في عام 2020، جمع حوار فكري عميق بين الفيلسوفين الكوري الألماني بيونغ-تشول هان والألماني الشاب ماركوس غابرييل رؤيتين متباينتين حول أزمة المعنى في العصر الرقمي. لم يكن النقاش مجرد تبادل أكاديمي، بل مواجهة فكرية بين فلسفة "التعب والمراقبة" التي يطرحها هان، وفلسفة "الواقعية الجديدة" التي يدافع عنها غابرييل. في عالم يسوده "البيانات بدل الأفكار"، و"الشفافية بدل العمق"، يتساءل الاثنان عن مصير الإنسان في زمن تُقاس فيه القيم بعدد النقرات، لا بعدد التأملات.
يُعدّ هذا الحوار من أكثر النقاشات عمقاً في الفكر الفلسفي المعاصر، لأنه يلامس جوهر التحول الوجودي الذي أحدثته الرقمنة في حياتنا اليومية. فـ بيونغ-تشول هان، فيلسوف "مجتمع التعب"، يرى أن الإنسان الرقمي يعيش حالة من العدمية الهادئة: لم يعد يؤمن بشيء، لكنه لا يملك الشجاعة ليفقد الإيمان تماماً. لقد تحولت الحرية إلى استغلال ذاتي، والاتصال المستمر إلى مراقبة ذاتية. بينما يرى ماركوس غابرييل أن الحل لا يكمن في الانسحاب من التكنولوجيا، بل في إعادة بناء المعنى من داخلها، عبر فلسفة جديدة للروح الرقمية.
يبدأ الحوار من سؤال بسيط لكنه مرعب:
هل ما زال للإنسان مكان في عالم تسيّره الخوارزميات؟
يجيب هان بأن الإنسان في النظام النيوليبرالي الرقمي أصبح عبداً طوعياً لشاشته، يعمل بلا قسر، يتجسس على نفسه، ويفتخر بتعريه النفسي أمام العيون الرقمية. كل شيء أصبح مرئياً، وكل مرئي فقد قيمته. الشفافية المطلقة، في نظره، هي الوجه الجديد للطغيان.
أما غابرييل، فبقدر ما يعترف بخطورة ما يسميه "العدمية الرقمية"، يرى أن الإنسان ليس ضحية صامتة. فالفكر الفلسفي، كما يقول، لا يزال قادراً على إنتاج مضاد للعدمية، عبر استعادة معنى العالم والوعي. التكنولوجيا، بالنسبة إليه، ليست قدراً ميتافيزيقياً، بل مجالاً يمكن للروح الإنسانية أن تزرع فيه قيماً جديدة، كما فعلت في كل الثورات السابقة.
هنا يلتقي الاثنان ويفترقان في آنٍ واحد.
يلتقيان في تشخيص الأزمة:
– مجتمع التعب
– فراغ المعنى
– رقابة بلا مركز
– انهيار الحدود بين الذات والعالم.
لكن يفترقان في العلاج:
هان يختار الصمت، التأمل، العودة إلى البطء، إلى طقوس المعنى المنسية.
أما غابرييل فيدعو إلى فلسفة جديدة للواقع، تنقذ الإنسان من الانغلاق الرقمي بإعادة تعريفه ككائن معنوي، لا كبيانات بيولوجية قابلة للقياس.
في خلفية الحوار، تتردد أصداء نيتشه وهايدغر.
نيتشه أعلن موت الإله، وهايدغر حذّر من أن التقنية ستبتلع الكينونة؛ أما هان وغابرييل فيشاهدان الآن موت المعنى في زمن ما بعد الإله، حيث تتحول الحقيقة إلى ترند، والفكر إلى خوارزمية، والذات إلى "ملف مستخدم".
لقد أصبح العالم، كما يصفه هان، "متحفاً للذاتيات المرهقة"، كل فرد فيه منشغل بإثبات وجوده على منصة ما، دون أن يملك وقتاً ليعيش هذا الوجود.
يرى غابرييل أن هذا الوضع لا يجب أن يقودنا إلى اليأس. فهو يؤكد أن بإمكاننا إعادة بناء المجال الرمزي عبر الفلسفة، والتعليم، والفن. التكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة للمعرفة لا للهيمنة، إذا ما استعدنا الوعي بالمعنى الأخلاقي والمعرفي لما ننتج ونستهلك رقمياً. بكلمات أخرى، يجب أن تتحول الشاشة من مرآة للذات إلى نافذة على العالم.
يصف هان الإنسان الرقمي بأنه "حيوان تعب"، يعمل حتى الإنهاك، ويتواصل بلا توقف، لكنه يشعر بالفراغ. هذا الإنسان لم يعد ضحية قمع خارجي، بل ضحايا حريته الخاصة. فبدلاً من السجون الحديدية، ظهرت سجون الضوء: الإشعارات، التنبيهات، الرسائل، المتابعة الدائمة. إنها عبودية جديدة، مغطاة بقناع السعادة.
من جانبه، يذكّر غابرييل بأن الفلسفة لم تُخلق لتكون شاهدة على سقوط الإنسان، بل لتمكّنه من إعادة التفكير في نفسه. العدمية ليست نهاية، بل بداية جديدة للوعي. ولذلك يقترح ما يسميه "الواقعية الجديدة"، التي ترى أن العالم ليس وهماً رقمياً، بل شبكة من المعاني الواقعية التي يمكن استعادتها بالفكر والعمل.
في لحظة معينة من الحوار، يقول هان جملة تلخص رؤيته:
"لقد أصبحنا نعرف كل شيء، لكننا لم نعد نفهم شيئاً."
ويجيب غابرييل:
"لكن الفهم يبدأ حين نتوقف عن الخوف من المعرفة."
هكذا يتحول الحوار إلى مواجهة بين الخوف والأمل، بين الشك والعودة إلى الفلسفة.
إنه ليس سجالاً أكاديمياً، بل تأمل في مصير الإنسان بعد أن أصبح ظلاً لنفسه الرقمية.
في النهاية، لا يخرج القارئ من هذا النقاش بوصفة للخلاص، بل بدعوة إلى التفكير البطيء، إلى إعادة المعنى إلى الكلمات التي فقدت ثقلها في زمن السرعة.
خاتمة:
يقدّم حوار بيونغ-تشول هان وماركوس غابرييل أحد أكثر النصوص تمثيلاً لقلق العصر الرقمي. إنه ليس نقاشاً حول التقنية فقط، بل حول الإنسان نفسه. في مواجهة "العدمية الرقمية"، لا يكفي أن نغلق أجهزتنا، بل أن نعيد تشغيل وعينا. فكما يقول هان: "الفكر هو آخر مقاومة ضد الانهيار الكامل للمعنى."
وبين تشاؤم هان وأمل غابرييل، تبقى الفلسفة ـ كما أرادها سقراط يوماً ـ فنّ الحياة في وجه العدم.







0 التعليقات:
إرسال تعليق