الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مايو 25، 2026

نص سردي (ألعقُ رمادَ النجومِ بلسانِ زنجبيلٍ بريّ) عبده حقي

 


أمشي داخلَ سوقٍ معلَّقٍ في جمجمةِ منتصفِ الليل، كأنّ رأسي مدينةٌ من أروقةٍ سوداءَ تُباعُ فيها الظلالُ بالكيلو، وتُقاسُ الرغباتُ بملاعقَ من زعفرانٍ محترق. كنتُ أجرُّ خلفي الكلماتِ الرماديةَ الثقيلةَ مثلَ قطيعِ حميرٍ عمياء، ثمّ تركتُها تتساقطُ عندَ بابِ الريح، ومضيتُ أخفَّ من دخانٍ يعرفُ أسماءَ القتلى.

الهواءُ هناك لم يكن هواءً، بل حنجرةً ذهبيةً تغنّي داخلَ أذني. ضبابٌ كثيفٌ يلمعُ مثلَ زيتٍ مقدّسٍ فوقَ جلدِ العالم. رأيتُ الشراراتِ تركضُ بينَ خلايا دماغي كخيولٍ صغيرةٍ أُطلقت من إصطبلِ الجنون. وكانتْ رائحةُ نارٍ صحراويةٍ قديمةٍ تتبعني، كأنّ بدوياً ميتاً يركضُ بمحاذاةِ قلبي وهو يلوّحُ بمشعلٍ من رغبةٍ متوحشة.

غبارُ البابريكا كان مرشوشاً على الحجارةِ القديمة، فبدتِ الأزقّةُ كأنّها أفخاذُ طيورٍ مذبوحة. كنتُ وسطَ الجموع، لكنّي أرقصُ وحدي. كلُّ الأكتافِ تمرُّ بي كأنّها أمواجُ قطيعٍ بحريٍّ أخرس، وأنا أتمايلُ كغصنِ رمانٍ احترقَ نصفُه وبقي نصفُه الآخر يثمرُ ناراً.

الرائحةُ تضربُ الأنفَ أوّلاً، ثمّ تهبطُ إلى الصدرِ مثلَ حيوانٍ حارٍّ يبحثُ عن جحره. إيقاعٌ متبّلٌ بالفلفلِ والعرق، لا يهدأ، لا ينام، كأنّ الطبولَ مربوطةٌ بأعصابِ الكون. لم تكنْ لغةً. كانتْ فرموناً خفياً، إشارةً يرسلها مجهولٌ أعورُ إلى مجهولٍ آخر يسكنُ خلفَ الجلد.

كنتُ أستنشقُ المستقبلَ كما لو أنّه مسحوقُ قرفة، وأزفرُ الماضي كرمادِ قافلةٍ أكلتها العاصفة. الحمّى كانتْ تزدادُ جمالاً كلّما حاولتُ إخمادَها. الزعفرانُ والدخانُ كانا يتشابكانِ في الهواء مثلَ أفعوينِ ذهبيتين. والقرفةُ تدورُ فوقَ الملحِ الملتصقِ بجلدي، بينما الكلماتُ تتكسّرُ في فمي كأوانٍ خزفيةٍ قديمة. لم نكنْ بحاجةٍ إلى الكلام. الإيقاعُ وحده كان الحقيقةَ الوحيدةَ التي لا تخون.

الزنجبيلُ يلمعُ كالذهبِ في تجاويفِ الليل، والحكايةُ التي لم تُروَ بعدُ كانتْ تمشي خلفي بثوبٍ من بخار. توابلُ الحياةِ تشقُّ الروحَ مثلَ سكّينٍ حارٍّ. رأيتُ الليلَ يحترقُ من أطرافه، والظلالَ تتحوّلُ إلى ضوءٍ فائقِ الحيوية، حتى إنّ العتمةَ نفسها بدأتْ تُصدرُ موسيقى.

كنتُ أتذوّقُ المتاعبَ بمجرّدِ أن أشمَّ المكان. الوجوهُ الغريبةُ كانتْ مبلّلةً بعواطفَ تفيضُ من العيون كالعسلِ الأسود. وفجأةً انفجرتِ الحواسُّ داخلي: ألفُ زهرةٍ ملوّنةٍ خرجتْ من جدرانِ الغرفةِ الفارغة، وأخذتْ تتفتّحُ في رأسي كحديقةٍ أصابتها صاعقة.

الكركمُ الأصفرُ كان يغطّي الهواءَ بطبقةٍ من شمسٍ مسحوقة، والأحمرُ المخمليُّ يهبطُ على الأشياء كدمٍ نبيل. عندها رميتُ المنطقَ خارجَ رأسي، كما تُرمى قطةٌ نافقةٌ في بئر. لم أعدْ أحتاجُ إلى العقل. الرائحةُ كانتْ تكفي. الدقّاتُ كانتْ تكفي. الانفجارُ العظيمُ الصغيرُ في صدري كان يكفي.

ضربتْني الرائحةُ مرّةً أخرى. ثمّ ضربتْ صدري.

بوم.

بوم.

كابوم.

وكان الإيقاعُ الحارُّ يواصلُ جريه داخلَ عروقي، مثلَ قطيعِ خيولٍ مشتعلةٍ لا تعرفُ الراحة. لم تكنْ لغةً. لم تكنْ أغنيةً. كانتْ إشارةً قادمةً من جهةٍ مجهولةٍ في الكون، جهةٍ لا يسكنها سوى العطرِ والحمّى والذئاب.

استنشقتُ المستقبلَ للمرةِ الأخيرة.

وزفرتُ الماضي.

وتركتُ الحمى تُكملُ حياتها داخلي.


0 التعليقات: