الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، نوفمبر 02، 2026

المغرب في أسبوع: السياسة تتصدر المشهد والذكاء الاصطناعي يدخل قلب التحولات الجديدة: عبده حقي


عرف المغرب خلال الأسبوع الممتد من 26 أكتوبر إلى فاتح نوفمبر 2026 إيقاعاً استثنائياً للأحداث، بحيث بدا المشهد الوطني وكأنه يتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه. ففي حين استحوذت قضية الصحراء المغربية على الجزء الأكبر من الاهتمام السياسي والإعلامي، كانت الثقافة تستعيد حضورها من خلال معارض وكتب ومهرجانات وفعاليات أدبية، بينما طرحت الأخبار الاجتماعية أسئلة الصحة والتعليم والسلامة الطرقية والخدمات العمومية. وفي خلفية كل ذلك، واصل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي تقدمهما من الملفات التقنية المتخصصة إلى قلب النقاش الاقتصادي والسياسي والأكاديمي المغربي.

السياسة: أسبوع الصحراء بامتياز

كان الملف السياسي الأبرز، بلا منازع، هو التطور الذي عرفته قضية الصحراء المغربية داخل مجلس الأمن يوم 30 أكتوبر 2026. فقد أدى الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي إلى عدم اعتماد قرار جديد يمدد ولاية بعثة «المينورسو». ووفق البلاغ الذي نقلته الصحافة المغربية عن الديوان الملكي، اعتبر المغرب عدم تجديد الولاية تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة نحو تغيير جذري في الطريقة التي يعالج بها الملف داخل الأمم المتحدة.

ولم يكن الحدث في دلالته المغربية مجرد انتهاء تقني لمهمة بعثة أممية، إذ إن مشروع القرار الذي طُرح أمام مجلس الأمن كان قد وضع مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية في موقع محوري، وحصل المشروع على تأييد أحد عشر عضواً من أعضاء المجلس الخمسة عشر قبل أن يصطدم بالفيتو الروسي. وهكذا تحولت نتيجة التصويت نفسها إلى موضوع قراءة سياسية واسعة في المغرب، لأن الأغلبية التي أيدت النص اعتُبرت مؤشراً على تطور ميزان المواقف الدولية المرتبطة بالنزاع.

وتعزز هذا النقاش بعد تصريحات وزير الخارجية ناصر بوريطة، الذي أوضح أن الرباط كانت على علم مسبق بإمكان استخدام موسكو حق النقض، وأنها لم تسع، حسب القراءة المغربية، إلى تفريغ المشروع من مضمونه فقط لضمان صدور قرار جديد. كما أكد أن خروج البعثة ينبغي أن يتم بصورة منظمة وليس عبر إجراءات طرد مفاجئة.

وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع الاحتفال لأول مرة بـعيد الوحدة يوم 31 أكتوبر، وهو ما منح الحدث السياسي بعداً رمزياً وطنياً إضافياً. كما تقرر عقد جلسة مشتركة لمجلسي البرلمان لمناقشة المستجدات المتعلقة بالقضية الوطنية.

لكن السياسة المغربية خلال الأسبوع لم تختزل كلها في الصحراء. فقد شهد يوم 28 أكتوبر اجتماعاً لوزير الداخلية مع الأحزاب السياسية حول الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بما يعكس بداية دخول البلاد تدريجياً في مناخ التحضير السياسي والتنظيمي لانتخابات 2027.

وبذلك يمكن القول إن نهاية أكتوبر صنعت انتقالاً واضحاً داخل النقاش السياسي المغربي: من تدبير القضايا اليومية للحكومة والبرلمان إلى نقاش أكبر يمس موقع البلاد دولياً ومستقبل قضية الصحراء، بالتوازي مع بداية الاستعدادات السياسية للاستحقاقات المقبلة.

المجتمع: الصحة والسلامة والتعليم في صدارة الانشغالات

خلف الصخب السياسي، تكشف قراءة الأخبار الاجتماعية عن صورة أخرى للمغرب ترتبط أساساً بحياة الناس اليومية.

وكان من أكثر الأرقام إثارة للانتباه نشر الحصيلة النهائية للسلامة الطرقية لسنة 2025، والتي تحدثت عن 4786 وفاة و160.661 حادثة سير. ويعيد هذا الرقم إلى الواجهة سؤالاً قديماً ومتجدداً يتعلق بمدى فعالية سياسات السلامة الطرقية والثقافة المرورية والبنية التحتية وآليات المراقبة والردع.

وفي المجال الصحي برزت عدة مبادرات. فقد أعلنت المؤسسة المغربية للعلوم والصحة والقرض الفلاحي للمغرب عن اتفاق يرمي إلى تقريب خدمات الوقاية والعلاج من سكان المناطق القروية، وهو توجه مهم لأن الفجوة بين المدن والقرى في الوصول إلى الخدمات الصحية لا تزال إحدى القضايا الاجتماعية الأساسية.

كما شهدت بني ملال برنامجاً للتكوين في مجال السلامة الغذائية داخل الوسط الجامعي لحماية صحة الطلبة، في وقت استمر فيه النقاش بشأن تشديد قواعد الجودة والسلامة داخل المؤسسات الصيدلانية وضمان حسن استعمال الأدوية.

أما التعليم العالي، فقد برز الإعلان عن إحداث 66 مؤسسة جامعية جديدة ووجود 17 مؤسسة أخرى في طور المصادقة، وهو رقم يعكس اتساع الطلب على التعليم العالي والحاجة إلى توسيع الشبكة الجامعية، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً يتجاوز العدد إلى جودة التكوين وربطه بسوق العمل.

ومن المؤشرات الاجتماعية الأخرى، ما كشفته الصحافة استناداً إلى معطيات رسمية بشأن توقع أكثر من 70 ألف حالة إحالة إلى التقاعد في الوظيفة العمومية بين 2026 و2030، وهو تحدٍّ حقيقي أمام تجديد الموارد البشرية والمحافظة على الخبرة داخل الإدارات والمؤسسات العامة.

إن القاسم المشترك بين هذه الأخبار هو أن المغرب يواجه بالتوازي تحديات تحديث الدولة وتحسين الخدمات الاجتماعية. فالبنية التحتية تتوسع، لكن الضغط الديمغرافي والتحولات الاجتماعية وتزايد انتظارات المواطنين تفرض الانتقال من منطق توسيع الخدمات إلى سؤال جودتها وفعاليتها وعدالتها المجالية.

الثقافة: من الكتاب إلى السينما والفن المعاصر

ثقافياً، كان الأسبوع أكثر تنوعاً وأقل صخباً من السياسة، لكنه شهد حركة لافتة بين الأدب والسينما والفنون التشكيلية والذاكرة الثقافية.

في الدار البيضاء، احتضن قصر المشور يومي 31 أكتوبر و1 نوفمبر الدورة الثانية من مهرجان «الدخول الأدبي Le Matin»، بمشاركة كتاب ومثقفين وبرنامج يجمع الأدب والسينما والتاريخ والتراث وورشات الكتابة واللقاءات مع المؤلفين والقصص المصورة، مع الإعلان أيضاً عن الجائزة الأدبية الأولى للمؤسسة.

وفي الرباط نظم من 30 أكتوبر إلى فاتح نوفمبر Boujloud Film Fest، وهو مهرجان مخصص للسينما الفانتازية، بما يكشف عن تنامي الاهتمام المغربي بأنواع سينمائية كانت سابقاً هامشية قياساً إلى السينما الاجتماعية أو الواقعية التقليدية.

وبرز أيضاً خبر اختيار المغرب ضيف شرف الدورة التاسعة من بينالي أبيدجان الدولي للفنون المرتقبة في ديسمبر، وهو مؤشر إضافي على توسع حضور الفنون المغربية في الفضاء الإفريقي.

أما مراكش، فقد شهدت افتتاح الجناح المؤقت الثاني بحديقة ماجوريل، المرتبط بمشروع الفنانة سُلسبيل الوازاني، بينما احتضنت طنجة معرضاً يجمع صفاء الرواس وGhislaine Portalis في حوار تشكيلي يمتد إلى نهاية نوفمبر.

وعلى مستوى الكتاب، برز إصدار فؤاد بنصديق حول القنصل الفرنسي لويس شينييه وعلاقاته بالمغرب خلال القرن الثامن عشر، وهو عمل يعيد فتح الذاكرة الدبلوماسية والتاريخية للعلاقات المغربية الفرنسية من زاوية ثقافية ووثائقية.

كما واصلت الرباط، في سياق كونها العاصمة العالمية للكتاب 2026، مبادرات تقريب القراءة من المجال العام عبر مكتبات داخل بعض محطات الترامواي، في تجربة تحمل دلالة مهمة: إخراج الكتاب من المكتبة التقليدية إلى فضاءات التنقل اليومي.

واللافت في المشهد الثقافي لهذا الأسبوع هو أن الثقافة المغربية لم تعد محصورة في المركز والمؤسسات الرسمية الكبرى، بل باتت تتوزع بين الكتاب والفن المعاصر والسينما البديلة والفضاء الحضري والامتداد الإفريقي، وهو ما يمنح الحراك الثقافي طابعاً أكثر تعدداً.

الإعلام: التنظيم المهني يلتقي أزمة التحول الرقمي

أما قطاع الإعلام، فيواصل العيش بين مسارين متوازيين: إعادة تنظيم المهنة من جهة، والتحول العميق الذي تفرضه المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي من جهة أخرى.

وقد جاء انعقاد الجمعية العامة العادية لـالجمعية الوطنية للإعلام والناشرين في 27 أكتوبر في سياق إعادة ترتيب المشهد المهني عقب استكمال هيكلة المجلس الوطني للصحافة وانتخاب أجهزته. وكانت الجمعية قد أكدت استعدادها للعمل مع المجلس في مجالات تطوير قطاع الصحافة وتحسين شروط ممارسة المهنة ودعم مؤسسات الإعلام وتعزيز الحكامة.

غير أن التحدي الفعلي للإعلام المغربي لم يعد تنظيمياً فقط. فالصحافة التقليدية تواجه تغيراً جذرياً في طرق استهلاك الخبر، إذ تنتقل نسبة متزايدة من الجمهور نحو الهاتف والشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية والفيديو القصير، فيما أصبحت محركات البحث والخوارزميات وسطاء أساسيين بين الصحفي والقارئ.

ومن هنا يتقاطع الإعلام مباشرة مع ملف الرقمنة. ففي الأسبوع نفسه برزت خطوة ذات دلالة تتعلق بانضمام بريد المغرب إلى البوابة الوطنية للحق في الحصول على المعلومات، بما يعكس اتجاهاً نحو تحويل الخدمات والحقوق الإدارية نفسها إلى منظومة رقمية أكثر سهولة في الوصول.

كما أصدرت المديرية العامة لأمن نظم المعلومات يوم 27 أكتوبر تحذيراً بشأن ثغرات أمنية خطيرة في بعض منتجات Apple، داعية المستخدمين إلى تثبيت التحديثات المتاحة، وهو مثال صغير لكنه دال على أن مفهوم «المواطن الرقمي» لم يعد مرتبطاً بالاتصال بالإنترنت فقط، بل بالأمن السيبراني وحماية البيانات والأجهزة.

الرقمنة: الاقتصاد المغربي يبحث عن مكانه في الصناعات الجديدة

ومن بين الأخبار الأكثر دلالة على التحول الرقمي ما تضمنه مشروع قانون المالية 2027 من تخصيص 460 مليون درهم لمنطقة خاصة بالألعاب الإلكترونية إلى جانب برنامج لدعم استوديوهات تطوير ألعاب الفيديو.

هذا التطور يبدو للوهلة الأولى اقتصادياً، لكنه يحمل معنى أوسع. فالمغرب لم يعد ينظر إلى الاقتصاد الرقمي فقط من زاوية رقمنة الإدارة أو خدمات الاتصالات، بل بدأ يتعامل معه بوصفه صناعة ثقافية وإبداعية يمكن أن تنتج شركات وفرص عمل وصادرات.

كما تتجه الدولة نحو اعتماد مقاربة «Cloud First» للمشاريع الرقمية العمومية الجديدة، بالتوازي مع الحديث عن مركز بيانات سيادي Jazari-Root في الرباط، ومشاريع لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي موجهة إلى الدارجة والأمازيغية والعربية.

والتحول الحقيقي هنا هو انتقال الخطاب الرسمي من «التحول الرقمي» إلى مفهوم أوسع هو السيادة الرقمية: أين تخزن البيانات؟ ومن يمتلك البنية التحتية؟ ومن يصمم النماذج؟ وبأي لغات تعمل؟

الذكاء الاصطناعي: من الاستعمال إلى محاولة الإنتاج

ولعل الذكاء الاصطناعي هو المجال الذي شهد خلال الأسبوع أكثر المؤشرات إثارة للاهتمام.

ففي الدار البيضاء انعقدت بين 28 و30 أكتوبر الدورة الجديدة من المؤتمر الدولي للذكاء الاصطناعي والأنظمة ICAIS 2026، بمشاركة باحثين وخبراء من عدة دول، وتركز جانب مهم من النقاش على إمكان بناء ذكاء اصطناعي إفريقي «مقتصد» في الموارد وسيادي وقادر على إنتاج قيمة محلية، بدلاً من الاكتفاء باستيراد النماذج والخدمات الجاهزة.

وهذا النقاش ينسجم مع التوجه المغربي المعلن تحت شعار AI Made in Morocco، الذي يقوم على فكرة الانتقال من مجرد استهلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى المشاركة في تصميمها وتطوير بنيتها التحتية ونماذجها اللغوية المحلية.

لكن الأخبار المالية كشفت في الوقت نفسه عن مفارقة تستحق الانتباه. فمشروع مالية 2027 خصص للقطاع المعني بالذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي نحو 1.34 مليار درهم مقابل 1.83 مليار سنة 2026، بينما أشارت وثائق مالية إلى بقاء نحو 2.46 مليار درهم من موارد صندوق التحول الرقمي غير منفقة في نهاية 2025.

وهنا يظهر أحد أكبر تحديات المشروع الرقمي المغربي: المشكلة ليست دائماً في نقص التصورات أو الأموال، بل أحياناً في القدرة المؤسساتية على تحويل الميزانيات والخطط إلى مشاريع فعلية في آجال مناسبة.

وفي المقابل، تبدو خارطة الطريق طموحة: مركز بيانات سيادي، نماذج مغربية للدارجة والأمازيغية والعربية، معاهد «الجزري»، برامج لتكوين آلاف المؤطرين، وإطار وطني للذكاء الاصطناعي المسؤول تشارك في صياغته مؤسسات حماية البيانات والأمن السيبراني.

خلاصة الأسبوع: مغرب يتحرك بين السيادة السياسية والسيادة الرقمية

إذا أردنا اختزال الأسبوع المغربي في فكرة واحدة، فإن كلمة السيادة تبدو الأكثر قدرة على جمع أحداثه المتباعدة.

في السياسة حضرت السيادة من بوابة قضية الصحراء والتحولات داخل مجلس الأمن. وفي الثقافة ظهرت من خلال الدفاع عن الذاكرة والهوية والحضور المغربي في إفريقيا. وفي المجتمع تجلت الحاجة إلى سيادة اجتماعية حقيقية تجعل الصحة والتعليم والخدمات العمومية أكثر قرباً وعدلاً. وفي الإعلام أصبح السؤال يتعلق بقدرة الصحافة الوطنية على الاحتفاظ بمكانها في فضاء تحكمه المنصات العالمية. أما في التكنولوجيا، فقد انتقل النقاش بوضوح نحو السيادة على البيانات والبنية التحتية والحوسبة واللغة ونماذج الذكاء الاصطناعي.

وهذا ربما هو المعنى الأعمق لحصيلة الأسبوع: المغرب لا يمر فقط بمجموعة أحداث منفصلة، بل يعيش مرحلة تتقاطع فيها التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية. الملف السياسي يظل الأكثر حضوراً، لكن تحت سطحه يجري تحول أكثر هدوءاً وربما أكثر تأثيراً على المدى البعيد: انتقال المغرب من مجتمع يستخدم التكنولوجيا إلى مجتمع ستعيد الخوارزميات والذكاء الاصطناعي تدريجياً تشكيل مؤسساته واقتصاده وإعلامه وثقافته وحياة مواطنيه.



0 التعليقات: