في يومٍ تتقاطع فيه الأسئلة الثقافية مع التحولات الرقمية، تبدو الخريطة واسعة وممتدّة: من طنجة إلى أبوظبي، ومن مراكش إلى تورونتو، ثم إلى غرف التحرير التي تختبر الذكاء الاصطناعي ككاتبٍ جديد. هذا بانوراما موجزة—لكنها دافئة—لـ«جديد اليوم» في الثقافة والفنون والإعلام والتكنولوجيا والأدب الرقمي.
في المغرب، تتواصل دينامية المشهد الثقافي بخطوات متواترة. فقد فتحت وزارة الثقافة باب الترشيح لبرنامج دعم الفنون لسنة 2025، وهو آلية تمويلية تعزّز إنتاج الموسيقى وفنون العرض والرقص، وتدعم البنى الإبداعية التي تحتاجها الدورة الثقافية كي تستمر في المدن والجهات بعيداً عن المركزية القديمة. مثل هذه البرامج تمنح الفنانين المغاربة «هوامش مناورة» أكبر لمشاريع تتراوح بين المسرح والرقص المعاصر والموسيقى البديلة، وتسمح بإدماج أجيال شابة في اقتصاديات الإبداع. Morocco World News في السياق نفسه، استعاد مراكش إيقاعه الشعري مع انطلاق الدورة السابعة لـ«مهرجان الشعر المغربي»، وهو حدث يعيد وصل الحقل الأدبي بمنصات الأداء والقراءات المفتوحة، ويمنح القصيدة فضاءً احتفائياً خارج القاعات الأكاديمية الضيقة. wam.ae
على مستوى أوسع في العالم العربي، برز خبر انتخاب عالم المصريات خالد العناني مديراً عاماً لليونسكو، حدثٌ ثقافي بامتياز تتداخل فيه الدبلوماسية الثقافية مع رهانات تمويل المؤسسة الأممية بعد انسحاباتٍ وتوتراتٍ متلاحقة. الأهم هنا هو الإشارة إلى رؤية «انفتاح وإصلاح» تعِد بجعل الثقافة رافعةً للتعليم والعلوم وحقوق الإنسان، في زمنٍ تزداد فيه الحاجة إلى خطابٍ يوحّد ولا يفرّق. Le Monde.fr كما تتكثف في المنطقة نقاشاتٌ حول أثر التكنولوجيا على الإبداع والسياسات الثقافية، وهو ما تؤكده منتديات عربية تُقارب علاقة الفن بالابتكار، وتطرح على الطاولة أسئلة الحوكمة والأطر الأخلاقية والإيكولوجيا الرقمية.
في إفريقيا، تتقدّم «العقد الرقمي» بخطى محسوبة: شراكات بيانات، مراكز معطيات، واستثمارات تتطلع إلى توطين الذكاء الاصطناعي بدلاً من استهلاكه كـ«صندوق أسود» مستورد. هذا التحوّل ليس تقنياً فحسب، بل ثقافي أيضاً، لأن البنية التحتية تحدّد لاحقاً كيفية إنتاج المحتوى وتوزيعه وإمكانيات وصوله إلى القرّاء والمشاهدين والمستمعين في القارة. thebusinesswatch.com
عالمياً في الثقافة والفنون، حمل الأسبوع خبراً لافتاً: «مؤسسة البوكر» تطلق «بوكر الأطفال» بجائزة قدرها 50 ألف جنيه إسترليني، مع لجنة تحكيم تضمّ بالغين وأطفالاً. خطوةٌ تضع القراءة المبكرة في الصدارة، وتبني جسراً بين صناعة النشر وسياسات النهوض بالقراءة، وقد تُحدث أثراً مضاعفاً على سلاسل التوزيع والبرامج المدرسية. لعلّ الأبعد من الخبر هو «رسالة» مفادها أنّ مستقبل الأدب يبدأ من الطفولة، وأن الأسواق التي تتراجع فيها لذّة القراءة تحتاج إلى صدماتٍ ذكية مثل هذه. The Guardian وفي أوروبا، تواصل حادثة «اللوفر» إثارة النقاش حول أمن المتاحف ورمزية الكنوز الوطنية، وكيف تصير الحوادث نفسها – paradoxically – مادةً لأساطير جديدة عن التيجان والجواهر في المخيال العام. Korea Joongang Daily
ننتقل إلى الصحافة والإعلام والتكنولوجيا والرقمية والذكاء الاصطناعي. في المغرب، أُعلن عن برنامج وطني لتكوين الأطفال في المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي ضمن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030». الفكرة بسيطة وعميقة: ترسيخ تعلّمٍ مبكرٍ للبرمجة والتفكير الخوارزمي والإبداع التكنولوجي، بما يفتح الممرّ من «الاستهلاك» إلى «الإنتاج» ويضمن عدالة النفاذ إلى مهارات المستقبل. مثل هذه المبادرات تربط المدرسة بالمختبر والسوق، وتُشعر جيلاً كاملاً أن مكانه في صناعة الغد محفوظٌ إذا امتلك العدة. SAMENA Council عربياً، تتوسع الاستثمارات والمنصات في بيئة الذكاء الاصطناعي المؤسسي، من تمويل منصات برمجية في دبي إلى مبادرات تُشدد على الأخلاقيات والحوكمة واستيعاب الكوادر عبر تحدّياتٍ في الحوسبة الكمّية وتطبيقاتها في الذكاء الاصطناعي. وهذه كلها إشارات إلى سباقٍ يتجاوز «الواجهة» إلى البنى العميقة التي ستحدّد تنافسية الإعلام العربي في العقد المقبل. Arab News+1
أما عالمياً، فتتخذ العلاقة بين غرف الأخبار والذكاء الاصطناعي منعطفاً جديداً: «بيزنس إنسايدر» تُعلن اعتماد «مؤلف» بالذكاء الاصطناعي بصفةٍ واضحة ومعلّمة، مع تحريرٍ بشري لاحق لضمان الدقة والإنصاف. ما يُختَبَر هنا ليس الأداة فقط، بل «العقد الاجتماعي» بين الصحافة وجمهورها: كيف نضمن الشفافية؟ من يتحمّل المسؤولية عند الخطأ؟ وكيف نحفظ التمايز الإبداعي للمحرّرين؟ الأسئلة مفتوحة، لكن اتجاه الموجة واضحٌ إلى دمجٍ أشمل للأدوات مع ضوابط تحريرية أقوى. New York Post وفي المقابل، تتصاعد عالمياً نقاشات «إزالة الاستعمار» في الذكاء الاصطناعي: إلزام المعطيات بالتموضع محلياً، بناء مراكز بيانات وطنية، والحدّ من مركزيةٍ معرفية وتجارية تجعل الجنوب مجرّد مورد خام للبيانات. هذه النقاشات التقنية في ظاهرها، ثقافية في جوهرها لأنها تعيد تعريف السيادة اللغوية والسردية. Le Wall Street Journal
يبقى محور الأدب الرقمي. عربياً، تتقدم أبوظبي بمبادرات لافتة بإطلاق «المكتبة العربية الرقمية» بالشراكة مع فاعلين في النشر والأمازون لإتاحة آلاف الكتب العربية بصيغة الكتب المسموعة والإلكترونية خلال ثلاث سنوات. الأثر المحتمل يتجاوز «المنصة» إلى بناء اقتصاد قراءةٍ جديدٍ يحترم حقوق الملكية ويمنح الناشرين بياناتٍ عن القرّاء، ويختبر نماذج عوائد أكثر استدامة، وهو ما يشكّل عماداً لازماً لنهضة الأدب الرقمي العربي. Gulf News+1 دولياً، ما زالت منظمة «الأدب الإلكتروني» ELO مثالاً على إقامة جسورٍ بين البحث الأكاديمي والفنون الرقمية عبر مؤتمرات ومهرجاناتٍ تبرز الكتابة التفاعلية، والقصيدة متعددة الوسائط، والقصص الهجينة التي تمزج النص بالبرمجة والواجهة. ثمة هنا مختبر مستمرّ لإعادة تعريف «الكتاب» و«القراءة» و«التأليف» في زمن الشاشة والخوارزم. Electronic Literature Organization
خلاصة المشهد أنّ «الجديد اليوم» ليس خطاً مستقيماً، بل تقاطع مسارات: دعمٌ ثقافي محلي يعيد توزيع الفرص داخل المغرب، وقيادة عربية جديدة في اليونسكو تعِد بجدول أعمالٍ عالمي أكثر توازناً، وإشارات قوية إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يبقى أفقاً تقنياً بحتاً بل سيغدو بنيةً تحتية للثقافة والصحافة والتعليم. وفي قلب هذا كله، الأدب الرقمي العربي وهو يفتّش عن منصّاته وطرائق تمويله وقرّائه، انطلاقاً من قناعةٍ بسيطة: أن المستقبل، كي يكون عادلاً ومُلهمًا، يحتاج إلى سردياتٍ جديدة، وبُنى تحتية جديدة، وتعليمٍ مبكّرٍ يمنح الأطفال مفاتيح اللغة… وشفرة العالم







0 التعليقات:
إرسال تعليق