الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 22، 2026

إصدارات جديدة لكتّاب المهجر في أكتوبر 2026 بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


تكشف متابعة الإصدارات الأدبية والفكرية الجديدة خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026 عن اتساع لافت لخريطة الأدب العربي خارج حدوده الجغرافية التقليدية، فلم تعد بيروت والقاهرة وبغداد والرباط ودمشق وتونس وحدها فضاءات ولادة الكتاب العربي، بل أصبحت نيويورك وواشنطن وملبورن ولندن وغيرها من مدن العالم جزءًا أساسيًا من هذه الخريطة، حيث يعيش كتّاب من أصول عربية ويكتبون بلغات متعددة ويصدرون أعمالهم عن دور نشر عربية وغربية، بينما تظل الأوطان الأولى حاضرة في نصوصهم على هيئة ذاكرة وجرح وهوية وحنين وأسئلة لا تنتهي حول معنى الانتماء.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الموجة أن المهجر نفسه لم يعد مجرد معلومة توضع في السيرة الذاتية للكاتب، بل تحول إلى مختبر للكتابة؛ فالعيش بعيدًا عن الوطن يعيد ترتيب العلاقة باللغة والعائلة والذاكرة والسياسة، ويجعل الكاتب يرى بلده القديم من زاوية لم تكن ممكنة وهو يعيش داخله، وفي المقابل يجعله أكثر قدرة على مساءلة المجتمع الجديد الذي انتقل إليه، فيصبح النص واقعًا بين وطنين، لا يستقر بالكامل في واحد منهما.

ومن أبرز إصدارات الأيام الأخيرة كتاب «Our Arab: On Longing, Belonging, and Hope» للكاتبة الفلسطينية الأميركية زينة عرفات، وهو مجموعة من المقالات السيرية والأدبية التي تدخل مباشرة إلى قلب تجربة الشتات الفلسطيني، وتبحث في معنى الانتماء إلى أرض يزداد الوصول إليها صعوبة، وفي الطريقة التي تستطيع بها العائلة واللغة والذاكرة أن تحفظ علاقة الإنسان بمكان لم يعد يعيش فيه أو ربما لم يعشه أصلًا إلا من خلال حكايات آبائه وأجداده.

تعيش زينة عرفات في نيويورك، وهي جزء من المشهد الأدبي والأكاديمي الأميركي، غير أن فلسطين تظل في كتابها مركزًا للهوية والأسئلة. هنا لا يظهر الوطن باعتباره شعارًا سياسيًا مجردًا، بل يدخل إلى الحياة اليومية: إلى الأسرة، والسفر، والأمومة، والذكريات، والخوف من فقدان الصلة بالأرض، وإلى تلك المفارقة التي يعيشها أبناء الشتات حين يصبح الوطن حاضرًا في الوجدان بقدر ما يصبح بعيدًا في الجغرافيا.

إن أهمية هذا الكتاب تكمن في أن صاحبته لا تحاول تقديم تعريف نهائي لما يعنيه أن يكون الإنسان فلسطينيًا في الخارج، بل تكتب الهوية بوصفها حالة متحركة، مزيجًا من الانتماء والقلق والحنين والتناقض، وهذا بالضبط ما يجعل تجربة الشتات أكثر تعقيدًا من التصورات البسيطة التي تختزلها في الحنين إلى بلد بعيد.

وفي أقصى الطرف الآخر من العالم، من مدينة ملبورن الأسترالية، يواصل الروائي العراقي هيثم بهنام بردى مشروعه الأدبي، وقد صدرت له أخيرًا رواية «البُعد الرابع» عن دار الذاكرة للنشر والتوزيع في بغداد. تقع الرواية في 220 صفحة، وتستعيد الإرث الرافديني وملحمة كلكامش في صياغة روائية معاصرة، بما يفتح نافذة مختلفة تمامًا على معنى الكتابة من المهجر.

فبردى لا يجعل الهجرة موضوعًا مباشرًا لروايته، لكنه يثبت أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة ابتعاد الكاتب عن جذوره الثقافية؛ إذ قد يعيش في أستراليا بينما تواصل حضارة وادي الرافدين وأساطير العراق القديمة العمل داخل مخيلته. وبين ملبورن وبغداد تتحرك الرواية وكأن الكتابة جسر يعيد وصل المكانين، فيغدو الوطن أوسع من الجغرافيا السياسية الراهنة، ويعود إلى طبقاته الحضارية الأقدم.

وهيثم بهنام بردى واحد من الأصوات العراقية التي راكمت تجربة طويلة في القصة والرواية وأدب الطفل، ويكشف صدور روايته الجديدة عن ظاهرة مهمة تتعلق بكتّاب المهجر الذين يستمرون في النشر داخل بلدانهم العربية الأصلية رغم إقامتهم في الخارج، وهو ما يجعل عملية النشر نفسها عابرة للحدود: المؤلف في قارة والناشر في قارة أخرى والقارئ موزع بينهما.

ومن أستراليا أيضًا تأتي تجربة مختلفة مع الكاتبة الفلسطينية ـ المصرية الأصل رندة عبد الفتاح في روايتها «Discipline»، التي دخلت خلال أكتوبر إلى المشهد البريطاني بقوة، بعد أن أثارت نقاشات واسعة في أستراليا.

الرواية تتحرك داخل فضاء الصحافة والجامعة والمجتمع الأسترالي في ظل الحرب على غزة، وتضع شخصياتها أمام خيارات أخلاقية وسياسية صعبة تتعلق بالحقيقة والصمت والوظيفة والخوف من فقدان المكانة الاجتماعية أو المهنية. ومن خلال صحفية وأكاديمي مسلمان تدخل الرواية إلى منطقة حساسة: ماذا يحدث عندما يصبح ما يجري في وطن الأجداد قضية داخل المؤسسات الغربية التي يعيش فيها أبناؤهم؟

هذه الزاوية تمنح أدب المهجر معنى جديدًا. فالمسألة لم تعد فقط تجربة مهاجر يبحث عن مكان له في الغرب، بل تجربة مواطن غربي من أصول عربية يحاول مساءلة مجتمعه من الداخل. ورندة عبد الفتاح، المولودة في سيدني لأب فلسطيني وأم مصرية، تمثل هذا الجيل بوضوح؛ فهي ليست مهاجرة وصلت حديثًا إلى أستراليا، وإنما كاتبة تشكلت داخل المجتمع الأسترالي نفسه، ومع ذلك تبقى فلسطين جزءًا أساسيًا من وعيها الثقافي والسياسي.

وهنا نكتشف أن مفهوم «كاتب المهجر» تغير كثيرًا. لم يعد يشير فقط إلى شخص غادر بغداد أو دمشق أو بيروت واستقر في باريس أو لندن، بل يشمل كذلك الجيل الثاني والثالث، أي الذين ولدوا في بلدان المهجر لكنهم ورثوا أسئلة الأصل والانتماء والذاكرة.

وفي الولايات المتحدة يبرز الكاتب والأكاديمي الفلسطيني سراج عاصي بروايته «Red Flour»، التي صدرت في أكتوبر وتركز على الحصار والجوع والخبز والنجاة. يعيش عاصي في واشنطن ويُدرّس الأدب الفلسطيني، لكنه يجعل نصه يتحرك داخل فضاء فلسطيني منكوب، حيث يستعيد ناجٍ من مجزرة حياة بلدة محاصرة مكتظة بالنازحين، وتتحول طوابير الخبز إلى مكان يختلط فيه الحب بالجوع والخوف بالموت.

الدقيق هنا ليس تفصيلًا صغيرًا، بل يصبح رمزًا للحياة نفسها. فالإنسان الذي يقف في طابور للحصول على كيس من الطحين لا يبحث عن غذاء فقط، وإنما يحاول الدفاع عن استمراره في الوجود. وبين القصف والنزوح والجوع تظهر العلاقات الإنسانية التي ترفض الاختفاء حتى في أقسى الظروف.

وتكمن قوة هذا النوع من الكتابة في قدرته على نقل المأساة من لغة الأخبار إلى لغة الأدب. فالصور التي تمر أمامنا بسرعة على شاشات التلفزيون تتحول داخل الرواية إلى حياة كاملة لها أسماء وذكريات ورغبات وعلاقات وحكايات، ويصبح الإنسان الذي ظهر لثوانٍ في نشرة الأخبار قادرًا على البقاء مئات الصفحات داخل ذاكرة القارئ.

وعندما نضع هذه الإصدارات إلى جانب بعضها يتضح أن ما يجمعها ليس اللغة، فبعضها يصدر بالإنجليزية وبعضها بالعربية، وليس الجنس الأدبي، فنحن أمام رواية ومقالة أدبية وسيرة وتأمل، وإنما يجمعها سؤال أكبر يتعلق بعلاقة الكاتب العربي بالمكان.

زينة عرفات تكتب فلسطين من نيويورك، وهيثم بهنام بردى يستعيد حضارة العراق من ملبورن، ورندة عبد الفتاح تضع غزة داخل قلب المجتمع الأسترالي، وسراج عاصي يحمل تجربة فلسطين إلى واشنطن ويعيدها في شكل رواية.

هذه الحركة تكشف تحولًا عميقًا في معنى الأدب العربي المعاصر. فالكاتب العربي لم يعد بالضرورة يكتب بالعربية، ولا ينشر داخل بلد عربي، ولا يعيش داخل المنطقة العربية، ومع ذلك قد يكون عمله شديد الارتباط بأسئلتها وقضاياها وذاكرتها.

بل إن المسافة أحيانًا تمنح الكاتب منظورًا مختلفًا. فالابتعاد عن المكان قد يجعل تفاصيله أكثر وضوحًا في الذاكرة، كما أن العيش في مجتمع جديد يفرض أسئلة لم تكن مطروحة من قبل: كيف يرى الآخر هويتي؟ ما الذي يتغير عندما أكتب بلغته؟ هل أشرح ثقافتي أم أكتب من داخلها؟ هل أظل كاتبًا فلسطينيًا أو عراقيًا أو مغربيًا إذا صرت جزءًا من الأدب الأميركي أو الفرنسي أو الأسترالي؟

إن الأدب الذي ينتج عن هذه الأسئلة لم يعد هامشًا صغيرًا في الثقافة العربية، بل أصبح واحدًا من أكثر مختبراتها حيوية.

لقد أنتج القرن الماضي مفهوم «أدب المهجر» المرتبط خصوصًا بأسماء العرب الذين هاجروا إلى الأميركيتين، لكن القرن الحادي والعشرين يعيد صياغة هذا المفهوم بالكامل. الكاتب اليوم يستطيع أن يعيش في نيويورك وينشر في لندن ويُقرأ في رام الله والرباط وبيروت والقاهرة في اللحظة نفسها، ويمكن لنصه أن يتحرك بين العربية والإنجليزية والفرنسية بسرعة غير مسبوقة.

لهذا لم يعد السؤال المناسب هو: أين يعيش الكاتب؟ وإنما: ما الجغرافيا التي تعيش داخله؟

قد يحمل الكاتب جواز سفر أميركيًا أو أستراليًا أو فرنسيًا أو بريطانيًا، غير أن بغداد أو فلسطين أو دمشق أو بيروت أو الرباط قد تظل كامنة في قلب نصه، تظهر في أسماء الشخصيات وفي الطعام وفي اللغة وفي الذاكرة وفي صورة الجدة وفي حكاية الأب وفي خوف الأم وفي الأماكن التي لم يعد يستطيع الوصول إليها.

وتكشف إصدارات أكتوبر 2026 كذلك أن فلسطين ما تزال في صدارة الموضوعات التي يعيد أدب الشتات العربي الاشتغال عليها، ليس فقط نتيجة الأحداث السياسية المتواصلة، وإنما لأن التجربة الفلسطينية نفسها ربما تكون من أكثر التجارب العربية ارتباطًا بأسئلة المنفى والاقتلاع والذاكرة العابرة للأجيال.

أما التجربة العراقية فتقدم نموذجًا آخر، حيث تلتقي الهجرة بالذاكرة الحضارية العميقة، ويستطيع كاتب يعيش في أستراليا أن يعيد فتح أبواب ملحمة كلكامش من جديد، كأن السفر آلاف الكيلومترات لا يقطع الحبل الذي يصل الإنسان بأقدم طبقات ذاكرته.

كل ذلك يجعل المشهد الأدبي العربي اليوم أكثر اتساعًا مما توحي به الخرائط السياسية.

هناك أدب عربي يولد خارج العالم العربي، وهناك كتّاب عرب يكتبون بلغات أخرى، وهناك أبناء وأحفاد للمهاجرين يعودون إلى أوطان آبائهم بالكتابة حتى عندما لا يستطيعون العودة إليها بالجسد.

وهكذا يتحول المنفى من مكان للفقد فقط إلى مكان لإنتاج المعنى.

فالكاتب الذي يعيش بين ثقافتين لا يحمل وطنًا واحدًا بالضرورة، بل قد يحمل عدة أوطان متراكبة، وفي المسافة بينها تنشأ الكتابة.

وربما لهذا تبدو كتب المهجر اليوم قادرة على طرح أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا في الأدب المعاصر: هل الوطن هو المكان الذي نعيش فيه، أم المكان الذي يواصل العيش فينا؟

إصدارات الأيام الأخيرة تجيب بطريقتها الخاصة: يستطيع الكاتب أن يغادر وطنه ويعيش آلاف الكيلومترات بعيدًا عنه، لكنه عندما يفتح الصفحة الأولى يكتشف في كثير من الأحيان أن الوطن سبقه إلى هناك.



0 التعليقات: