الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 27، 2025

محاورات بين فلاسفة ومفكرين معاصرين (18) غاليلو والكنيسة : عبده حقي

 


المقدمة:

في عام 1632، قدّم غاليليو غاليلي واحدة من أكثر لحظات الفكر الإنساني جرأة وإشراقًا في كتابه «حوار حول النظامين الرئيسيين للعالم»، حيث لم يكتب بحثًا علميًا تقليديًا، بل حوارًا حيًا بين عقول تتجادل حول موقع الأرض من الكون، بين النظام البطلمي القائل

بمركزية الأرض والنظام الكوبرنيكي القائل بمركزية الشمس. كان الحوار في ظاهره نقاشًا علميًا، لكنه في جوهره ثورة فكرية على بنية السلطة المعرفية للكنيسة التي احتكرت تفسير الكون باسم الإيمان. بذلك، لم يكن غاليليو مجرد عالم فيزياء أو فلك، بل فيلسوفًا للحرية المعرفية، ومؤسسًا لعصر جديد يضع العقل التجريبي في مواجهة العقيدة الجامدة، معلنًا ولادة الإنسان الحديث في ضوء العقل والشكّ.

المقال التحليلي:

كان القرن السابع عشر لحظة فاصلة في تاريخ العلاقة بين العلم والإيمان، إذ بدأ الإنسان الأوروبي يخرج من عباءة القرون الوسطى التي ربطت الحقيقة باللاهوت، نحو أفقٍ جديدٍ يرى في التجربة والملاحظة أدوات لفهم الوجود. في هذا السياق، يأتي حوار غاليليو ليُشكّل نقطة انعطافٍ رمزية وعملية؛ فهو لم يقدّم نظرية جديدة فحسب، بل صاغ طريقة جديدة للتفكير، إذ جعل من الحوار ذاته أداةً فلسفية لكسر هيمنة الخطاب الواحد.

في «حوار حول النظامين الرئيسيين للعالم»، يظهر غاليليو بمكرٍ فلسفي نادر، إذ يجعل النقاش بين ثلاثة متحاورين: سالفياتي، وسمبليسيو، وساغريدو. يمثل الأول الصوت العلمي المتقدّم، والثاني المدافع عن الموروث الأرسطي والكنسي، والثالث العقل المتسائل الحرّ. هذا البناء الحواري لم يكن مجرد أسلوبٍ أدبي، بل استراتيجية فكرية لتفكيك السلطة المعرفية للكنيسة من داخلها، عبر تسليط الضوء على هشاشة منطقها القائم على التفسير النصّي بدلاً من البرهان التجريبي.

بهذا الأسلوب، نجح غاليليو في تحويل العلم إلى خطاب تواصلي يُحاور لا يفرض، ويُقنع لا يُخيف، وبهذا المعنى يمكن القول إن كتابه كان بدايةً لعصر «الحداثة الحوارية» التي جعلت من النقاش سلاحًا معرفيًا ضدّ الدوغما. لقد فتح الطريق أمام الفلسفة العلمية لتتحول من دفاعٍ عن الاكتشافات إلى مشروعٍ متكاملٍ لتحرير الإنسان من سلطة التأويل المقدس.

لكن هذا التحرير لم يكن بلا ثمن. فالكنيسة، التي رأت في الكتاب تهديدًا لبنيتها الرمزية، استدعت غاليليو إلى محاكم التفتيش عام 1633، وطلبت منه التراجع عن آرائه تحت طائلة الحرق أو السجن. كانت تلك اللحظة مأساة فكرية بقدر ما كانت ميلادًا جديدًا. لقد اضطر العالم الإيطالي إلى الركوع أمام القضاء الكنسي، لكن أفكاره لم تركع؛ فحين همس، وهو يخرج من المحكمة، بجملته الشهيرة «ومع ذلك، فإنها تدور»، كان في الواقع يعلن انتصار العلم على الخوف، وانتصار الحقيقة على السلطة.

لم يكن غاليليو وحده في معركته، بل كان الامتداد الحي لثورة كوبرنيكوس الذي وضع الشمس في مركز الكون، ولسيكون لاحقًا الملهم الأكبر لإسحاق نيوتن. لكنه، بخلاف أسلافه، أضاف إلى العلم بعدًا أدبيًا وإنسانيًا؛ فالحوار عنده ليس فقط أداةً للشرح، بل فعل مقاومةٍ ضد الاستبداد الفكري. لقد ألغى الفصل بين العلم والفلسفة، بين الملاحظة والتأمل، وأثبت أن الحقيقة لا تحتاج إلى قداسةٍ لتكون مهيبة.

هذا التحول لا يمكن قراءته خارج الإطار الحضاري العام لعصر النهضة، حيث بدأ العقل الأوروبي يُعيد النظر في مفاهيم الطبيعة، الله، والإنسان. كانت الكنيسة ترى في النظام الكوني مرآةً لنظامها اللاهوتي، فكما تخضع الكواكب للأرض، يخضع الإنسان للإيمان. أما غاليليو، فقد كسر هذه المرايا، ليعيد ترتيب العلاقة بين العارف والمعلوم، ويضع الكون في مدارٍ جديدٍ لا يُدار بالعقيدة بل بالمنظار.

في البعد الفلسفي، يمثّل هذا الحوار تجسيدًا مبكرًا لما سماه هابرماس لاحقًا بـ«العقل التواصلي»، أي أن الحقيقة لا تُحتكر بل تُبنى عبر النقاش العقلاني. ولعل أعظم ما فعله غاليليو هو أنه حوّل الصراع من معركة بين الكنيسة والعلم إلى نقاشٍ إنساني حول حدود المعرفة نفسها: هل يمكن للنص أن يحدّ من الاكتشاف؟ وهل الإيمان في تعارضٍ دائمٍ مع العقل؟ هذه الأسئلة التي وُلدت في القرن السابع عشر ما تزال إلى اليوم تُؤرّق الفكر البشري.

ومن منظورٍ ثقافي، فإن غاليليو أسّس لما يمكن تسميته «الأدب العلمي»، حيث يتقاطع البيان الفلسفي مع الدقة التجريبية، وتتحول اللغة إلى وسيطٍ بين المختبر والسماء. لقد كانت طريقته في الكتابة، كما في التفكير، ثورةً على جمود الأكاديميا، ودعوةً إلى جعل المعرفة شأنًا عامًا لا حكرًا على الصفوة. بهذا المعنى، لم يكن غاليليو مجرد عالمٍ يشرح دوران الأرض، بل كاتبًا يدوّر الفكر ذاته حول محورٍ جديدٍ: الإنسان الباحث عن الحقيقة بعقله لا بخوفه.

لقد أعاد هذا الحوار صياغة العلاقة بين الإنسان والكون، وبين الحقيقة والسلطة. فالعلم بعد غاليليو لم يعد يطلب الإذن ليكتشف، بل صار يستمد شرعيته من برهانه. والكنيسة، رغم ما مثّلته من مقاومةٍ آنذاك، اضطرت عبر القرون إلى التكيف مع هذا التحول، حتى اعترفت رسميًا في عام 1992 بخطئها التاريخي في إدانة غاليليو. وهكذا أغلق التاريخ حلقةً دارت فيها الحقيقة كما دارت الأرض من قبل، لتثبت أن الزمن وحده هو الذي يحكم بين الفكر والإيمان.

الخاتمة:
يبقى غاليليو في الذاكرة الإنسانية رمزًا للحوار بين السماء والعقل، بين الإيمان والبرهان، بين الكلمة والمنظار. لقد علّمنا أن الحقيقة لا تُفرض بالقوة، بل تُولد من الجدل الصادق، وأن الحرية الفكرية هي مدار الحضارة الحديثة. فكما دارت الأرض رغم إنكارهم، دار التاريخ ليُثبت أن الفكر لا يُحاكم، وأن الحوار هو الطريق الأبدي نحو النور.

توقيع:
عبده حقي


0 التعليقات: