لم يكن الإفراج عن الكاتب الجزائري ـ الفرنسي بوعلام صنصال مجرد حدث ثقافي أو إنساني. لقد كان، في رأيي، نافذة صغيرة فتحت فجأة على مشهد سياسي واسع، متشابك وملتبس، يذكّرنا بأنّ مصير كاتب قد يتوقف ـ في عالمنا اليوم ـ على توازنات دقيقة بين عواصم ثلاث: باريس وبرلين والجزائر. وأنّ الحرية، حين تصبح جزءاً من لعبة جيوسياسية، تفقد شيئاً من معناها الرمزي، لكنها تكسب في المقابل قدرة على كشف المستور.
منذ اللحظة الأولى التي انتشرت فيها أخبار تدخل ألمانيا في قضية صنصال، بدا واضحاً أن الملف خرج من حدود الجزائر، وأنّ برلين قررت أن تتقدم الصفوف في معركة تُحاول فيها أوروبا استعادة صورتها كفضاء يحمي حرية التعبير. غير أنّ ما لم يُقل بصوت عالٍ، وما كان يتحرك مثل ظلّ خفيف خلف المشهد، هو الدور الفرنسي الذي لم يرد أن يظهر، لكنه لم يتوقف لحظة واحدة عن العمل.
باريس — التي اعتادت أن تكون في الواجهة — آثرت الصمت هذه المرة. صمتٌ لم يكن عجزاً، بل حساباً. فالعلاقة بين فرنسا والجزائر أصبحت في السنوات الأخيرة شبكة من الحساسية السياسية والتاريخية، تجعل أي خطوة فرنسية مباشرة محفوفة بمخاطر مضاعفة. ولذلك، لجأت باريس إلى استراتيجية أذكى: أن تدع برلين تتقدم، وأن تتحرك هي من الخلف، عبر شخصيات خرجت من دائرة السلطة الرسمية، لكنها لم تخرج من دوائر التأثير.
هنا يظهر اسم الوزير السابق ماتيا فِكل، رجل يعرف جيداً خرائط الهجرة والتوترات المغاربية – الأوروبية، ويعرف أيضاً كيف تتنفس السياسة الجزائرية حين تكون تحت الضغط. ويظهر أيضاً اسم الدبلوماسي الكبير موريس غوردو-مونتان، الذي يكاد يكون «ذاكرة فرنسا الدبلوماسية» في التعامل مع الجزائر وألمانيا. هذان الرجلان تحركا بصمت، وقدّما لبرلين ما لم يكن بوسعها معرفته بنفسها: كيف يفكر النظام الجزائري، أين يتراجع، وأين يشتدّ، وأيّ الأبواب يمكن طرقها، وأيّها ينبغي تجنّبه.
هذا النوع من الدبلوماسية — دبلوماسية الظل — هو ما جعل الجزائر تقبل في النهاية بالحل. ليس لأن ألمانيا ضغطت بقوة، ولا لأن باريس حرّكت أدواتها التقليدية، بل لأن رسائل صغيرة، هادئة ومدروسة، وصلت في الوقت المناسب: رسائل تجمع بين القوة الناعمة والمعلومات الدقيقة، وتعرف كيف تقرأ المزاج السياسي في قصر المرادية.
لكن السؤال الذي لا بد أن نطرحه، نحن الذين نتابع هذه التحولات بعين عربية وبقلم واعٍ، هو: لماذا تحولت قضية كاتب إلى ملف تفاوض بين دول كبرى؟
الجواب، في رأيي، يكمن في شيء أكبر من صنصال نفسه. إنه يتعلّق بالصورة التي تريد الجزائر أن تقدمها للخارج، والصورة التي تريد أوروبا أن تستعيدها أمام العالم. الجزائر — الثابتة على حساسيتها تجاه أي تدخل فرنسي مباشر — كانت أمام فرصة لاختبار علاقتها مع ألمانيا التي باتت أكثر حسماً في ملفات حقوق الإنسان. أما فرنسا، فقد وجدت نفسها أمام امتحان جديد: هل تستطيع أن تدافع عن أحد مواطنيها من دون أن تتهم بالتدخل؟ هل يمكنها أن تحافظ على نفوذها من دون أن تتكلم؟
والحقيقة أن باريس نجحت — بطريقة ما — في الاختفاء الهادئ. لقد خرجت مستفيدة من العملية، من دون أن تدفع الثمن السياسي المعتاد. فنجاح ألمانيا انعكس إيجاباً عليها أيضاً، لأنها كانت جزءاً من الجهد غير المعلن، ولأن الجزائر لم تشعر أنها «تتنازل لفرنسا» بل لبلد أوروبي آخر أقل حساسية في الذاكرة الجزائرية.
أما ألمانيا، فقد حققت نصراً رمزياً يعزز صورتها الدولية. بلد يُظهر أنه قادر على حماية حرية التعبير، وعلى مخاطبة الجزائر بلغة المصالح لا بلغة الهيمنة. وفي هذا السياق، شكّل الإفراج عن صنصال هدية دبلوماسية جاءت في الوقت المناسب، في لحظة تبحث فيها برلين عن أدوار جديدة داخل الاتحاد الأوروبي.
يبقى السؤال الأخير: ماذا يعني كل هذا لصنصال نفسه؟
أعتقد أن ما جرى وضع الكاتب في قلب لعبة أكبر من كتاباته. سيظل الرجل بالنسبة لكثيرين رمزاً لحرية التعبير، بينما سيظل بالنسبة لآخرين مجرد ورقة في لعبة النفوذ الأوروبي في المنطقة. لكن ما لا شك فيه هو أن قضية صنصال كشفت هشاشة العلاقة بين الكاتب العربي والدولة، وبين حرية التعبير والمنظومات السياسية، وبين أوروبا وصورتها التي تريد إعادة ترميمها.
إنّ هذه القضية، بكل ما حملته من تعقيدات، تقول لنا شيئاً أساسياً عن علاقتنا كعرب بالعالم: أن الحرية ما تزال تحتاج إلى وسطاء، وأن مصير الكاتب قد يمر أحياناً عبر مكاتب وزراء سابقين وسفراء متقاعدين، وأنّ العلاقات بين الدول ليست صراع مصالح فحسب، بل شبكة من الرموز والصور والذاكرة.
في النهاية، لا يمكنني إلا أن أقرأ هذا الحدث بوصفه درساً جديداً في السياسة الحديثة: أن الصمت قد يكون أحياناً أبلغ من الصراخ، وأنّ الدبلوماسية الناعمة — مهما بدت هشّة — قادرة على إحداث تغييرات لا تستطيع القوة المباشرة تحقيقها.
وبين باريس وبرلين والجزائر، كان بوعلام صنصال — من دون أن يقصد — مرآة لهذا العالم الذي تتصارع فيه الدول على النفوذ، بينما يبحث الكاتب ببساطة عن حقه في أن يكتب.
عبده حقي








0 التعليقات:
إرسال تعليق