الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أغسطس 11، 2026

الوكلاء الرقميون ينتقلون من الإجابة إلى تنفيذ المهام: عبده حقي


عرفت الأيام القليلة الماضية تسارعًا لافتًا في سوق أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن الجديد هذه المرة لا يتمثل فقط في ارتفاع قدرات النماذج اللغوية أو تحسين جودة الصور والفيديو. الاتجاه الأكثر وضوحًا هو انتقال الصناعة من «الذكاء الذي يجيب» إلى «الذكاء الذي يفعل»: يحجز، ويتصفح، ويبرمج، ويتعامل مع الملفات، وينفذ سلسلة من الخطوات، بل ويشغّل وكلاء فرعيين لإنجاز مشروع معقد.

وتؤكد الإعلانات الصادرة بين 4 و10 أغسطس 2026 أن المنافسة بين OpenAI وAnthropic وMeta وSpaceXAI وشركات الأدوات الإبداعية لم تعد تدور فقط حول سؤال: أي نموذج أكثر ذكاء؟ بل أصبحت تتمحور حول سؤال آخر: أي منصة تستطيع تحويل الذكاء إلى أداة عملية قادرة على الاندماج في الحياة اليومية والعمل والإنتاج الإبداعي؟

ChatGPT: من المحادثة إلى حجز المطاعم وتنفيذ المهام اليومية

شهدت ChatGPT خلال أيام قليلة سلسلة تحديثات مهمة. ففي 10 أغسطس أضافت OpenAI إمكانية البحث عن حجوزات المطاعم المتاحة مباشرة داخل المحادثة عبر خدمات OpenTable وResy وYelp.

يستطيع المستخدم تحديد المدينة والموعد وعدد الأشخاص ونوع الطعام والميزانية والاحتياجات الغذائية والأجواء المطلوبة، ثم تظهر أوقات الحجز المتاحة داخل ChatGPT، ويمكن تضييق النتائج بالمحادثة قبل الانتقال إلى إتمام الحجز. 

هذه الميزة مهمة لأنها تجسد التحول من «محرك الإجابات» إلى الوكيل التنفيذي. فبدل أن يقدم ChatGPT قائمة مطاعم ثم يترك المستخدم يبحث عن الحجز بنفسه، أصبح جزء من عملية التنفيذ مدمجًا في واجهة المحادثة.

وفي 7 أغسطس أضيف تطور مهم للصوت أيضًا: أصبح GPT-Live في ChatGPT Voice قادرًا على التعامل مع الملفات والمشروعات. يمكن للمستخدم رفع ملف أثناء محادثة صوتية ثم مناقشة محتوياته شفهيًا، كما يمكن للصوت الاستفادة من محادثات المشروع السابقة ومصادره وتعليماته. 

وسبق ذلك في 6 أغسطس تحديث GPT-5.6 Sol لمستخدمي Plus وPro بهدف تحسين موثوقية الحقائق وتركيز الإجابات، مع إضافة أداة للتحكم في مقدار «التفكير» الذي يخصصه النموذج للمهمة. وأعلنت OpenAI كذلك توسيع GPT-5.6 Luna ليصبح النموذج الافتراضي لمستخدمي الخطط المجانية وGo، مع توسيع الوصول إلى المحادثات النصية وزر خاص بالمهام التي تحتاج إلى تفكير أعمق. 

المغزى من هذه التحديثات مجتمعة أن ChatGPT يتحرك باتجاه منصة موحدة تجمع التفكير والبحث والصوت والملفات والخدمات الخارجية والتنفيذ.

Claude: الأمن يصبح جزءًا من هندسة أدوات الذكاء الاصطناعي

أما Anthropic فقد اختارت خلال الأيام الأخيرة التركيز على جانب أقل إثارة بصريًا لكنه شديد الأهمية: أمن الوكلاء والإضافات.

ففي 6 أغسطس أطلقت الشركة في النسخة التجريبية ميزة فحص أمني للـSkills والإضافات الخارجية المرفوعة إلى بيئات Claude المؤسسية. تقوم الميزة آليًا بفحص المهارات والإضافات عند تحميلها أو تعديلها بحثًا عن محتوى ضار. 

هذا التطور يعكس مشكلة بدأت تظهر بقوة مع توسع مفهوم الوكلاء. فحين كان الذكاء الاصطناعي مجرد نافذة للدردشة، كان الخطر الأساسي مرتبطًا بإجابة خاطئة. أما عندما يستطيع النظام تشغيل أدوات خارجية وقراءة ملفات والوصول إلى التطبيقات، فإن إضافة واحدة ضارة قد تتحول إلى باب لاختراق البيانات أو تنفيذ أوامر غير مرغوبة.

وفي 10 أغسطس أجرت Anthropic تعديلًا اقتصاديًا مهمًا يتعلق بـClaude Sonnet 5، إذ قررت جعل السعر التمهيدي للنموذج دائمًا: دولاران لكل مليون رمز إدخال وعشرة دولارات لكل مليون رمز إخراج، بعدما كان مقررًا رفع الأسعار ابتداءً من سبتمبر. 

وقد يكون قرار السعر أقل بريقًا من إطلاق نموذج جديد، لكنه مهم في حرب الوكلاء؛ لأن تكلفة تشغيل نظام ينفذ عشرات الخطوات المتتالية قد تصبح أهم من الفارق البسيط في مستوى الذكاء.

Muse Glimmer: ميتا تعيد الذكاء الاصطناعي إلى الحاسوب الشخصي

أحد أبرز أخبار 10 أغسطس جاء من Meta مع إطلاق النموذج المفتوح الأوزان Muse Glimmer.

النموذج أصغر من أنظمة الذكاء العملاقة السحابية، لكنه صُمم أساسًا لتنفيذ مهام وكيلية على جهاز Mac أو PC باستخدام بطاقة رسومية واحدة، وفق ما أعلنته الشركة. 

تكمن أهمية Muse Glimmer في أنه يمثل اتجاها معاكسًا لفكرة ضرورة إرسال كل استفسار إلى مراكز بيانات عملاقة. فالنموذج المحلي يمكن أن يمنح المطورين والشركات قدرة أكبر على تخصيصه والتحكم فيه، كما قد يقلل التكلفة ويحسن الخصوصية في بعض الاستخدامات.

وقالت Meta أيضًا إنها تخطط لإتاحة أوزان Muse Spark 1.2، أحد أقوى نماذجها، في مرحلة لاحقة. ويأتي هذا التوجه وسط منافسة شديدة مع النماذج المفتوحة القادمة من الصين وغيرها. 

وقد تصبح المنافسة بين «الذكاء السحابي» و«الذكاء المحلي» واحدة من أهم معارك عامي 2026 و2027، خصوصًا إذا أصبحت النماذج الأصغر قادرة على أداء مهام الوكلاء والبرمجة والتحليل بجودة كافية.

Muse Code: ميتا تدخل مباشرة معركة أدوات البرمجة

قبل Muse Glimmer بخمسة أيام فقط، أطلقت Meta في 5 أغسطس أداة البرمجة Muse Code المدعومة بنموذج Muse Spark 1.2.

ولا تقتصر الأداة على إكمال أسطر الشفرة، بل تستطيع كتابة البرامج واختبار النتائج والعمل على مشروعات طويلة ومعقدة وتشغيل عدة وكلاء فرعيين بالتوازي لتقسيم المشكلة وتسريع الإنجاز. 

ومن الأفكار العملية اللافتة احتفاظ Muse Code بسجل دائم للعمليات التي نفذتها؛ فإذا تعرض النظام للتوقف أو الانهيار يمكنه مواصلة العمل من النقطة التي توقف عندها بدل إعادة المشروع من البداية. 

الأداة متاحة في نسخة تجريبية وفق نموذج الدفع بحسب الاستخدام، وحددت Meta السعر القياسي عند 1.25 دولار لكل مليون رمز إدخال و4.25 دولارات لكل مليون رمز إخراج.

وهذا يجعل ساحة «البرمجة بالذكاء الاصطناعي» أكثر ازدحامًا، إذ لم تعد المنافسة محصورة بين أدوات مثل Claude Code وCodex وأدوات البرمجة المستقلة، بل أصبحت Meta تريد موطئ قدم مباشرًا في سوق المطورين.

Grok Voice Think Fast 2.0: المحادثة الصوتية تصبح أسرع وأكثر مباشرة

وفي مجال الصوت، بدأ اعتبارًا من 5 أغسطس توجيه Grok Voice إلى نموذج Grok Voice Think Fast 2.0 الجديد ضمن واجهات SpaceXAI البرمجية.

النموذج يدعم تقنية Speech-to-Speech، أي معالجة الكلام وإنتاج الجواب الصوتي ضمن مسار مصمم أساسًا للمحادثات الفورية بدل تحويل الكلام إلى نص ثم معالجة النص ثم إعادة تحويله إلى صوت بطريقة تقليدية منفصلة. 

وهذا النوع من التطوير شديد الأهمية لصناعة وكلاء الهاتف ومراكز الاتصال والمساعدين الشخصيين؛ لأن جزءًا كبيرًا من إحساس المستخدم بـ«ذكاء» الصوت لا يرتبط بمحتوى الإجابة فقط، بل بالسرعة والتوقفات الطبيعية والقدرة على أخذ ورد الحوار من دون انتظار مزعج.

وبذلك ينتقل السباق الصوتي تدريجيًا من جودة الصوت الاصطناعي إلى زمن الاستجابة والقدرة على التفكير أثناء الحوار.

ElevenReader Voice Chat: تحدث مع الراوي داخل الكتاب

ومن أكثر الأدوات الجديدة إثارة للاهتمام ثقافيًا تجربة Voice Chat داخل ElevenReader التي كشفت ElevenLabs عن تفاصيلها في 7 أغسطس.

الميزة تتيح للقارئ التحدث مع الصوت نفسه الذي يروي الكتاب الصوتي. فإذا كان المستمع يقرأ رواية، يستطيع أن يسأل عن شخصية أو يستوضح حدثًا أو يناقش موضوعًا ورد في الكتاب من دون الخروج إلى محرك بحث أو إيقاف تجربة الاستماع. 

ويملك الوكيل سياق الكتاب، وهو مصمم لمساعدة القارئ على فهم الشخصيات والحبكة والأفكار مع تجنب كشف الأحداث المقبلة إلا إذا طلب المستخدم ذلك.

وتقول ElevenLabs إن أكثر من 50 ألف مستخدم تفاعلوا بالفعل مع Voice Chat عبر نحو اثنتي عشرة لغة، وإن المستخدمين الذين جربوا المحادثة الصوتية سجلوا زيادة بنسبة 24% في ساعات الاستماع مقارنة بسلوكهم السابق. 

هذه التجربة مهمة للأدب والنشر تحديدًا. فقد يصبح الكتاب الصوتي مستقبلًا ليس مجرد صوت يقرأ النص، وإنما نصًا يمكن محاورته: تسأل الراوي، وتطلب تفسير استعارة، وتستعيد شخصية غابت منذ فصول، وتناقش فكرة فلسفية وردت في العمل.

Runway وSeedance 2.0: الفيديو يصبح متعدد الوسائط منذ لحظة التوليد

في مجال الفيديو، أصبح Seedance 2.0 حاضرًا داخل منصة Runway بوصفه مولد فيديو متعدد الوسائط.

يستطيع المستخدم تقديم نص أو صور أو مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية باعتبارها مراجع، ثم مطالبة النموذج بإنشاء مشهد فيديو جديد يجمع هذه العناصر ويحافظ على الاتجاه الفني والشخصيات وحركة الكاميرا والصوت. 

يدعم النظام إنتاج مقاطع تصل مدة التوليد الواحد فيها إلى 15 ثانية، ويمكن إدخال عدة أنواع من المراجع ضمن العملية نفسها. كما أن الصوت جزء من الفيديو الناتج، بدل الحاجة بالضرورة إلى توليده منفصلًا في مرحلة لاحقة. 

الجديد هنا ليس مجرد تحسين جودة الصورة، بل ظهور ما يمكن تسميته «استوديو التوليد المركب». فبدل استخدام أداة للصورة وأخرى للصوت وثالثة لتحريك الفيديو، تتجه المنصات إلى استقبال المواد المختلفة معًا وفهم العلاقة بينها ثم إخراج مشهد متكامل.

وهذا يغير طبيعة صناعة الفيديو بالذكاء الاصطناعي؛ فالمنافسة ستصبح حول قدرة النظام على حفظ استمرارية الشخصية والمكان والأسلوب والصوت عبر اللقطات، لا حول إنتاج لقطة جميلة منفردة فقط.

Kitesurf: متصفح صُمم للذكاء الاصطناعي لا للبشر

ومن أكثر أدوات الأسبوع دلالة على المستقبل إطلاق Cloudflare في 6 أغسطس متصفح Kitesurf.

الغريب أن المتصفح لم يُصمم أساسًا للإنسان، وإنما لوكلاء الذكاء الاصطناعي. فهو يعمل فوق بنية Cloudflare Workers، وتقول الشركة إنه عديم الحالة وقابل للتوسع ومصمم لتقديم تصفح أقل تكلفة في الذاكرة والمعالجة عندما تكون الجهة التي تتصفح الموقع برنامجًا ذكيًا بدل مستخدم بشري. 

وتشير TechCrunch إلى أن Kitesurf يستخدم موارد حاسوبية أقل من Chromium في عدد من المهام الشائعة للوكلاء، مثل التقاط الصور واستخراج HTML. 

وهذا خبر قد تبدو أهميته تقنية، لكنه يحمل دلالة كبيرة جدًا: الويب نفسه بدأ يُعاد تصميمه لأن المستخدم المقبل قد لا يكون إنسانًا.

فالإنسان يحتاج إلى الألوان والخطوط والقوائم والرسوم المتحركة. أما الوكيل فيحتاج أساسًا إلى بنية الصفحة والبيانات والأزرار والحقول والواجهات التي يستطيع التعامل معها بكفاءة.

Kitesurf إذن مؤشر على ظهور إنترنت يقرأه الإنسان وإنترنت موازٍ تتعامل معه الوكلاء الآلية.

Perplexity وComet: قرار قضائي مهم لمستقبل وكلاء التسوق

لم يكن أبرز تطور متعلق بـPerplexity خلال الأسبوع إطلاق نموذج جديد، وإنما حكم قضائي قد تكون نتائجه أهم من تحديث تقني.

ففي 4 أغسطس ألغت محكمة استئناف أمريكية قرارًا كان يمنع مؤقتًا أدوات Perplexity الوكيلية من استخدام Amazon لتنفيذ مهام تسوق نيابة عن المستخدمين. 

وتتعلق القضية بمتصفح Comet ووكلائه القادرين على الدخول إلى حساب المستخدم والبحث والتفاعل مع مواقع التسوق وتنفيذ عمليات بالنيابة عنه.

ورأت محكمة الاستئناف، في هذه المرحلة من النزاع، أن المستخدم هو الذي يصل إلى Amazon بواسطة وكيله، وليس Perplexity باعتبارها جهة تتسلل مستقلة إلى الموقع. والقضية لم تنته نهائيًا، لكنها أول حكم من محكمة استئناف فيدرالية أمريكية يتناول بهذا الوضوح الوضع القانوني لوكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يتعاملون مع المواقع نيابة عن البشر. 

وقد يصبح السؤال القانوني «هل يملك وكيلك الرقمي الحقوق نفسها التي تملكها أنت عند زيارة موقع؟» أحد أهم الأسئلة التي ستحدد مستقبل أدوات الشراء والسفر والحجز والمصارف.

من صندوق المحادثة إلى «المستخدم الاصطناعي»

إذا جمعنا هذه المستجدات في صورة واحدة، يمكن أن نلاحظ أن الصناعة تتجاوز سريعًا مرحلة روبوت المحادثة.

ChatGPT يدخل إلى الحجوزات والملفات والصوت. Claude يشدد أمن الإضافات والوكلاء. Meta تبني نموذجًا محليًا ووكيلًا للبرمجة. Grok يسرّع المحادثة الصوتية المباشرة. ElevenReader يجعل الكتاب قابلًا للحوار. Runway يحول الإنتاج المرئي إلى عملية متعددة الوسائط. Cloudflare يبني متصفحًا لا يحتاج إلى أن يكون جميلًا للبشر لأنه موجّه إلى الآلة. أما قضية Perplexity فتبدأ في طرح السؤال القانوني حول حق الوكيل في التحرك داخل الإنترنت باسم صاحبه.

وهذا يعني أن عام 2026 يشهد ولادة فاعل رقمي جديد يمكن تسميته «المستخدم الاصطناعي».

إنه ليس روبوتًا مستقلًا تمامًا ولا برنامجًا تقليديًا. إنه ممثل رقمي للإنسان يقرأ المواقع، ويتحدث إلى الخدمات، ويقارن الأسعار، ويكتب البرامج، ويحلل الوثائق، وقد يتفاوض ويحجز ويشتري بعد الحصول على الإذن.

ولهذا فإن الخبر الأهم في الأيام الماضية ليس أداة بعينها، بل الاتجاه الجامع بينها: الذكاء الاصطناعي يغادر مربع الإجابة، ويتجه بسرعة نحو التنفيذ.

وستصبح المنافسة المقبلة أقل ارتباطًا بمن يكتب أجمل فقرة أو يولد أفضل صورة، وأكثر ارتباطًا بمن يستطيع بناء وكيل موثوق يفهم نية الإنسان، ويستخدم الأدوات المناسبة، ويتوقف عند الحاجة إلى الإذن، ويعود بنتيجة حقيقية من العالم الرقمي.

إننا ننتقل، باختصار، من عصر «اسأل الذكاء الاصطناعي» إلى عصر جديد عنوانه: «كلّف الذكاء الاصطناعي بالمهمة».

ومن بين مستجدات هذه الجولة، أرى أن Kitesurf وMuse Code وميزة الحجوزات في ChatGPT هي الأكثر دلالة على الاتجاه المقبل؛ لأنها لا تحسن الإجابة فقط، بل توسع قدرة الذكاء الاصطناعي على التحرك داخل خدمات الإنترنت وتنفيذ العمل نيابة عن المستخدم. 


0 التعليقات: