في تطور هادئ ولكنه ذو دلالة رمزية، أعلنت الحكومة البريطانية مؤخرًا - من خلال وزارة الدولة للتجارة - أن قرار الاستثمار وممارسة الأعمال التجارية في الصحراء المغربية متروك لتقدير الشركات البريطانية. ورغم أن هذا الموقف يُعبّر عن الحرية التجارية، إلا أنه يثير تساؤلات سياسية ملحة: هل تقترب لندن من الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، أو على الأقل بخطة الحكم الذاتي التي اقترحتها الرباط؟ هل يمكن أن يكون هذا مؤشرًا مبكرًا على تحول أوسع في السياسة الخارجية للمملكة المتحدة تجاه شمال إفريقيا؟
في ظاهر الأمر، يبدو
موقف المملكة المتحدة التجاري عمليًا وغير مُلزم. فهو يتجنب اتخاذ موقف سياسي رسمي،
بينما يسمح للشركات الخاصة بحرية استكشاف فرص الاستثمار في المنطقة المتنازع عليها.
ومع ذلك، فإن هذا النهج الذي يبدو محايدًا يحمل ثقلًا ضمنيًا، لا سيما في سياق ما بعد
خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حيث تسعى المملكة المتحدة بنشاط إلى شراكات اقتصادية
جديدة ونفوذ يتجاوز الاتحاد الأوروبي.
كما هو معلوم اقترح
المغرب منذ 2007 حكمًا ذاتيًا تحت الحكم المغربي، وهي خطة تدعمها عدة قوى كبرى، بما
في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية.
في هذا السياق، يُعدّ
البيان البريطاني بشأن التجارة مع الصحراء المغربية أكثر من مجرد مبادرة تجارية، بل
قد يُشير إلى إعادة تقييم استراتيجي عام . فمن خلال تمكين الشركات من العمل في الصحراء
دون قيود حكومية، تُقرّ المملكة المتحدة فعليًا بالإدارة الفعلية للمغرب للإقليم. وهذه
ليست مجرد مسألة قانون تجاري؛ بل هي اعتراف عملي بمن يسيطر على الأرض السماء ويحكمهما.
منذ خروج بريطانيا
من الاتحاد الأوروبي، أعادت المملكة المتحدة تعريف علاقاتها التجارية العالمية. لقد
برز المغرب كواحد من أوائل الدول غير الأوروبية التي وقّعت اتفاقية استمرارية مع بريطانيا
عام 2019، مما يضمن بقاء شروط التجارة كما هي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وتشمل هذه الاتفاقية بشكل خاص منتجات الصحراء الغربية الخاضعة للسلطة الجمركية المغربية،
مما يعزز قبول لندن لهياكل الحوكمة المغربية عمليًا.
كما أظهرت الشركات
البريطانية منذ ذلك الحين اهتمامًا متزايدًا بالمنطقة، لا سيما في مجالات الطاقة المتجددة
والتعدين والخدمات اللوجستية. وتُعد موارد الصحراء غير المستغلة - لا سيما الفوسفات
ومصايد الأسماك والهيدروجين الأخضر المحتمل - ذات قيمة استراتيجية عالية.
إن السماح بالاستثمار
في المنطقة مع الأهداف الأوسع للمملكة المتحدة يروم تنويع شراكات الطاقة، وتأمين المعادن
الحيوية، وتعزيز النفوذ في المغرب العربي، لا سيما في ظل معاناة أوروبا من الاعتماد
على الطاقة وعدم الاستقرار في أوروبا الشرقية.
لإن رسالة
لندن أيضًا تعمل على ضعف موقف جبهة البوليساريو. فمن خلال التعامل مع الاستثمار في
الصحراء كمسألة تتعلق باتخاذ القرارات التجارية بدلًا من الجدل السياسي، تُحوّل المملكة
المتحدة خطابها من خطاب السيادة المتنازع عليها إلى خطاب التنمية الاقتصادية. وهو يُتماشى
واستراتيجية المغرب الخاصة "بالدبلوماسية التنموية"، حيث تُقدم الاستثمارات
ومشاريع البنية التحتية في الصحراء كدليل على الحوكمة الفعالة والتكامل الإقليمي.
في العلاقات الدولية،
غالبًا ما لا يتم الاعتراف بإعلان واحد، بل عبر سلسلة من الإجراءات التراكمية. ويمكن
اعتبار قرار المملكة المتحدة بإدراج المنتجات الصحراوية في اتفاقيتها التجارية، وما
تلاه من موافقة وزارة التجارة على السماح للشركات بالاستثمار بحرية في المنطقة، اعترافًا
تدريجيًا بالسيادة المغربية - إن لم يكن صراحةً، ففعليًا.
يعكس هذا المنهج نهج
الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب، التي اعترفت بالسيادة المغربية على الصحراء عام
2020 كجزء من اتفاقيات إبراهام. وإذا ما حذت المملكة المتحدة حذوها في المستقبل القريب،
فسيمثل ذلك انتصارًا دبلوماسيًا كبيرًا للمغرب، وقد يُعيد تشكيل الديناميكيات داخل
الجوار الأوروبي.
إن نهج الحكومة البريطانية
المتساهل تجاه الأعمال التجارية في الصحراء الغربية ليس محض صدفة دبلوماسية. بل يعكس
توازنًا مدروسًا بين المصلحة الاقتصادية وحذر السياسة الخارجية. يبقى أن نرى ما إذا
كان ذلك سيؤدي إلى اعتراف سياسي كامل بالصحراء المغربية، لكن المسار واضح: إن لندن
تُمهّد الطريق لعلاقات أعمق مع الرباط، وتُعامل الصحراء بشكل متزايد كجزء من المغرب
عمليًا، إن لم يكن في إعلان رسمي بعد.
بالنسبة للمغرب، يُضاف
هذا التطور إلى سلسلة الاعترافات الضمنية والشراكات الدولية المتنامية التي تُضفي الشرعية
على خطته للحكم الذاتي. أما بالنسبة للمنطقة، فقد يكون هذا مجرد خطوة صغيرة أخرى نحو
حل أحد أقدم النزاعات الإقليمية في أفريقيا - ليس من خلال الصراع، بل من خلال التجارة
والبراغماتية والدبلوماسية الهادئة.
0 التعليقات:
إرسال تعليق