في كتابه الذي صدر خلال شهر أكتوبر من هذه السنة بعنوان «الثقافة الطبية في السينما – (من خلال عينة من الأفلام)»، يسعى الدكتور المسعودي إلى التفكير في السينما، و
يدعونا للتفكير معه فيها من الزاوية التي انبثقت عنده من تجربة خاصة في الحياة، كطبيب و مخرج و كاتب و مدير لمهرجان خاص بالفيلم الوثائقي، و عاشق للسينما..هذه التجربة الغنية، كان من ثمارها هذا المؤلف الحافل بالمعلومات القيمة حول السينما من زاوية الطب، لكن أيضا حول الطب و المرض من زاوية السينما.لذلك كان على الكاتب أن يستدعي في مؤلفه أدوات متنوعة للوصول من خلالها إلى القارئ. يستثمر بوشعيب المسعودي في نصه المقالة الطبية و المقالة النقدية السينمائية و التوثيق السينمائي، لكنه يستثمر أيضا الصورة بشكل كبير، مثلما يستثمر الحوار الصحفي و يوظف القصاصات الصحفية..إنه يعمل بمقولة «الغاية تبرر الوسيلة» بامتياز.. و كأني به يضع كل شيء في كتابه حول هذا الموضوع، و يعمل جاهدا على أن يمسك بكل خيوط المعادلة الصعبة بين الطب و السينما.
الطب و السينما.. علاقة في الجوهر
ليست علاقة الطب و المرض بالسينما علاقة سطحية أو جزئية كما قد يعتقد البعض. هذا الاعتقاد الشائع هو ما يجعلنا كتاب المسعودي نتخلص منه عند قراءته. عكس ذلك، العلاقة بين الحقلين هي علاقة جوهرية عميقة جدا، إلى درجة يمكن القول معها دون مجازفة، بأنه لو لم يكن الطب و المرض لما كانت السينما..
يؤخذ المرض في كتاب المسعودي كمعنى اجتماعي و كخطاب للمجتع في بعده الأوسع، حيث يشمل المرضى و ذويهم و الأطباء و الممرضين و غيرهم في مكان و زمان محددين. يبين لنا الكتاب أن السينما ساهمت بشكل كبير في التعريف بالمرض و العاهة، مع تناول الطابوهات المرتبطة بالأمراض، و ما أكثر الطابوهات بهذا الخصوص. فما زال هناك اعتقاد شائع بأنه لا يجب ذكر بعض الأمراض بالاسم تطيرا منها، مثل مرض السرطان او مرض السيدا، أما الأمراض النفسية، فمشكلتها أكثر تعقيدا في العديد من المجتمعات. يقول الكاتب مبرزا الحجم الذي يكتسيه الموضوع: «حضور ثيمة المرض في السينما من شأنه الكشف عن سمات شخصية المريض و سلوك الأفراد المرضى و علاقتهم بالمجتمعين الطبي و غير الطبي. و ما يثبت ذلك أفلام كثيرة من قبيل: مرض هامبورغ (1979) لبيتر فليشمان، و مرض ساش (1999) لميشيل دوفيل، و المريض الانكليزي (1996) لأنطوني منغيلا، و الحب العاري (1981) ليانيك بولان، و الدكتورة فرانسواز كايلاند (1975) لجان لويس بيرتوشيلي (…) و هذه الأفلام قد تكون وثائقية محضة أو روائية محضة أو وثائقية / روائية». (ص 17)
و كما استفادت السينما كثيرا من الطب و المرض، فقد اعتمدت هي نفسها كأداة تعليمية في الطب، من حيث إنها كما ورد في الكتاب، كانت أداة لشرح المهارات الطبية، كما أثبتت ذلك الدكتورة كارين بوشي (ص19) التي أكدت أن بداية استخدام السينما في التعليم الطبي كان سنة 1979، قبل أن يتطور هذا الاستخدام ليغدو أكثر تشعبا و أكثر دقة و نجاعة في الدراسات الطبية.
و وظفت السينما من جانب آخر ممثلين كبار لتجسيد شخصيات مريضة (أو مرضية) بأشكال مختلفة، توم هانكس و دوستان هوفمان و أنتوني بركنس و هاريسون فورد على سبيل المثال لا الحصر.
وعي المرض من خلال السينما
و من مزايا كتاب الدكتور المسعودي أيضا أنه يجعلنا نقف عند مجموعة من الأمراض التي عانى و يعاني منها الإنسان المعاصر، و على رأسها أمراض السرطان و السيدا والسكري والروماتزم و التوحد و المنغوليا. يخصص المسعودي فصلا لكل مرض من هذه الأمراض، و أمراض أخرى غيرها في علاقته بالسينما. يستهل كل فصل من فصول الكتاب بتقديم تعريف للمرض أولا، مسبباته و أعراضه و تأثيراته النفسية و الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى توظيف المرض في السينما من خلال عينات من الأفلام، خاصة بكل مرض على حدة. في الفصل الخاص بالسيدا و السينما يعطينا كنموذج شريط فيلادلفيا (1993) للمخرج جواناثان ديم ، من بطولة توم هانكس و دنزيل واشنطون. حقق هذا الفيلم نجاحا تجاريا كبيرا و حصد العديد من الجوائز في مهرجانات مختلفة.
و في الفصل الخاص بالسمنة يعطينا من بين نماذج أخرى شريط «سوبير سايز مي»، و هو للصحفي و المخرج الأمريكي مورغان سبوغلوك، و هو عبارة عن شريط وثائقي للتنديد بالوجبات السريعة، و بالسمنة..عرض في 30 بلدا و حقق إيرادات تناهز ثلاثين مليون دولار(ص 100). و في الفصل الخاص بالسرطان و السينما يعطينا كنموذج فيلم 50/50، من إخراج جوناثان لوفين. « و هو فيلم يتناول حالة شاب في السابعة و العشرين من عمره انقلبت حياته رأسا على عقب بعد علمه بأن جسمه يحمل سرطانا بالعمود الفقري، و هو شاب متزن في حياته و عمله. و عندما أخبر أقرب الناس إليه (صديقته و أمه و صديقه) بمرضه، تفاعلوا مع المرض بأشكال مختلفة» (ص94) أما في الفصل الذي يخصصه للتوحد و السينما فيعطينا مجموعة من النماذج التي اهتمت بهذا المرض اللغز، أخص بالذكر منها شريط «أنا سام» (2002) للمخرجة جيسي نيلسون و «رجل المطر» (1988) للمخرج باري ليفنسون، و فورست غامب (1994) من إخراج روبير زيميكيس و بطولة توم هانكس، و هو الفيلم الذي فاز سنة 1995 بست جوائز أوسكار، كما حاز على 32 جائزة عالمية و 41 ترشيحا. (ص 126)
لكن كتاب المسعودي لا يقف بنا فقط عند هذه الأمراض، بل يمضي بنا أيضا لنقف عند بعض الآفات المدمرة لصحة الإنسان في المجتمعات الحديثة، و على رأسها آفة التدخين، التي يخصص لها فصلا من الكتاب في علاقتها بالسينما. و يقدم بهذا الخصوص عينات من الأفلام العالمية التي وظفت التدخين بأشكال مختلفة، ملاحظا أن العديد من كبار الممثلين ظهروا على الشاشة و هم يرشفون من سجائرهم، و هو ما خلف تأثيرا سلبيا على العديد من المعجبين، و بخاصة المراهقين منهم. مع أنه كانت هناك أشرطة سينمائية سعت إلى فضح هذه الآفة و التنديد بالمروجين لها، مثل فيلم تصريحات» (1999) و هو فيلم أمريكي من إخراج مايك مان، الذي «يروي قصة واقعية لجيفري ويكاند، نائب رئيس قسم البحث و التطوير بشركة كبرى تنتج السجائر، و يكشف عبر تصريحاته و ما بلغ عنه و عبر تحريات الصحافي لويل بيركمان و البرنامج التلفزي 60 دقيقة عن أسرار و ممارسات مشينة تتعلق بصناعة التبغ و عن المصيبة المتمثلة في المخاطر الناجمة عن التدخين من جراء ذلك» (ص 47)
ظاهرة طبية أخرى لا يفوت الكاتب الفرصة على نفسه للتطرق إليها، هي ظاهرة التبرع بالأعضاء من زاوية علاقتها بالسينما. و هي من ظواهر عصرنا التي يحيط بها الكثير من الإدهاش و الغموض. من النماذج السينمائية التي يقدمها الكتاب في هذا الصدد فيلم» إصلاح الأحياء» (2016) و هو من إخراج كاتيل كيليفيري و من بطولة الطاهر رحيم و إيمانويل سينير…مقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتبة مايليز كيرانكال. «يتساءل الفيلم أين تبتدئ الحياة و أين تنتهي؟ و من خلال التبرع بالأعضاء أو زراعة قلب، إنها أسئلة ميتافيزيقية جادة. فيلم يحمل صورا حقيقية عن واقع مر و ملموس يفضح ضعفنا و توجهاتنا المتقلبة بين التافه و المقدس» (145)
تاريخ آخر للسينما
يجعلنا كتاب « الثقافة الطبية في السينما» ننفتح على بعد آخر من أبعاد تاريخ السينما، أو إذا شئنا تاريخا آخر من التواريخ المتعددة للفن السابع. و هكذا نجد أن فيلما عالميا كالعراب الذي اعتبره الكثيرون من أهم ما أنتجته السينما الأمريكية و العالمية، نجده هنا يندرج ضمن خانة الأفلام التي تطرقت لمرض السكري، و تحديدا الجزء الثالث الذي «يضم الممثل القدير آل باشينو في دور مايكل كورليون الذي يعاني من مرض السكري، النوع الثاني…» (ص109) أو فيلم فتاة بريست «و هو فيلم يرتكز على وقائع حقيقية من حياة الاختصاصية في أمراض الصدر الفرنسية «إيري فراشون» التي حاربت طيلة سنين لتكشف أن دواء ضد السكري 2 مهدد لحياتها» (ص 111)…
لا يقف الكتاب عند هذا المستوى البارز في تاريخ السينما، و إنما هو يقف بنا أيضا عند عينات سينمائية أخرى من المستوى «الهامشي» لتاريخ السينما، أخص بالذكر منها الشريط الوثائقي المغربي «جوال الرباط سلا» و هو من إخراج محمد سملالي و بطولة السيد هاد مصطفى. و الفيلم يحكي قصة هذا الأخير، و هو « شخص معاق من مواليد مدينة خريبكة سنة 1968 و أب لطفلين، أصبح معاقا منذ سنة 1970 بعد كسر في عموده الفقري نتيجة سقوطه من ظهر أمه و هو طفل في سنته الثانية». (ص 70) و في هذا السياق لا يفوت المؤلف أن يخصص حيزا من كتابه للحديث عن فيلمه الوثائقي الذي يندرج في هذا السياق بالذات. أقصد فيلمه الذي اختار له كعنوان «أسير الألم»، و هو يحكي قصة عبد السلام المريض بالروماتزم منذ صغر سنه، و يبرز سجنه الدائم بسبب الإعاقة التي أصيب بها بعد علاجه بسرعة و بأدوية جوهرية و فعالة…» و قد توج الفيلم بجائزة أحسن موضوع بالدورة السابعة لمهرجان طنجة الدولي للفيلم سنة 2014، و جائزة أحسن فيلم وثائقي لسينما العالم بالدورة الرابعة للمهرجان الدولي للفيلم بدلهي سنة 2015.
عموما نعتبر كتاب «الثقافة الطبية في السينما» إضافة نوعية للمكتبة السينمائية المغربية. و هو تعبير آخر عن انفتاح الفن السابع ببلادنا على شرائح متنوعة من المجتمع، مثلما هو يعبر عن حاجة المجتمع إلى تجديد الفرجة السينمائية من خلال إيلاء مزيد من العناية بالقاعات السينمائية، و بالتكوين السينمائي و بنيات الإنتاج و التسويق الفيلمي. و من غير المستبعد أن تترتب عن هذ التلاقح الغني بين الطب و السينما، إبداعات فيلمية أكثر نضجا و عمقا في التجربة السينمائية المغربية، التي تعتبر هاجسا أساسيا في تفكير و ممارسة الكاتب الطبيب المبدع الدكتور بوشعيب المسعودي.
يؤخذ المرض في كتاب المسعودي كمعنى اجتماعي و كخطاب للمجتع في بعده الأوسع، حيث يشمل المرضى و ذويهم و الأطباء و الممرضين و غيرهم في مكان و زمان محددين. يبين لنا الكتاب أن السينما ساهمت بشكل كبير في التعريف بالمرض و العاهة، مع تناول الطابوهات المرتبطة بالأمراض، و ما أكثر الطابوهات بهذا الخصوص. فما زال هناك اعتقاد شائع بأنه لا يجب ذكر بعض الأمراض بالاسم تطيرا منها، مثل مرض السرطان او مرض السيدا، أما الأمراض النفسية، فمشكلتها أكثر تعقيدا في العديد من المجتمعات. يقول الكاتب مبرزا الحجم الذي يكتسيه الموضوع: «حضور ثيمة المرض في السينما من شأنه الكشف عن سمات شخصية المريض و سلوك الأفراد المرضى و علاقتهم بالمجتمعين الطبي و غير الطبي. و ما يثبت ذلك أفلام كثيرة من قبيل: مرض هامبورغ (1979) لبيتر فليشمان، و مرض ساش (1999) لميشيل دوفيل، و المريض الانكليزي (1996) لأنطوني منغيلا، و الحب العاري (1981) ليانيك بولان، و الدكتورة فرانسواز كايلاند (1975) لجان لويس بيرتوشيلي (…) و هذه الأفلام قد تكون وثائقية محضة أو روائية محضة أو وثائقية / روائية». (ص 17)
و كما استفادت السينما كثيرا من الطب و المرض، فقد اعتمدت هي نفسها كأداة تعليمية في الطب، من حيث إنها كما ورد في الكتاب، كانت أداة لشرح المهارات الطبية، كما أثبتت ذلك الدكتورة كارين بوشي (ص19) التي أكدت أن بداية استخدام السينما في التعليم الطبي كان سنة 1979، قبل أن يتطور هذا الاستخدام ليغدو أكثر تشعبا و أكثر دقة و نجاعة في الدراسات الطبية.
و وظفت السينما من جانب آخر ممثلين كبار لتجسيد شخصيات مريضة (أو مرضية) بأشكال مختلفة، توم هانكس و دوستان هوفمان و أنتوني بركنس و هاريسون فورد على سبيل المثال لا الحصر.
وعي المرض من خلال السينما
و من مزايا كتاب الدكتور المسعودي أيضا أنه يجعلنا نقف عند مجموعة من الأمراض التي عانى و يعاني منها الإنسان المعاصر، و على رأسها أمراض السرطان و السيدا والسكري والروماتزم و التوحد و المنغوليا. يخصص المسعودي فصلا لكل مرض من هذه الأمراض، و أمراض أخرى غيرها في علاقته بالسينما. يستهل كل فصل من فصول الكتاب بتقديم تعريف للمرض أولا، مسبباته و أعراضه و تأثيراته النفسية و الاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى توظيف المرض في السينما من خلال عينات من الأفلام، خاصة بكل مرض على حدة. في الفصل الخاص بالسيدا و السينما يعطينا كنموذج شريط فيلادلفيا (1993) للمخرج جواناثان ديم ، من بطولة توم هانكس و دنزيل واشنطون. حقق هذا الفيلم نجاحا تجاريا كبيرا و حصد العديد من الجوائز في مهرجانات مختلفة.
و في الفصل الخاص بالسمنة يعطينا من بين نماذج أخرى شريط «سوبير سايز مي»، و هو للصحفي و المخرج الأمريكي مورغان سبوغلوك، و هو عبارة عن شريط وثائقي للتنديد بالوجبات السريعة، و بالسمنة..عرض في 30 بلدا و حقق إيرادات تناهز ثلاثين مليون دولار(ص 100). و في الفصل الخاص بالسرطان و السينما يعطينا كنموذج فيلم 50/50، من إخراج جوناثان لوفين. « و هو فيلم يتناول حالة شاب في السابعة و العشرين من عمره انقلبت حياته رأسا على عقب بعد علمه بأن جسمه يحمل سرطانا بالعمود الفقري، و هو شاب متزن في حياته و عمله. و عندما أخبر أقرب الناس إليه (صديقته و أمه و صديقه) بمرضه، تفاعلوا مع المرض بأشكال مختلفة» (ص94) أما في الفصل الذي يخصصه للتوحد و السينما فيعطينا مجموعة من النماذج التي اهتمت بهذا المرض اللغز، أخص بالذكر منها شريط «أنا سام» (2002) للمخرجة جيسي نيلسون و «رجل المطر» (1988) للمخرج باري ليفنسون، و فورست غامب (1994) من إخراج روبير زيميكيس و بطولة توم هانكس، و هو الفيلم الذي فاز سنة 1995 بست جوائز أوسكار، كما حاز على 32 جائزة عالمية و 41 ترشيحا. (ص 126)
لكن كتاب المسعودي لا يقف بنا فقط عند هذه الأمراض، بل يمضي بنا أيضا لنقف عند بعض الآفات المدمرة لصحة الإنسان في المجتمعات الحديثة، و على رأسها آفة التدخين، التي يخصص لها فصلا من الكتاب في علاقتها بالسينما. و يقدم بهذا الخصوص عينات من الأفلام العالمية التي وظفت التدخين بأشكال مختلفة، ملاحظا أن العديد من كبار الممثلين ظهروا على الشاشة و هم يرشفون من سجائرهم، و هو ما خلف تأثيرا سلبيا على العديد من المعجبين، و بخاصة المراهقين منهم. مع أنه كانت هناك أشرطة سينمائية سعت إلى فضح هذه الآفة و التنديد بالمروجين لها، مثل فيلم تصريحات» (1999) و هو فيلم أمريكي من إخراج مايك مان، الذي «يروي قصة واقعية لجيفري ويكاند، نائب رئيس قسم البحث و التطوير بشركة كبرى تنتج السجائر، و يكشف عبر تصريحاته و ما بلغ عنه و عبر تحريات الصحافي لويل بيركمان و البرنامج التلفزي 60 دقيقة عن أسرار و ممارسات مشينة تتعلق بصناعة التبغ و عن المصيبة المتمثلة في المخاطر الناجمة عن التدخين من جراء ذلك» (ص 47)
ظاهرة طبية أخرى لا يفوت الكاتب الفرصة على نفسه للتطرق إليها، هي ظاهرة التبرع بالأعضاء من زاوية علاقتها بالسينما. و هي من ظواهر عصرنا التي يحيط بها الكثير من الإدهاش و الغموض. من النماذج السينمائية التي يقدمها الكتاب في هذا الصدد فيلم» إصلاح الأحياء» (2016) و هو من إخراج كاتيل كيليفيري و من بطولة الطاهر رحيم و إيمانويل سينير…مقتبس عن رواية بنفس العنوان للكاتبة مايليز كيرانكال. «يتساءل الفيلم أين تبتدئ الحياة و أين تنتهي؟ و من خلال التبرع بالأعضاء أو زراعة قلب، إنها أسئلة ميتافيزيقية جادة. فيلم يحمل صورا حقيقية عن واقع مر و ملموس يفضح ضعفنا و توجهاتنا المتقلبة بين التافه و المقدس» (145)
تاريخ آخر للسينما
يجعلنا كتاب « الثقافة الطبية في السينما» ننفتح على بعد آخر من أبعاد تاريخ السينما، أو إذا شئنا تاريخا آخر من التواريخ المتعددة للفن السابع. و هكذا نجد أن فيلما عالميا كالعراب الذي اعتبره الكثيرون من أهم ما أنتجته السينما الأمريكية و العالمية، نجده هنا يندرج ضمن خانة الأفلام التي تطرقت لمرض السكري، و تحديدا الجزء الثالث الذي «يضم الممثل القدير آل باشينو في دور مايكل كورليون الذي يعاني من مرض السكري، النوع الثاني…» (ص109) أو فيلم فتاة بريست «و هو فيلم يرتكز على وقائع حقيقية من حياة الاختصاصية في أمراض الصدر الفرنسية «إيري فراشون» التي حاربت طيلة سنين لتكشف أن دواء ضد السكري 2 مهدد لحياتها» (ص 111)…
لا يقف الكتاب عند هذا المستوى البارز في تاريخ السينما، و إنما هو يقف بنا أيضا عند عينات سينمائية أخرى من المستوى «الهامشي» لتاريخ السينما، أخص بالذكر منها الشريط الوثائقي المغربي «جوال الرباط سلا» و هو من إخراج محمد سملالي و بطولة السيد هاد مصطفى. و الفيلم يحكي قصة هذا الأخير، و هو « شخص معاق من مواليد مدينة خريبكة سنة 1968 و أب لطفلين، أصبح معاقا منذ سنة 1970 بعد كسر في عموده الفقري نتيجة سقوطه من ظهر أمه و هو طفل في سنته الثانية». (ص 70) و في هذا السياق لا يفوت المؤلف أن يخصص حيزا من كتابه للحديث عن فيلمه الوثائقي الذي يندرج في هذا السياق بالذات. أقصد فيلمه الذي اختار له كعنوان «أسير الألم»، و هو يحكي قصة عبد السلام المريض بالروماتزم منذ صغر سنه، و يبرز سجنه الدائم بسبب الإعاقة التي أصيب بها بعد علاجه بسرعة و بأدوية جوهرية و فعالة…» و قد توج الفيلم بجائزة أحسن موضوع بالدورة السابعة لمهرجان طنجة الدولي للفيلم سنة 2014، و جائزة أحسن فيلم وثائقي لسينما العالم بالدورة الرابعة للمهرجان الدولي للفيلم بدلهي سنة 2015.
عموما نعتبر كتاب «الثقافة الطبية في السينما» إضافة نوعية للمكتبة السينمائية المغربية. و هو تعبير آخر عن انفتاح الفن السابع ببلادنا على شرائح متنوعة من المجتمع، مثلما هو يعبر عن حاجة المجتمع إلى تجديد الفرجة السينمائية من خلال إيلاء مزيد من العناية بالقاعات السينمائية، و بالتكوين السينمائي و بنيات الإنتاج و التسويق الفيلمي. و من غير المستبعد أن تترتب عن هذ التلاقح الغني بين الطب و السينما، إبداعات فيلمية أكثر نضجا و عمقا في التجربة السينمائية المغربية، التي تعتبر هاجسا أساسيا في تفكير و ممارسة الكاتب الطبيب المبدع الدكتور بوشعيب المسعودي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق