الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 27، 2025

للثقافة أخبار إعداد عبده حقي

 


مقدمة: الثقافة المغربية في لحظة مفصلية

في المغرب، لا يمكن الحديث عن الثقافة دون التوقف عند ديناميتها المتجددة وتعدّد دوائرها: السينما، الموسيقى الصوفية، الرقمنة، حماية التراث، وحلم المثقفين بمستقبل أذكى وأكثر إنسانية. خلال الأسابيع الأخيرة، احتلّت هذه الموضوعات واجهة النقاش الثقافي، من

مهرجان طنجة الوطني للفيلم إلى مهرجان الصوفية، مرورًا بنداءات حماية المواقع الأثرية واحتفاء الصحف الرقمية بـ«الرقمنة أنشودة المستقبل الذكي».

هذه العناوين، وإن بدت متفرقة، تشكّل في جوهرها مشهدًا ثقافيًا متكاملاً يعكس طبيعة التحوّل المغربي الراهن: من استعادة الذاكرة إلى صناعة المستقبل، ومن التجذّر الروحي إلى الانخراط الرقمي، ومن الوعي بالتراث إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والزمن.

القسم الأول: السينما المغربية.. بين الذاكرة والرهان الجديد

المهرجان الوطني للفيلم في طنجة، في دورته الخامسة والعشرين، لم يكن مجرد احتفالية سينمائية، بل كان لحظة رمزية تعيد مساءلة علاقة الفن بالذاكرة، والهوية بالتحوّل.
الجوائز التي حُسمت، وفي مقدمتها الجائزة الكبرى التي فاز بها فيلم "البحر البعيد" للمخرج سعيد حميش بن العربي، أثارت نقاشًا نقديًا عميقًا حول ما إذا كانت السينما المغربية قد بلغت نضجها الفني والفكري، أم أنها ما تزال تبحث عن صوتها بين الواقعية والمجاز.

عنوان "اختتام المهرجان ينتصر للذاكرة ويؤسس مرحلة جديدة" لم يكن توصيفًا صحفيًا فقط، بل تشخيصًا لواقع الفن المغربي الذي يضع الذاكرة في صُلب إبداعه. فـ«البحر البعيد» لا يبحر نحو الجغرافيا، بل نحو الزمن الداخلي للشخصيات، نحو ذاكرة المكان والوجدان الجمعي. الفيلم، كما وصفه بعض النقاد، «تجربة مغربية في مواجهة النسيان»، ويعيد الاعتبار لفكرة أن السينما ليست مجرد صناعة ترفيه، بل مرآة لوجدان الأمة.

إنّ عودة الاهتمام بالذاكرة السينمائية – في بلدٍ ما تزال جراحه التاريخية حاضرة – تُبرز التحوّل من السينما الوثائقية إلى سينما التفكير. ومن اللافت أن أغلب الأفلام المتوَّجة هذا العام تناولت موضوعات الهوية والمرأة والماضي الاستعماري والهجرة، ما يدل على نضوج الحسّ الإبداعي في التعامل مع الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمع المغربي.

لكنّ السؤال الجوهري يظل مطروحًا: هل السينما المغربية، في ظل دعم محدود وإكراهات التوزيع، قادرة على الاستمرار كقوة رمزية قادرة على التغيير؟ أم أنها مهددة بأن تبقى احتفالًا موسميًا مؤجل الأثر؟

القسم الثاني: المهرجان الصوفي.. الفن بوصفه سموًّا روحيًا

على مسافة وجيزة من طنجة، كان المغرب يحتفل بنوع آخر من المهرجانات: مهرجان الصوفية الذي اختُتم بـ«حفل الحراقية». هذه المناسبة لم تكن مجرد عرض موسيقي أو احتفاء تراثي، بل لحظة روحية وجمالية تستعيد البعد الأنثروبولوجي للثقافة المغربية.

فالتصوف المغربي، الممتد من فاس إلى العرائش، ليس طقسًا دينيًا فحسب، بل خطاب ثقافي يتجدد عبر الموسيقى والشعر والفن. الحفل الختامي للحراقية مثّل ما يمكن تسميته بـ«تجسيد الروح المغربية في زمن الرقمنة»، إذ يتقاطع فيه الصوت الإنساني بالآلة، والوجدان الفردي بالجماعي، والروح بالمشهد البصري.

لقد أدركت التجربة الصوفية المغربية مبكرًا أن الفن يمكن أن يكون طريقًا إلى المعرفة. ولهذا يُحتفى بالصوفية في المهرجانات لا كأثر من الماضي، بل كحركة فكرية وروحية منفتحة على الحداثة.

يُذكر أن الباحث عبد الجليل التميمي وصف هذا النوع من التظاهرات بـ«الذاكرة الحيّة التي تُنقذ الإنسان من المادية الفجة». فالمغرب، وهو يدخل عصر المدن الذكية، لا يفقد صلته بجذوره الروحية، بل يوظفها كقيمة رمزية في مواجهة الفراغ الوجودي الذي يخلّفه العصر الرقمي.

القسم الثالث: الرقمنة أنشودة المستقبل الذكي

من بين أكثر العناوين لفتًا للنظر في الصحافة الثقافية مؤخرًا عنوان: «الرقمنة أنشودة المستقبل الذكي». هذه الجملة تختزل روح المرحلة الراهنة التي يعيشها المغرب والعالم معًا، حيث لم تعد الرقمنة خيارًا بل قدرًا.

لكن السؤال الذي يطرحه هذا التحول هو: هل تستطيع الرقمنة أن تكون "أنشودة" بالفعل؟ أي خطابًا إنسانيًا جميلًا، لا مجرد أداة تقنية؟
الرقمنة في المغرب الثقافي تُترجم اليوم في مظاهر متعددة: من الصحف الإلكترونية كـ«هسبريس» و«العرائش أنفو» إلى المنصات الأدبية، ومن المعارض الافتراضية إلى النشر الرقمي.

يُعلّق الكاتب المغربي عبد الله الساورة بأن «المثقف المغربي يعيش اليوم بين حبرين: الحبر الورقي والحبر الرقمي». وفي هذا التعايش تكمن المفارقة: فبينما تتيح الرقمنة سرعة الانتشار والانفتاح العالمي، فإنها تُهدّد، في الوقت نفسه، بطغيان السطحية واختفاء العمق النقدي.

ومع ذلك، فإن الرقمنة تفتح أمام الثقافة المغربية أبوابًا غير مسبوقة:

  • توثيق التراث بالصورة والواقع الافتراضي.

  • نشر الأدب المغربي في منصات عالمية.

  • إحياء اللغات المحلية والأمازيغية في تطبيقات تفاعلية.

  • وربط الجيل الجديد، جيل "Z"، بموروثه عبر وسائط يفهمها ويعيشها.

إنّ «الرقمنة أنشودة المستقبل» لا تعني التخلي عن الماضي، بل استحضاره بلغة جديدة. ومن هنا يبدو أن الوعي المغربي يميل إلى «الرقمنة المتأنية» لا إلى التسارع الأعمى.

القسم الرابع: الحلم الثقافي كقوة وطنية

«وفي قلوبنا الحلم» — عبارة قصيرة لكنها تختصر المشروع الثقافي المغربي كله. فالثقافة ليست فعلاً آنياً بل حُلماً طويل النفس.

هذا الحلم ليس رومانسيًا، بل وعيًا جمعيًا بأن الثقافة هي الضمانة الحقيقية للاستقلال الرمزي للأمم.
يكتب الشاعر محمد الأشعري: «الحلم ليس نقيض الواقع، بل طاقته المتجددة».
إنه ما يجعل الفنان يواصل إبداعه رغم التهميش، وما يجعل المثقف المغربي يكتب وينشر وينتقد في فضاء لا يخلو من الصعوبات.

الحلم الثقافي المغربي اليوم هو أن تتحول المهرجانات، المعارض، الصحف والمنصات إلى «نسيج وطني متكامل»، يُغني الهوية بدل أن يكرّس التشتت.
وهو أيضًا أن تُصبح الثقافة حقًا يوميًا لا ترفًا موسمياً.

في عمق هذا الحلم يقف جيل جديد من المبدعين الذين يجمعون بين التقنية والإحساس، بين العالمية والانتماء، بين الشعر والذكاء الاصطناعي. وهو جيل لا يخاف من الأسئلة، بل يخلق منها أدوات للإبداع.

القسم الخامس: التراث بين الحماية والتنمية

من بين الأخبار اللافتة أخيرًا ما نشره موقع الأول حول تداول صور لأشغال قرب موقع أثري ضواحي گلميم، وما تبعه من تأكيد المجلس الوطني على سلامة الموقع ودعوته إلى حمايته.
قد تبدو هذه الحادثة عابرة، لكنها تفتح بابًا واسعًا حول العلاقة بين التنمية والحفاظ على الذاكرة المادية.

في المغرب، كما في بلدان أخرى، يتكرر التوتر بين مشاريع البناء الحديثة وحماية المواقع التاريخية.
لكن الثقافة، في معناها العميق، لا يمكن أن تزدهر فوق أنقاض التراث. فالمواقع الأثرية ليست حجارةً جامدة، بل شواهد على استمرارية الهوية.

ولعلّ ما يجعل الموضوع مهمًا اليوم هو أن حماية التراث لم تعد مسؤولية الدولة فقط، بل أيضًا مسؤولية المجتمع المدني، الإعلام، والمواطنين أنفسهم.
ومن المفارقات أن الرقمنة، التي قد تبدو بعيدة عن الحقل الأثري، يمكن أن تكون وسيلة فعالة لحماية هذا التراث من خلال التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد والأرشفة السحابية.

وبذلك تتقاطع دوائر الذاكرة المادية (التراث) مع الذاكرة الرمزية (السينما والفن)، في شبكة ثقافية واحدة هدفها تثبيت الهوية وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان.

القسم السادس: من المهرجان إلى المشروع الثقافي الوطني

إذا نظرنا إلى كل هذه الفعاليات والعناوين في مجملها، فإننا أمام صورة مغربٍ يتحرك بثقة داخل فضائه الثقافي، وإن كان بخطوات متفاوتة.
مهرجان طنجة للفيلم، مهرجان الصوفية، مبادرات الرقمنة، دعوات حماية التراث، والحلم الجمعي كلها تشكّل معًا خريطة ثقافية تُعيد رسم هوية المغرب في القرن الحادي والعشرين.

لكن هذه الحيوية تحتاج إلى رؤية استراتيجية. فالمؤسسات الثقافية كثيرًا ما تشتغل بمعزل عن بعضها.
ولذلك، يبدو أن الخطوة المقبلة يجب أن تكون بناء مشروع ثقافي وطني متكامل يُعيد وصل الثقافة بالتربية، والسينما بالتاريخ، والرقمنة بالهوية، والحلم بالواقع.

إنّ ما يحدث اليوم في طنجة أو العرائش أو كلميم ليس مجرد فعاليات، بل تجليات لوعي جديد يرى أن الثقافة ليست ديكورًا للدولة الحديثة، بل هي بنيتها التحتية الرمزية.

خاتمة: الثقافة المغربية بين الذاكرة والمستقبل

من خلال تتبع هذه الأخبار والعناوين، نكتشف أن المغرب يعيش مرحلة ثقافية دقيقة وخصبة في آن.
فبينما تسعى السينما إلى ترميم الذاكرة، يحاول الصوفيون ترميم الروح، ويجتهد المبرمجون الرقميون في بناء المستقبل، فيما يقف المثقف بين هذه الدوائر يحاول أن يصوغ لغة جامعة.

الهوية المغربية، كما تتجلى في هذه الصورة المتعددة، ليست ماضياً يُعاد تدويره، بل مشروعًا مفتوحًا يتفاعل مع التكنولوجيا، الروح، الفن، والبيئة.
وفي قلب هذا المشهد، يظل الحلم المغربي هو البوصلة الوحيدة القادرة على جمع هذه الاتجاهات في نسيج واحد: حلم بثقافة حرة، منفتحة، واعية بذاتها وبزمنها.

الثقافة ليست رفاهية في المغرب، بل هي بوصلة العبور إلى المستقبل.
والرقمنة ليست تهديدًا، بل وسيلة لإنقاذ الذاكرة.
والمهرجان ليس احتفالاً عابرًا، بل مرآة لما نريد أن نكونه.

هكذا، بين «البحر البعيد» و«الرقمنة القريبة»، وبين «الحلم» و«الذاكرة»، يتشكّل وجه المغرب الثقافي الجديد، وجهٌ يرى المستقبل بعينٍ من التاريخ وقلبٍ من الضوء.

توقيع:
عبده حقي


0 التعليقات: