الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، نوفمبر 16، 2025

النظام الجزائري بين تهمة التسميم وملفّات الفساد والإهمال الإنساني: عبده حقي

 


تتكاثف في الساعات الأخيرة سلسلة من القضايا المثيرة التي وضعت النظام الجزائري في قلب عاصفة سياسية وأخلاقية جديدة، بعدما تفجّرت معلومات واتهامات تتعلّق بمحاولة تسميم داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بجنيف، تزامنًا مع ملفات فساد متشعّبة، وانتهاكات اجتماعية صارخة انعكست في قضية أطفال درارية الذين تُركوا في الشوارع بعد إغلاق مركز الإيواء الذي كان يحتضنهم.

هذه الوقائع، وإن بدت متباعدة في ظاهرها، إلا أنّها تنتمي جميعًا إلى بنية واحدة: أزمة عميقة في منظومة الحكم، وتآكل في المؤسسات، وتخبّط في إدارة الملفات الحقوقية داخليًا وخارجيًا. وهي أزمة تتسع دوائرها كلما حاول النظام الجزائري الدخول إلى الفضاء الدولي بخطاب مغاير للواقع، أو “بوجه سياسي مُنمَّق” لا يصمد أمام حقائق الميدان.

أوّلًا: فضيحة جنيف… حين يصل تدبير الصراع إلى حدّ التسميم

تفيد المعطيات المتداولة في أوساط حقوقية وإعلامية بأنّ وفدًا مرتبطًا بالنظام الجزائري صار موضوعًا لتحقيقات داخلية في الأمم المتحدة، بعد شبهات حول حادثة تسميم طالت فاعلين حقوقيين خلال اجتماعات مجلس حقوق الإنسان بجنيف. الحدث، الذي وصفته مصادر دولية بـ “السابقة الخطيرة”، تجاوز سقف الخصومات الدبلوماسية التقليدية إلى ما يشبه العمل الاستخباراتي الإجرامي داخل مؤسسة أممية يفترض أنّها فضاء للتفاوض والحوار لا لتصفية الحسابات.

هذا الاتهام يفتح الباب أمام أسئلة مؤلمة حول طبيعة العقل السياسي الذي يدير الدبلوماسية الجزائرية اليوم:
هل تنزلق الدولة إلى منطق العصابات؟ أم أنّ السلطة الحالية فقدت السيطرة على “أذرع” باتت تتحرك خارج القانون وتحت غطاء رسمي غير معلن؟
وما الذي يدفع نظامًا سياسيًا إلى مثل هذا السلوك سوى خوف عميق من تحوّل الساحة الحقوقية الدولية إلى مساحة لفضح ممارساته في الداخل؟

ما يبدو جليًا أن القضية لن تُطوى بسهولة، خصوصًا بعد دخولها دائرة المتابعة في المنظمات غير الحكومية وفي بعض العواصم الأوروبية، ما ينذر بتداعيات دبلوماسية قد تُربك استراتيجية الجزائر في مؤسسات الأمم المتحدة، خاصة بعد سنوات من السعي لفرض سردية أحادية حول ملف حقوق الإنسان في المنطقة.

ثانيًا: الهجوم الإعلامي على رموز النظام… صراع أجنحة أم انفجار الغضب الشعبي؟

برزت خلال اليومين الماضيين موجة انتقادات حادّة موجّهة إلى شخصيات نافذة مقربة من محيط الرئيس تبون، مثل كمال سيدي سعيد، ليلى لوفيفر، وإبتسام هاملوي، وُصفت بأنها جزء من “الآلة الدعائية” للنظام، وأنها تمارس “انحطاطًا سياسيًا وأخلاقيًا” في مواجهة المعارضين والصحافيين والناشطين.

هذا الهجوم يبدو أكبر من مجرد تراشق سياسي؛ إنه يعكس حالة التفكك داخل النخبة الحاكمة، وسط ضغط داخلي متزايد وأزمة شرعية متواصلة منذ حراك 2019. الخطاب الإعلامي الموالي للسلطة لم يعد قادرًا على احتواء الغضب، بل أصبح جزءًا من تفجّره، لأن الأداء الإعلامي القائم على التخوين والتلفيق لم يعد مقنعًا للشارع، ولا لدوائر الدولة العميقة التي بدأت بدورها تشعر بثقل كلفة الاستمرار في هذا النهج.

إنّ انتقاد هذه الأسماء ليس سوى تجلّيًا لصراع أكبر: صراع بين نظام يريد أن يبقى متماسكًا عبر التضليل، ومجتمع يزداد وعيًا بانهيار آليات التواصل السياسي الرسمية، وصراع آخر داخل السلطة نفسها بين مراكز نفوذ تخشى أن تتحمّل مسؤولية “الفضائح المتراكمة”.

ثالثًا: فساد وإهمال اجتماعي… فضيحة أطفال درارية نموذجًا

في خضم الجدل حول التسميم والفساد، انفجرت فضيحة أخرى لا تقلّ مأساوية: طرد أيتام درارية إلى الشارع بعد إغلاق مركز الإيواء الذي كان يؤويهم، في حادثة صادمة عكست هشاشة المنظومة الاجتماعية، وغياب أدنى أشكال الرقابة المؤسساتية.

الصور والشهادات التي تسرّبت حول القضية كانت كافية لإشعال موجة غضب داخل الجزائر وخارجها. فالمشهد كان أقرب إلى “جريمة دولة”: أطفال في العراء، بلا مأوى، بلا رعاية، بلا حماية… في بلد يصرّ مسؤولوه على الترويج لخطاب “الرفاه الاجتماعي” و”الدولة الراعية”.

لكن الأخطر من الحادثة نفسها هو محاولة التستّر عليها، حيث كشفت تقارير عن تدخلات من شخصيات نافذة ــ من بينها إبتسام هاملوي ــ لإغلاق الملف إعلاميًا ومنع وصوله إلى الرأي العام. هذا الأسلوب، الذي بات ثابتًا في سلوك السلطة الجزائرية، يثير سؤالًا جوهريًا:
إن كانت الدولة عاجزة عن حماية أطفالها، فكيف ستقنع العالم بأنها قادرة على احترام المواثيق الدولية أو الدفاع عن “قضايا إنسانية” خارج حدودها؟

رابعًا: ما بين جنيف ودرارية… أزمة نظام لا أزمة ملفات

تبدو القضايا الأربع التي تفجّرت خلال 48 ساعة الماضية مترابطة من حيث الدلالات السياسية، إذ تكشف جميعها عن:

1. اهتزاز شرعية النظام داخليًا

تنامي الغضب الشعبي، تصدع الخطاب الرسمي، وارتباك أدوات السلطة.

2. فقدان البوصلة الدبلوماسية

فالسلوك في جنيف، كما توصفه مصادر حقوقية، لم يعد دبلوماسية بل “مغامرة خطرة”.

3. اتساع دائرة الفساد والمحسوبية

خصوصًا مع تورّط أسماء محسوبة على النظام في التستر على فضائح اجتماعية وإنسانية.

4. عجز بنيوي في إدارة الأزمات

حيث تتعامل الدولة مع كل فضيحة بمنطق “الإخفاء” لا بمنطق الإصلاح أو المحاسبة.

خلاصة: نظام على حافة الانهيار الأخلاقي

تكشف هذه الأحداث، مجتمعة، أنّ الجزائر ليست أمام مجرد فضائح متفرقة، بل أمام أزمة نظام يتآكل من الداخل. فالتسميم في جنيف، والفساد في المحيط الرئاسي، وطرد الأيتام إلى الشارع، كلّها أجزاء من لوحة واحدة:
لوحة دولة فقدت قدرتها على تقديم نموذج حكم مستقر، أو خطاب سياسي مقنع، أو حتى واجهة اجتماعية قابلة للتسويق.

وإذا كانت السلطة قد اعتادت، لعقود، على إدارة الصراعات عبر التعتيم، فإن انفجار المعلومات اليوم ــ عبر حقوقيين وإعلاميين ومواطنين ــ يشير إلى متغيرات جديدة: لم يعد بإمكان النظام إخفاء ما كان يخفيه سابقًا، لا في جنيف ولا في الجزائر العاصمة.

وهذا ما يضعه أمام مرحلة أشد تعقيدًا، عنوانها:
كيف يمكن لنظام يعيش أسوأ أزماته البنيوية أن يستمرّ دون تغيير؟


0 التعليقات: