الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يناير 30، 2026

من إسكات الأصوات إلى ولادة فضاءات رقمية جديدة: إعداد عبده حقي

 


لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: هل نملك حرية التعبير؟

بل: من يمنحها؟ ومن يسحبها؟ وبأي منطق تُدار؟

في الفضاء الرقمي المعاصر، لم تعد المنصات مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى سلطات ناعمة، تقرر ما يُرى وما يُدفن في العتمة، وما يُسمح بتداوله وما يُصنَّف فجأة بوصفه «مخالفًا للمعايير». المستخدم لم يعد مواطنًا رقميًا، بل كائنًا مراقَبًا، يخضع لتجارب مستمرة داخل مختبر ضخم اسمه الخوارزمية.

المفارقة أن هذا القمع لا يأتي بصيغة أوامر مباشرة، ولا عبر رقابة بوليسية تقليدية، بل من خلال صمت تقني بارد: فيديو لا ينتشر، منشور لا يصل، حساب يُقيَّد بلا تفسير، ومحتوى يُختفي كأنه لم يكن. هكذا تُفرغ حرية التعبير من مضمونها، وتتحول إلى شعار تسويقي جميل بلا أثر فعلي.

ما نعيشه اليوم أقرب إلى نسخة محدثة من عالم جورج أورويل، لا بعيون تراقب من خلف الجدران، بل بأنظمة ذكية تقرأ سلوكنا، وتعيد توجيه وعينا، وتشكّل إدراكنا الجمعي من دون ضجيج. شاشة صغيرة، بحجم راحة اليد، باتت البوابة الوحيدة لرؤية العالم، لكنها بوابة ذات حارس واحد، ومعايير انتقائية صارمة.

في هذا السياق، تصبح فلسطين اختبارًا أخلاقيًا للتكنولوجيا.
قضية كاملة تُمحى أو تُشوَّه أو تُختزل، حرب تُعاد تسميتها، إبادة تُفرغ من معناها، وحق تاريخي يُحوَّل إلى «محتوى حساس». من منصة إلى أخرى، تتغير الأسماء، لكن النتيجة واحدة: تضييق ممنهج على السردية الفلسطينية.

التحول الكبير الذي عرفته منصة تيك توك داخل الولايات المتحدة أعاد فتح هذا الجرح على مصراعيه. الاستحواذ الذي رُوِّج له بوصفه إجراءً لحماية الأمن القومي الأميركي، وإنشاء كيان محلي مستقل لإدارة التطبيق، لم يطمئن المستخدمين، بل عمّق الريبة. فالتجربة علّمتهم أن تغيّر المالك لا يعني بالضرورة تحرر المنصة، بل أحيانًا العكس تمامًا.

الأسماء التي تقف خلف الإدارة الجديدة زادت من هذه المخاوف. وجود شخصيات معروفة بقربها من الحكومة الإسرائيلية، أو بدفاعها الصريح عن الصهيونية، جعل سؤال الحياد التقني بلا معنى. كيف يمكن لمنصة أن تدّعي حماية حرية التعبير، بينما تُصنَّف كلمة «صهيوني» بوصفها فخرًا مشروعًا في سياق، وخطاب كراهية في سياق آخر فقط لأنها تُستخدم للنقد؟

هذا الانحياز لا يظهر فقط في السياسات المعلنة، بل يتسلل عبر الخوارزميات نفسها. المستخدمون في الولايات المتحدة اشتكوا من أعطال متكررة، تأخير في النشر، اختفاء المشاهدات، وتعطيل غير مفسَّر للحسابات. أكثر من ستمائة ألف بلاغ تقني خلال أيام قليلة ليست خللًا عابرًا، بل مؤشرًا على أزمة ثقة عميقة.

ومن قلب هذه الأزمة، عاد السؤال الجوهري إلى الواجهة:
هل نحن محكومون بالبقاء داخل هذه المنظومة؟
أم أن الخروج ممكن؟

الإجابة بدأت تتشكل خارج المراكز التقليدية للقوة الرقمية. منصة جديدة أخذت تستقطب آلاف المستخدمين في فترة زمنية قصيرة: “آب سكرولد”. ليست مجرد تطبيق إضافي، بل محاولة واعية لإعادة تعريف معنى التواصل الاجتماعي.

وراء هذه المبادرة يقف عصام حجازي، تقني فلسطيني أسترالي، اختار أن يخوض معركة التكنولوجيا من زاوية أخلاقية لا تجارية فقط. المنصة، التي أُطلقت بدعم من مبادرات تكنولوجية متضامنة مع فلسطين، جاءت كرفض عملي لهيمنة الشركات العملاقة، لا كشعار سياسي عابر.

“آب سكرولد” توفر خصائص شبيهة بالمنصات المعروفة: فيديوهات قصيرة، منشورات نصية، أدوات تحرير، لكنها تقوم على فلسفة مختلفة. فلسفة تعتبر أن المنصة ليست مالكًا للحقيقة، ولا وصيًا على وعي المستخدمين، بل مساحة مفتوحة لهم.

اللافت أن المحتوى الفلسطيني لم يكن مجرد استثناء مسموح به، بل جزءًا طبيعيًا من المشهد العام. من البحر إلى النهر، بلغات متعددة، دون خوف من الحذف أو التقييد. لهذا وصفها كثيرون بأنها أول منصة يشعرون فيها بأن الصوت لا يُراقَب بنية الإخماد.

حجازي صرّح بوضوح أن هدفه ليس منافسة تيك توك أو إكس تقنيًا فقط، بل إعادة السلطة الرقمية إلى الناس. هذه ليست منصة مضادة بقدر ما هي تصور مختلف لما يجب أن تكون عليه الشبكات الاجتماعية: فضاء للنقاش، لا أداة لإدارة الرأي العام.

رد الفعل العالمي لم يتأخر. فوربس وصفت التطبيق بالمنافس الصاعد، مشيرة إلى الضغط الكبير على خوادمه بسبب موجات التسجيل المتتالية. التطبيق دخل بسرعة قائمة أكثر التطبيقات المجانية تحميلًا، متجاوزًا منصات أقدم وأكثر تمويلًا.

على مواقع التواصل، تحوّل “آب سكرولد” إلى رمز احتجاج رقمي. نشطاء دعوا إلى الهجرة الجماعية من المنصات التي تخضع للرقابة الانتقائية، معتبرين أن امتلاك الفلسطيني لمنصة عالمية ليس تفصيلًا عابرًا، بل حدثًا سياسيًا-ثقافيًا بامتياز.

في النهاية، قد لا تكون هذه المنصة الحل السحري لكل أزمات الفضاء الرقمي، لكنها تكشف حقيقة أساسية:
البديل ممكن.
وحرية التعبير لا تموت، بل تغيّر مسارها وتبحث دائمًا عن منفذ جديد.

0 التعليقات: