الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 22، 2026

طرق تتغير وحدود تشتد وملايين البشر بين الحرب والبحث عن حياة أخرى


كلما تابعت أخبار الهجرة في العالم أزداد اقتناعًا بأننا لا نعيش أزمة مهاجرين بقدر ما نعيش أزمة عالم لم يحسم بعد موقفه من الإنسان المتحرك. عالم فتح حدوده أمام رأس المال، وحرر انتقال السلع، وربط البورصات والمصارف والمنصات الرقمية في شبكة واحدة عابرة للقارات، لكنه ما إن يتحرك الإنسان الفقير أو اللاجئ أو العامل بحثًا عن مكان أكثر أمانًا حتى تتحول الحدود إلى جدران وأسلاك ومراكز احتجاز ودوريات وطائرات مراقبة واتفاقيات لإعادته من حيث جاء.

أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان يعيشون اليوم خارج البلدان التي ولدوا فيها. الرقم يبدو هائلًا إذا عُرض منفردًا في عنوان مثير، لكنه لا يمثل حتى أربعة في المائة من سكان العالم. ومع ذلك تحولت الهجرة في الخطاب السياسي إلى واحدة من أكثر القضايا قدرة على صناعة الخوف وحشد الناخبين وتبرير تشديد القوانين وإعادة تعريف الآخر بوصفه تهديدًا.

وأنا أقرأ الأرقام لا أستطيع أن أتجاهل المفارقة. العالم يتحدث عن «طوفان المهاجرين» بينما أكثر من ستة وتسعين في المائة من سكان الأرض يعيشون أصلًا داخل أوطانهم. أوروبا تتحدث باستمرار عن «أزمة اللجوء»، بينما القسم الأكبر من اللاجئين في العالم تستضيفه دول فقيرة أو متوسطة الدخل، وغالبية اللاجئين لا يبتعدون أصلًا عن البلدان المجاورة لأوطانهم.

إننا أمام أزمة سردية بقدر ما نحن أمام أزمة سياسية.

فاللاجئ السوداني الذي يعبر إلى تشاد لا يظهر طويلًا في نشرات الأخبار الأوروبية. والأسرة الأفغانية التي تعود قسرًا إلى بلد لا تتوفر فيه شروط الحياة الكريمة لا تتحول إلى قضية انتخابية في العواصم الغربية. والنازح الإفريقي الذي يتحرك مئات الكيلومترات داخل بلده لا يُعد في المخيال العام «مهاجرًا» رغم أن تجربته الإنسانية قد تكون أقسى بكثير من تجربة شخص عبر حدودًا دولية.

لكن بمجرد وصول قارب يحمل عشرات الأشخاص إلى ساحل أوروبي تبدأ لغة مختلفة: أزمة، تدفق، اجتياح، ضغط، تهديد، حماية الحدود.

وأنا لا أقلل من حق أي دولة في إدارة حدودها ومعرفة من يدخل أراضيها، ولا أعتقد أن الهجرة غير المنظمة يمكن أن تكون سياسة مستدامة، لكنني أرفض أن تتحول إدارة الحدود إلى ذريعة لإلغاء الإنسان الموجود خلف الأرقام.

فقد كشفت سنة 2026 بوضوح أن انخفاض عدد الواصلين لا يعني بالضرورة نجاح السياسة الإنسانية. على بعض طرق المتوسط انخفض الوصول بأكثر من النصف بينما ارتفعت الوفيات وحالات الاختفاء. ماذا يعني النجاح إذن؟ هل يعني أن عددًا أقل تمكن من الوصول إلى الشاطئ، حتى لو أصبح الطريق نفسه أكثر فتكًا؟

تلك في نظري واحدة من أخطر الخدع الإحصائية في ملف الهجرة.

حين تقول حكومة إن أعداد الواصلين انخفضت، يمكنها تقديم ذلك للرأي العام بوصفه انتصارًا سياسيًا. لكن الإحصاء لا يخبرنا دائمًا أين ذهب الذين كانوا يسلكون ذلك الطريق. ربما توقف بعضهم، وربما لجأ آخرون إلى طريق مختلف، وربما عاد بعضهم أدراجه، وربما مات آخرون في الصحراء أو البحر قبل أن يدخلوا أصلًا في إحصاءات الوصول.

المهاجر لا يختفي عندما نغلق الطريق؛ إنه يبحث عن طريق آخر.

وهذه الحقيقة يعرفها المهربون جيدًا، وربما يفهمونها أحيانًا أكثر من الحكومات. فكل حاجز جديد يخلق سوقًا جديدة للتهريب، وكل تشديد إضافي يرفع ثمن الرحلة، وكل مسافة أطول تمنح الشبكات الإجرامية فرصة أكبر لتحقيق الأرباح.

ولهذا أرى أن الدول التي تعتقد أنها تستطيع القضاء على الهجرة بمجرد عسكرة الحدود تخوض معركة ضد الأسباب باستخدام أدوات تستهدف النتائج.

الشاب الذي يغادر بسبب البطالة لن يحصل على وظيفة لأن أوروبا أرسلت سفينة مراقبة جديدة إلى المتوسط. والعائلة التي تهرب من القصف لن تشعر بالأمان لأن بلدًا ما صنف وطنها دولة «آمنة». والفلاح الذي فقد أرضه بسبب الجفاف لن يعيد المطر إلى قريته لأن طريق الهجرة أغلق أمامه.

لقد أصبحت الهجرة مرآة لجميع اختلالات العالم تقريبًا: الحروب، الفقر، الفوارق الاقتصادية، انهيار الدول، نقص فرص العمل، أزمة المناخ، الشيخوخة الديمغرافية، الحاجة إلى اليد العاملة، وحتى أزمة الثقة في السياسة.

أنظر مثلًا إلى السودان. ملايين البشر وجدوا أنفسهم بين النزوح الداخلي واللجوء إلى الدول المجاورة. أي خطاب عن «الهجرة غير النظامية» يمكن أن يشرح وحده تجربة أم تحمل أطفالها وتترك منزلها لأنها لا تعرف إن كان سيبقى واقفًا في اليوم التالي؟

وأنظر إلى الساحل الإفريقي، حيث تتضاعف أعداد المهجرين وسط العنف والفقر وهشاشة الدول وتغير المناخ، ثم أتساءل: إلى متى نستطيع التعامل مع كل هذه التحولات وكأنها مجرد مسألة دوريات حدود؟

وفي المقابل، هناك حقيقة أخرى أراها شديدة السخرية: المجتمعات التي ترفع أعلى الأصوات ضد المهاجرين هي نفسها مجتمعات تحتاج إليهم.

أوروبا تشيخ.

قطاعات الرعاية الصحية والاجتماعية تحتاج إلى العمال. الزراعة تحتاج إليهم. الفنادق والمطاعم والنقل والبناء والخدمات المنزلية والصناعة تحتاج إليهم. بعض الاقتصادات لا تستطيع الحفاظ على مستوى إنتاجها الحالي من دون العمالة الأجنبية.

وهكذا يظهر المشهد العبثي: نحتاج إليك عاملًا، لكننا نتردد في قبولك إنسانًا كامل الحقوق.

نريد منك أن تجمع المحاصيل، وأن تعتني بمسنينا، وأن تنظف فنادقنا، وأن تعمل في أوراشنا ومستشفياتنا ومطاعمنا، لكن عندما يبدأ النقاش السياسي قد تصبح أنت المشكلة.

هذه الازدواجية ينبغي أن تتوقف.

ولعل التجربة الإسبانية في تسوية أوضاع أكثر من مليون مهاجر تقدم مثالًا مهمًا للنقاش، بصرف النظر عن الموقف السياسي منها. فهناك لحظة تضطر فيها الدولة إلى الاعتراف بأن مئات الآلاف من البشر موجودون بالفعل داخل اقتصادها ومجتمعها، يعملون ويدفعون الإيجارات ويشترون ويستهلكون ويربون أبناءهم، وأن إبقاءهم في المنطقة الرمادية لا يلغي وجودهم بل يجعل استغلالهم أسهل.

المهاجر بلا أوراق لا يختفي بسبب غياب أوراقه.

إنه يصبح فقط أكثر خوفًا، وأقل قدرة على الدفاع عن أجره، وأكثر تعرضًا للاستغلال، وأكثر ترددًا في الذهاب إلى الطبيب أو الشرطة أو المحكمة.

وهنا تتحول «مكافحة الهجرة غير النظامية» أحيانًا، من دون قصد أو بقصد، إلى صناعة طبقة من العمال الهشين الذين تحتاج إليهم بعض الاقتصادات لكن من دون أن تمنحهم كامل الحماية.

وما يثير قلقي أكثر أن العالم يتجه إلى تشديد سياسات اللجوء في اللحظة نفسها التي يتراجع فيها تمويل المنظمات التي يفترض أن تحمي اللاجئين.

أكثر من مئة مليون إنسان ما زالوا في حالة نزوح قسري، بينما تعاني المؤسسات الإنسانية نقصًا حادًا في الأموال. وهذه المعادلة لا تحتاج إلى كثير من التحليل لفهم نتائجها: طعام أقل، مدارس أقل، رعاية صحية أقل، مساكن أقل، حماية أقل، وفي النهاية مزيد من البشر الذين يفقدون أي أمل في الاستقرار بالقرب من أوطانهم.

ثم يتساءل العالم لماذا يتحركون.

أعتقد أن السنوات المقبلة ستجعل هذا السؤال أكثر إلحاحًا، لأن المناخ سيدخل المعادلة بقوة أكبر. لن يصبح كل متضرر من الجفاف أو الفيضان لاجئًا دوليًا، لكن فقدان الماء والمحاصيل والعمل سيؤدي إلى حركة داخلية واسعة، وهذه الحركة قد تتحول تدريجيًا إلى هجرة عبر الحدود.

ولا يمكن بناء جدار مرتفع بما يكفي لوقف تغير المناخ.

لهذا أرى أن العالم يحتاج إلى تغيير السؤال نفسه.

بدل «كيف نمنع المهاجرين من الوصول؟» يجب أن نسأل: كيف نجعل الهجرة قانونية ومنظمة وآمنة بقدر الإمكان؟ كيف نفتح طرقًا للعمل المؤقت والدائم؟ كيف نحمي اللاجئ الحقيقي من إجراءات تجعل الوصول إلى الحماية شبه مستحيل؟ كيف نواجه شبكات التهريب من دون أن نحول ضحاياها إلى مجرمين؟ كيف نساعد البلدان الفقيرة التي تستضيف القسم الأكبر من اللاجئين؟ وكيف نحول الهجرة من وقود للصراع السياسي إلى جزء طبيعي من إدارة عالم مترابط؟

أنا لا أؤمن بعالم بلا حدود، ولا أعتقد أن كل الحدود ينبغي أن تفتح بلا شروط. لكنني لا أؤمن أيضًا بعالم يتصور أنه يستطيع وقف حركة البشر بينما يترك أسبابها تتضاعف.

ثمة شيء غير منطقي في نظام عالمي يسمح لرأس المال بأن يعبر القارات في أجزاء من الثانية، وللبضائع بأن تسافر آلاف الكيلومترات، وللشركات بأن تبحث عن أرخص يد عاملة أينما وجدت، ثم يعتبر حركة الإنسان ذاته خللًا يجب القضاء عليه.

الهجرة ليست حادثًا عابرًا في تاريخ البشرية. الهجرة هي جزء من التاريخ نفسه.

لقد تحرك البشر منذ وجودهم، وسيواصلون التحرك ما دامت هناك حروب وفرص وفوارق في الأجور وأسر موزعة بين القارات ومدن تحتاج إلى العمال وجامعات تستقبل الطلاب ودول تشيخ ومناطق تجف وأخرى تزدهر.

السؤال الوحيد الذي بقي أمامنا ليس هل نستطيع وقفهم.

لن نستطيع.

السؤال الحقيقي هو: هل سنجعل هذه الحركة جزءًا من عالم منظم يحفظ حياة الإنسان وكرامته، أم سنواصل بناء الجدران إلى أن تصبح البحار والممرات الصحراوية مقابر لا يراها أحد؟

بالنسبة إلي، هذا هو جوهر قضية الهجرة اليوم. إنها ليست قضية حدود فقط، وليست قضية أرقام ولاجئين وتأشيرات وقوارب، بل اختبار أخلاقي وسياسي للطريقة التي نريد بها تنظيم عالم أصبح مترابطًا أكثر من أي وقت مضى، لكنه لم يتعلم بعد كيف يمنح الإنسان حرمة تساوي الحرمة التي يمنحها للمال والبضاعة.



0 التعليقات: