في كلّ مرّة أعود فيها إلى الحديث عن حلقة باختين، أشعر وكأنني أستحضر مشهدًا من أرشيف غير مرئي: غرفة صغيرة، طاولة خشبية، رجالٌ يكتبون ويتجادلون حول معنى الكلمة ومسارها. لم تكن هذه الحلقة مجرد مجموعة بحثية، بل كانت نوعًا من الحفر في طبقات اللغة؛ حفرًا يجعلنا ندرك أنّ الكلام لا يولد من فمٍ واحد، بل من تراكُم طويل لأصوات وأزمنة وطبقات اجتماعية.
أبرز ما شدّني دائمًا في فكر باختين هو هذا الإصرار على أنّ الكلمة لا تُقال مرة واحدة. كل كلمة تحمل ظلًّا، وصدًى، وسيرةً سابقة. وحين تحدّث عن "الحوارية"، لم يكن يقصد الحوار التقليدي، بل ذلك التفاعل الخفيّ بين اللغات داخل النص الواحد: اللغة الرسمية، لغة الشارع، لغة السلطة، لغة الهامش، كلها تتقاطع وتتصادم داخل جملةٍ واحدة دون أن ننتبه.
لهذا السبب لم يكن باختين معجبًا بالخطابات الموحّدة أو الأحادية. كان يرى أن كلّ خطاب يُلغِي فيه صاحبه أصوات الآخرين، يصبح خطابًا ناقصًا. الرواية في نظره أكثر صدقًا من الخطابة؛ لأنها تستوعب التعدد، وتسمح للغات المختلفة بأن تتجاور دون أن تلغي بعضها.
ومن هنا جاء اهتمامه بالكرنفال: ذلك العالم الذي يصعد فيه المهمَّشون إلى الساحة، وتتداخل فيه الأقنعة، وينقلب فيه ترتيب السلطة. رأى في الكرنفال نموذجًا لفهم المجتمع، وفهم الأدب أيضًا، لأن اللغة في لحظات الانفلات تكشف عن وجهها الحقيقي: تعددية، صاخبة، مليئة بالتوترات.
ومهما اختلفت القراءات حول دور أعضاء حلقة باختين، يبقى الأثر الأعمق الذي تركوه هو دعوتهم إلى النظر للغة باعتبارها فضاءً اجتماعيًا حيًّا. ليست أداة محايدة، ولا ملكية شخص واحد، بل تيارًا يحمل في داخله تاريخ الناس وصراعاتهم ونبراتهم.
إنّ العودة إلى باختين اليوم ليست مجرد اهتمام نظريّ، بل ضرورة لفهم كيف نكتب وكيف نقرأ. ففي عالمٍ تتكاثر فيه الأصوات وتتداخل فيه الخطابات، يصبح مفهوم الحوارية أكثر راهنية من أي وقت مضى. وربما ذلك ما يجعل هذه الحلقة تبدو حيّة إلى الآن: لقد تعاملت مع اللغة ككائن اجتماعي، لا كجملة في كتاب.








0 التعليقات:
إرسال تعليق