الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، يوليو 13، 2026

الصحافة العالمية بين سلطة القانون وسطوة المنصات وتحولات الذكاء الاصطناعي: عبده حقي


لم يعد ممكنا النظر إلى الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون والمنصات الرقمية باعتبارها جزرا منفصلة، لكل واحدة منها جمهورها وحدودها وأدواتها، فقد كشفت الأخبار الإعلامية المتلاحقة خلال الأسبوع الممتد من السادس إلى الثاني عشر من يوليو 2026 أن الميديا دخلت طورا جديدا تتداخل فيه التشريعات مع المصالح الاقتصادية، وتمتزج فيه حرية الصحافة بصراعات السلطة، بينما تواصل الشركات الكبرى توسيع نفوذها من خلال صفقات الاستحواذ والاندماج، وتفرض تقنيات الذكاء الاصطناعي على غرف الأخبار أسئلة لا تتعلق بسرعة الإنتاج وحدها، بل بمصداقية المحتوى وبقاء الإنسان في قلب العملية الصحفية.

في المغرب، تصدّر النقاش الإعلامي بيان نشرته منظمة «المادة 19» في السادس من يوليو حول القانون الجديد المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة. وقالت المنظمة إن مشروع القانون رقم 09.26، الذي أقره البرلمان المغربي في يونيو، جاء بعد مسار تشريعي طويل أعقب قرار المحكمة الدستورية الصادر في يناير 2026، والذي قضى بعدم دستورية عدد من مقتضيات مشروع سابق. ورغم إدخال تعديلات من بينها المساواة في التمثيل بين الصحفيين والناشرين واعتماد التمثيل النسبي للهيئات المهنية، رأت المنظمة أن المشاورات مع الصحفيين والمؤسسات الإعلامية والمجتمع المدني ظلت محدودة، وأن آليات تعيين بعض أعضاء المجلس قد لا توفر الضمانات الكافية لاستقلاله.

تكشف هذه القضية أن معركة الصحافة المغربية لم تعد مرتبطة فقط بهامش التعبير داخل المقال أو التحقيق، بل أصبحت مرتبطة أيضا بالجهة التي تضع قواعد المهنة وتراقب احترامها وتصدر العقوبات في حق المخالفين. فمجلس الصحافة لا يكتسب شرعيته من النص القانوني وحده، وإنما من ثقة الصحفيين فيه وشعورهم بأنهم شركاء في بنائه لا مجرد خاضعين لسلطته. لذلك فإن أي غموض في التعيينات أو توسيع للصلاحيات العقابية قد يحول التنظيم الذاتي إلى رقابة مؤسساتية، ويجعل الصحفي يتساءل قبل النشر عن موقف المجلس أكثر مما يتساءل عن حق القارئ في المعرفة.

ومن المغرب أيضا برزت واقعة ذات دلالة مهنية، وإن ارتبطت بأجواء كأس العالم، عندما تعطّل مؤتمر صحفي للاعب المغربي إبراهيم دياز قبل مباراة المغرب وفرنسا بسبب مشادة بين صحفيين، الأمر الذي استدعى تدخل مسؤولين مغاربة وممثلين عن الاتحاد الدولي لكرة القدم للفصل بينهما. وقد تحولت الواقعة إلى مادة إعلامية بحد ذاتها، بعدما كان المؤتمر مخصصا أصلا للحديث عن المباراة والاستعدادات الرياضية.

لا تمثل هذه الحادثة خبرا عابرا عن انفعال داخل قاعة صحفية، بل تكشف مقدار الضغط الذي بات يحيط بالإعلام الرياضي، ولا سيما عندما تختلط المنافسة الكروية بالتوترات السياسية والذاكرة الاستعمارية والحساسيات الوطنية. فالصحفي الرياضي لم يعد ينقل نتيجة المباراة فقط، بل يشارك، أحيانا من حيث يدري أو لا يدري، في صناعة خطاب الهوية والانتصار والهزيمة. وعندما يفقد المؤتمر الصحفي وظيفته الحوارية ويتحول إلى ساحة خصومة، تتراجع المسافة المهنية الضرورية بين الصحفي والحدث، ويصبح المراسل جزءا من المباراة بدلا من أن يكون شاهدا مستقلا عليها.

وفي العالم العربي، جاء الخبر الأكثر إثارة للقلق من الجزائر، حيث أعلنت لجنة حماية الصحفيين في التاسع من يوليو أن السلطات الجزائرية اعتقلت الصحفي المستقل والمدون مراد آيت ميمون بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. ووفق المنظمة، أوقف رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية الصحفي في السابع من يوليو أثناء وجوده في مقهى بمدينة تيزي وزو، ودعت اللجنة إلى الإفراج عنه ووقف ملاحقة الصحفيين بسبب تعليقاتهم الرقمية.

تكمن خطورة هذه الواقعة في أنها تؤكد انهيار الحدود القديمة بين العمل الصحفي والنشاط على المنصات الاجتماعية. فالصحفي لم يعد يُحاسب فقط على ما ينشره داخل جريدة مرخصة، وإنما قد يصبح منشوره الشخصي جزءا من ملف قانوني أو أمني. وهذا التحول يوسع دائرة الرقابة الذاتية، لأن الصحفي يجد نفسه مطالبا بالحذر داخل المؤسسة وخارجها، في مقاله وفي تعليق مقتضب، وفي تحقيقه المهني وفي صفحته الشخصية. ويصبح السؤال هنا: هل يمكن للصحفي أن يمتلك رأيا شخصيا في الفضاء الرقمي، أم أن صفته المهنية تلاحقه في كل كلمة يكتبها؟

وفي المملكة العربية السعودية، برز نقاش مختلف لكنه لا يقل أهمية، بعدما أكدت جمانة الراشد، الرئيسة التنفيذية للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، خلال مشاركتها في قمة استثمارية، أن الذكاء الاصطناعي لن يستطيع تعويض الإبداع البشري، وأن الصحافة وصناعة المحتوى تقومان أساسا على رواية القصص، وهي وظيفة إبداعية لا تزال الآلة عاجزة عن امتلاكها بصورة كاملة. جاء التصريح في وقت تتوسع فيه المؤسسات الإعلامية العربية في استخدام الحلول الرقمية والتحليل الآلي للبيانات وإنتاج المحتوى المتعدد الوسائط.

يحمل هذا التصريح أهمية تتجاوز الدفاع الأخلاقي عن الصحفيين، لأنه يعيد تحديد موضع الذكاء الاصطناعي داخل غرفة الأخبار. فالآلة تستطيع تلخيص التقارير وترتيب البيانات واقتراح العناوين وترجمة النصوص، لكنها لا تعيش التجربة الإنسانية التي تمنح القصة معناها. غير أن الاطمئنان إلى تفوق الإنسان الإبداعي لا ينبغي أن يحجب حقيقة أن المؤسسات قد تستخدم التكنولوجيا لتقليص الوظائف وخفض تكاليف التحرير. لذلك فإن مستقبل الصحافة العربية سيتوقف على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم لمساعدة الصحفي، أم سيُتخذ ذريعة لتحويله إلى مجرد مراقب لخط إنتاج آلي.

أما في أوروبا، فقد شكل إعلان شركة «سكاي» المملوكة لمجموعة «كومكاست» شراء قطاع الإعلام والترفيه التابع لشبكة «آي تي في» البريطانية، بقيمة قد تصل إلى 1.6 مليار جنيه إسترليني، أحد أكبر أخبار الأسبوع. وتشمل الصفقة القنوات التلفزيونية المفتوحة وخدمة البث الرقمي «آي تي في إكس»، بينما تحتفظ الشركة البريطانية باستوديوهات الإنتاج التابعة لها. وقدّرت تحليلات اقتصادية أن الكيان الجديد قد يسيطر على نسبة كبيرة من سوق الإعلانات التلفزيونية في المملكة المتحدة، مع بقاء الصفقة خاضعة لموافقة سلطات المنافسة.

تؤكد هذه الصفقة أن التلفزيون الأوروبي لا يخوض حربا بين قناتين محليتين فقط، بل يواجه منصات عالمية مثل «نتفليكس» و«يوتيوب» وخدمات البث عند الطلب. وقد يبدو الاندماج وسيلة لتجميع الموارد والاستثمار في المحتوى، لكنه يحمل في المقابل خطر تقلص التعددية وتركز الإعلانات والقدرة التحريرية في أيدي عدد محدود من الشركات. فكلما كبر الكيان الإعلامي أصبحت لديه قدرة أكبر على المنافسة التقنية، لكنه قد يصبح أيضا أقل استعدادا لإتاحة تنوع حقيقي في الأصوات والبرامج.

وفي تركيا، شهد الأسبوع تصعيدا جديدا ضد العاملين في الإعلام قبيل قمة حلف شمال الأطلسي. وأفادت منظمات معنية بحرية الصحافة بأن الشرطة نفذت مداهمات واعتقلت صحفيين، من بينهم هزار دوست العامل في منصة الصحافة الاستقصائية «أورتاك». وذكرت التقارير أنه اعتُقل في السادس من يوليو بذريعة عدم الإدلاء بشهادة في قضية تعود إلى عام 2018، قبل الإفراج عنه في اليوم التالي، بينما تحدث عن تعرضه لسوء المعاملة والعنف أثناء احتجازه.

تكشف هذه التطورات هشاشة العمل الصحفي في الفترات السياسية الحساسة، إذ تتحول القمم الدولية والانتخابات والاحتجاجات إلى مناسبات لتشديد الرقابة بدلا من توسيع الوصول إلى المعلومات. والأخطر أن استعمال قضايا قديمة أو إجراءات قضائية غير واضحة يمكن أن يجعل الاعتقال يبدو قانونيا في الظاهر، بينما يؤدي في الواقع وظيفة التخويف. فالصحفي الذي يرى زميله يُستدعى بسبب ملف يعود إلى سنوات سيفهم الرسالة حتى دون صدور حكم قضائي.

وشهدت بريطانيا تطورا آخر يتعلق بمسؤولية المنصات الرقمية، إذ أعلنت هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية «أوفكوم» مقترحات تلزم شركات التكنولوجيا الكبرى بمنع إعلانات الاحتيال وتقليل مخاطر اختراق الحسابات واستغلالها في حملات النصب. وجاء ذلك بعد انتشار إعلانات ومواقع مزيفة تستنسخ شكل المواد الصحفية وتستخدم أسماء شخصيات عامة أو علامات إعلامية موثوقة لإقناع المستخدمين باستثمارات وهمية.

تضع هذه الإجراءات المنصات أمام مسؤولية طالما حاولت الهرب منها، إذ كانت تقدم نفسها باعتبارها وسيطا تقنيا لا ناشرا. غير أن المنصة التي تجمع المال مقابل الإعلان، وتستخدم الخوارزميات لتحديد الجمهور المستهدف، لا يمكنها الادعاء بأنها لا تعرف طبيعة المحتوى الذي تروجه. كما أن تقليد شكل الخبر الصحفي لبيع الوهم يضرب الثقة في الصحافة نفسها، لأن الضحية قد لا تميز لاحقا بين التحقيق الحقيقي والصفحة المزيفة.

وفي الولايات المتحدة، أثار قرار وزارة العدل توجيه مذكرات استدعاء أمام هيئة محلفين كبرى إلى أربعة صحفيين في صحيفة «نيويورك تايمز» موجة احتجاج واسعة. وجاءت الخطوة عقب تقرير تناول ثغرات أمنية محتملة في طائرة رئاسية جديدة قدمتها قطر، واستند إلى مصادر لم تكشف الصحيفة عن هوياتها. وقالت الوزارة إن الصحفيين ليسوا مستهدفين بذاتهم، وإن التحقيق يركز على من سرّب معلومات مصنفة، لكن منظمات الدفاع عن حرية الصحافة رأت في المذكرات ضغطا مباشرا على العمل الاستقصائي وحماية المصادر.

هذه القضية تعيد إلى الواجهة الصراع القديم بين مقتضيات الأمن القومي وحق الجمهور في المعرفة. فالدولة ترى في التسريب خرقا لسرية المعلومات، بينما ترى الصحافة أن المصادر المجهولة ضرورية لكشف ما لا تريد السلطة كشفه. وإذا أصبح الصحفي معرضا للاستدعاء كلما نشر معلومة محرجة، فسوف يتردد الموظفون في التواصل مع الصحافة، وتفقد التحقيقات المستقلة إحدى أدواتها الأساسية.

ومن الأخبار التي ربطت أوروبا بالسوق الأمريكية إعلان ماتياس دوبفنر، رئيس مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية والمالك الجديد لصحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية، عزمه توسيع حضور الصحيفة في الولايات المتحدة وتحويلها إلى علامة إعلامية محافظة ذات انتشار عالمي. غير أن خبراء حذروا من صعوبة دخول سوق أمريكية شديدة الاستقطاب، تتنافس فيها مؤسسات راسخة مثل «وول ستريت جورنال» و«فوكس نيوز»، إلى جانب منصات رقمية جديدة تخاطب الجمهور المحافظ.

لا يتعلق الأمر هنا بفتح مكتب مراسلين إضافي، بل بمحاولة تصدير هوية تحريرية بريطانية إلى مجتمع سياسي وإعلامي مختلف. وقد تنجح الصحيفة إذا قدمت تحليلا عميقا لا توفره الضوضاء اليومية، لكنها قد تتحول أيضا إلى صوت آخر داخل سوق مزدحمة بالاستقطاب. فالتوسع العالمي للصحافة لا يضمن بالضرورة توسيع المعرفة؛ وقد يعني أحيانا توسيع العلامة التجارية والخط الأيديولوجي أكثر مما يعني خدمة القارئ.

وهكذا بدا الأسبوع الإعلامي موزعا بين مجالس تنظيم الصحافة واعتقال المدونين وصفقات القنوات الكبرى ومذكرات استدعاء المحققين الصحفيين وانتشار الاحتيال الرقمي. غير أن الخيط الجامع بينها جميعا هو الصراع حول من يملك حق إنتاج الحقيقة وتوزيعها: الدولة، أم الشركة، أم المنصة، أم الصحفي، أم الخوارزمية. ولم تعد أزمة الصحافة أزمة ورق يتراجع أمام الشاشة، بل أزمة استقلال وثقة وتمويل ومعنى. الصحافة التي ستبقى ليست تلك التي تنتج أكبر عدد من الأخبار، وإنما التي تستطيع حماية مصادرها، ومقاومة الاحتكار، وكشف المحتوى المزيف، واستخدام التكنولوجيا دون أن تتخلى عن روحها الإنسانية.


0 التعليقات: