يُعدّ مانويل كاستلز واحداً من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين الذين فكّكوا علاقة التكنولوجيا بالتحولات السياسية والاجتماعية. فمن "عصر المعلومات" إلى "سلطة الهوية"، وصولاً إلى كتابه العميق "شبكات الغضب والأمل"، ظلّ كاستلز يسعى إلى فهم كيف تغيّر الفضاء الرقمي آليات السلطة، وكيف تنتج المجتمعات أشكالاً جديدة من المقاومة عبر الشبكات.
في هذا الكتاب، لا ينظر كاستلز إلى الاحتجاجات الرقمية باعتبارها موضة عابرة أو مجرد امتداد إعلامي للشارع، بل باعتبارها بنية جديدة للفعل الاجتماعي، حيث يتحوّل الأفراد إلى جموعٍ متصلة، وتنتقل السياسة من المؤسسات إلى الفضاء الشبكي الذي يعبّر عن مشاعر الغضب الجماعي، ويولّد في الوقت ذاته أفقاً من الأمل.
1. جذور الغضب: كيف تحوّل الشعور الفردي إلى طاقة جماعية؟
يبدأ كاستلز تحليله من فرضية بسيطة:
كل حركة اجتماعية تنطلق من رواسب غضب مكبوت داخل الأفراد—غضب من الظلم، التهميش، الفساد، البطالة، أو انعدام الكرامة. لكن هذا الغضب، في زمن ما قبل الشبكات، كان صامتاً أو محدوداً بأطر التنظيم التقليدية.
مع ظهور الإنترنت، حدث انقلاب جوهري:
-
أصبح التعبير الفردي مرئياً ومسموعاً على نطاق واسع.
-
تحوّلت التجارب الشخصية إلى ذاكرة رقمية تشاركية.
-
لم يعد المواطن في حاجة إلى وسيط حزبي أو نقابي ليفاوض باسمه.
كاستلز يؤكد أن الغضب وحده لا يخلق حركة اجتماعية، لكنه يصبح شرارة الفعل عندما يلتقي بفضاءٍ مفتوح يسمح بالتلاقي العفوي وصناعة السرديات المشتركة.
2. شبكات الأمل: بناء الخيال السياسي الجديد
إلى جانب الغضب، يشدّد كاستلز على عنصر آخر يتجاهله الكثير من الباحثين: الأمل.
الأمل، في المفهوم الكاستليزي، ليس مجرد انفعال إيجابي، بل هو:
-
قدرة على خلق بديل تخيُّلي للنظام القائم.
-
إعادة توزيع الثقة بين أفرادٍ مجهولين تجمعهم القضية نفسها.
-
بناء مساحة مشتركة تفصل الاحتجاج عن اليأس.
يُظهر كاستلز، من خلال أمثلة الربيع العربي، حركات الغاضبين في إسبانيا، وحركة احتلوا وول ستريت، أن الشبكات الرقمية استطاعت إنتاج خطاب جديد يحرّر الأفراد من شعور العجز ويمنحهم إحساساً بقوتهم الجماعية.
3. تكنولوجيا الاحتجاج: من الشارع الافتراضي إلى الميدان الواقعي
يشرح كاستلز كيف أن الإنترنت لم يلغِ الشارع، بل أعاد تشكيله.
فالحركات الاحتجاجية الحديثة لا تبدأ في المساجد أو الجامعات أو المقرات النقابية كما كان يحدث في القرن الماضي؛ بل تنطلق من:
-
هاشتاغات
-
صفحات فيسبوك
-
بث مباشر
-
منشورات من الهواتف الذكية
هذه الفضاءات الرقمية تُنتج ما يسميه كاستلز "الفضاء الهجين"، حيث يتشابك الواقعي بالافتراضي.
فالاحتجاج يبدأ غالباً في الشبكة، ثم ينتقل إلى الساحات، ثم يعود إلى الشبكة من جديد، في دورة تواصلية تكسر احتكار الإعلام التقليدي للمعلومة.
4. انهيار الوساطة التقليدية وصعود التنظيم الشبكي
من أهم مساهمات هذا الكتاب تفكيك طريقة تنظيم الحركات الحديثة.
فبدلاً من الهرمية الصارمة التي تميز الأحزاب والنقابات، يلاحظ كاستلز صعود نموذج:
-
لا مركزي
-
أفقي
-
مفتوح المصدر
-
مرن
-
سريع الانتشار
هذا النموذج الشبكي يمنح الحركات مزايا كبرى:
سهولة التنسيق، صعوبة الاستهداف، سرعة الانتشار، وخلق هوية مشتركة بدون قيادة مركزية.
لكن الكاتب لا يُخفي الجانب الآخر: الهشاشة التنظيمية، إذ يمكن للحركات الشبكية أن تتلاشى عند أول اختبار مؤسساتي لأنها تفتقر إلى البنية السياسية المستدامة.
5. إنتاج المعنى: السرديات الجديدة في عصر الشبكات
يخصّص كاستلز جزءاً مهماً لتحليل كيفية صناعة المعنى داخل الحركات الاحتجاجية.
فالعملية ليست فقط شعارات، بل إعادة تعريف الواقع عبر:
-
سرديات الظلم
-
صور الضحايا
-
قصص التفاؤل
-
خطاب التغيير
هنا تصبح الشبكات فضاءً روائياً ضخماً تشارك فيه الملايين، وتتقاطع فيه القصص الفردية لتشكّل ذاكرة جماعية رقمية.
6. الدولة والسلطة في زمن الشبكات
لا يكتفي كاستلز بوصف الحركات، بل يحلّل ردّ فعل السلطة.
وفقاً له:
-
تحاول الحكومات السيطرة على الفضاء الشبكي عبر الرقابة، التضييق، الاختراق، أو توجيه الخطاب.
-
تلجأ أحياناً للتشويش أو التضليل من خلال جيوش إلكترونية.
-
لكنها غالباً ما تجد نفسها في مواجهة فضاء مفتوح يصعب ضبطه.
يشير كاستلز إلى أن التوازن بين السلطة والمجتمع أصبح رهيناً بالبنية التكنولوجية الأساسية: من يتحكم بالاتصال، يتحكم بالواقع السياسي.
7. أهمية الكتاب اليوم في العالم العربي وإفريقيا
يكتسب هذا العمل أهميته في السياق العربي والإفريقي لعدة أسباب:
-
صعود الاحتجاجات الرقمية في بيئات تعاني من ضعف الأحزاب والمجتمع المدني.
-
تزايد اعتماد الشباب على الفضاء الشبكي كوسيلة للتعبير والضغط.
-
تنامي دور الذكاء الاصطناعي وتحوّله إلى فاعل جديد في تشكيل الرأي العام.
-
تعقّد العلاقة بين الدولة والفضاء الرقمي بين التنظيم، التجريم، والتحكم المعلوماتي.
هنا يمكن القول إن أطروحات كاستلز تساعد على فهم خريطة الاحتجاجات المعاصرة من المغرب إلى السودان، ومن الجزائر إلى جنوب إفريقيا.
8. تقييم نقدي: قوة الكتاب وحدوده
نقاط القوة
-
قدرة تفسيرية عالية تربط بين علم الاجتماع والاتصال والسياسة.
-
تحليل معمّق لأمثلة واقعية.
-
لغة علمية واضحة ومنظمة.
-
مفهوم مركزي جديد (الغضب/الأمل) لفهم دينامية الاحتجاج.
الحدود
-
التركيز الكبير على الجانب التكنولوجي قد يُهمل العوامل الاقتصادية والثقافية المحلية.
-
المبالغة أحياناً في دور الشبكات مقارنة بالسياقات السياسية على الأرض.
-
الحركات الشبكية لا تتحول دائماً إلى تغيير مؤسساتي، وهو ما لم يتناوله الكتاب بعمق كافٍ.
خلاصة: لماذا يبقى كاستلز مرجعاً أساسياً؟
يقدّم "شبكات الغضب والأمل" إحدى أهم المقاربات لفهم العالم الذي نعيش فيه اليوم، حيث لم تعد السياسة تُصنع داخل البرلمانات فقط، بل في تدفق البيانات، والمنصات الرقمية، والتفاعلات اللحظية بين الأفراد.
إنه كتابٌ يرصد تحولات الإنسان في زمن الشبكات، ويكشف كيف أصبح الغضب رقماً، والأمل إشارة، والاحتجاج بنية اتصالية جديدة تُعيد تشكيل علاقة المواطن بالسلطة.
وبذلك، يحتلّ عمل كاستلز مكانة مركزية في علم الاجتماع المعاصر، بوصفه خريطة لفهم كيف تُدار المجتمعات في عصر الاتصالات الرقمية، وكيف تولد شرارات التغيير خارج الأطر التقليدية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق