في المغرب كما في العالم العربي، كشفت الأخبار الأخيرة عن تصاعد واضح في حضور الذكاء الاصطناعي داخل غرف التحرير، وعن اتساع نفوذ المؤثرين والمنصات الرقمية، مقابل تراجع الثقة في كثير من الوسائط التقليدية. هذا التحول لا يتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل يمس جوهر العمل الصحفي نفسه: من يملك الحقيقة؟ من يحدد الأولويات؟ ومن يتحكم في تدفق الصور والكلمات داخل مجتمع يعيش تحت ضغط الإشعارات الرقمية المتواصلة؟

المغرب: الصحافة بين رهانات التنظيم وهيمنة المنصات

أحد أبرز الأخبار التي أثارت الانتباه في المغرب خلال الأسبوع الماضي تمثل في إطلاق البرنامج الرسمي للاحتفاء بمدينة الرباط عاصمة للإعلام العربي لسنة 2026، وهو مشروع يهدف إلى تنظيم ندوات ولقاءات مهنية وفكرية حول مستقبل الإعلام العربي وتحولاته الرقمية.

هذا الحدث يكشف رغبة المغرب في ترسيخ موقعه كمركز إعلامي إقليمي، لكنه يفتح أيضا أسئلة عميقة حول قدرة الإعلام العربي على مواكبة الثورة الرقمية من دون فقدان استقلاليته أو تحوله إلى مجرد صدى لخوارزميات المنصات الكبرى. فالاحتفال بالإعلام لا يكفي وحده إذا كانت غرف الأخبار نفسها تعاني من هشاشة اقتصادية، ومن سباق محموم نحو “الترند” ولو على حساب العمق والدقة.

وفي السياق نفسه، تداولت تقارير إعلامية أخبارا حول توجه السلطات المغربية إلى وضع ضوابط جديدة تخص الإنفاق على أدوات الذكاء الاصطناعي والإعلانات الرقمية المرتبطة بالحملات الانتخابية المقبلة، بهدف الحد من التضليل والتلاعب الرقمي.

هذا التوجه يعكس إدراك الدولة المغربية لخطورة الموجة الجديدة من “الديب فايك” والحملات الرقمية الموجهة، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات السياسية. لقد صار الخبر نفسه معرضا للتزييف، وصارت الصورة قادرة على اختراع وقائع لم تحدث أبدا، الأمر الذي يجعل الصحافة أمام اختبار أخلاقي غير مسبوق.

كما أثارت دراسة حديثة حول تفاعل مواقع التواصل الاجتماعي مع طقوس دينية يهودية بمدينة مراكش نقاشا واسعا بعد أن كشفت تحول الواقعة إلى مادة لنظريات المؤامرة والتحريض الرقمي.

تكشف هذه الحادثة أن المنصات لم تعد فقط وسائل لنقل المعلومات، بل أصبحت مصانع لإنتاج الانفعال الجماعي، حيث تتضخم الإشاعة بسرعة أكبر من الحقيقة، ويتحول الحدث المحلي الصغير إلى عاصفة افتراضية عابرة للحدود.

ومن الأخبار اللافتة أيضا النقاش المتزايد حول الصفحات الرسمية للأندية الرياضية المغربية التي بدأت تتحول، حسب بعض التقارير، من فضاءات للتواصل الرياضي إلى منصات لتأجيج التعصب الجماهيري.

هذا التحول يؤكد أن الإعلام الرياضي نفسه صار جزءا من اقتصاد الإثارة الرقمية، حيث يتم استغلال العاطفة الجماهيرية لرفع نسب التفاعل والمشاهدة، حتى ولو أدى ذلك إلى نشر خطاب عدائي أو متوتر.

العالم العربي: الذكاء الاصطناعي يربك الصحافة التقليدية

في العالم العربي، برز خلال الأسبوع الماضي نقاش واسع حول تأثير الذكاء الاصطناعي على علاقة الصحافيين بمصادر الأخبار، بعد تحذيرات من تنامي ظاهرة انتحال صفة الإعلاميين عبر أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

لقد أصبح الصحافي العربي يشتغل وسط بيئة مشوشة، حيث يمكن لأي حساب مزيف أن ينتحل هوية إعلامية محترفة، وأن ينشر تصريحات أو مقابلات مفبركة يصعب أحيانا كشف زيفها بسرعة. وهذا ما يفسر عودة النقاش حول قيمة “الحضور الإنساني” داخل العمل الصحفي، باعتباره آخر خط دفاع ضد الرداءة الآلية.

وفي معرض الرباط الدولي للكتاب، تحدثت الأكاديمية المصرية رشا علام عن التحولات العميقة التي أحدثتها التكنولوجيا في الصحافة والأدب والإعلام الرقمي، مؤكدة أن الجمهور لم يعد يلتف حول عدد محدود من المنصات، بل صار موزعا بين مئات المصادر والتطبيقات.

هذا التشظي الرقمي أضعف مركزية المؤسسات الإعلامية التقليدية، لكنه منح في المقابل فرصا جديدة للأصوات المستقلة وصناع المحتوى. غير أن هذه الحرية الجديدة جاءت أيضا بفوضى كبيرة، حيث تختلط المعرفة الحقيقية بالدعاية، ويتجاور التحليل الرصين مع التفاهة الرقمية في الشاشة نفسها.

وفي خلفية كل هذه التحولات، تتزايد المؤشرات على أن الصحافة العربية تدخل مرحلة قاسية من إعادة تعريف ذاتها. فالمشكلة لم تعد فقط في نقص التمويل أو تراجع القراءة، بل في انهيار الحدود بين الصحافي والمؤثر، وبين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والخوارزمية.

لقد صار العالم العربي يعيش داخل “مسرح رقمي” هائل، تتصارع فيه الحكومات والمنصات والشركات والمؤثرون على انتباه الجمهور. أما الصحافة، فقد وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة اكتشاف معناها من جديد، حتى لا تتحول إلى مجرد ظل باهت يركض خلف سرعة الشاشة.


0 التعليقات: