الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يناير 30، 2026

حقوق الإنسان في 2026: صراعات السلطة وحدود الحماية الدولية: إعداد عبده حقي

 

مع نهاية يناير/كانون الثاني 2026، يبدو ملفّ حقوق الإنسان عبر مناطق مختلفة كأنه “ميزانٌ غير مستقر”: بعض الخطوات المؤسسية تتحرك إلى الأمام، بينما يتسع في المقابل هامشُ الأمننة، وتُستَخدم القوانين والإجراءات الإدارية والقضائية لتضييق المجال العام، خصوصاً كلما تداخلت السياسة بالهجرة وبالحرب وبالصراعات الداخلية.

في الجزائر، ما زالت منظمات حقوقية دولية تصف المشهد بإغلاقٍ متواصل للفضاء المدني وتضييقٍ على حرية التعبير والتجمع وتَوظيفِ تهمٍ فضفاضة (ومنها تهم مرتبطة بالإرهاب) ضد معارضين ونشطاء وصحافيين. وبينما يختلف تقدير حجم الظاهرة من مصدر لآخر، فإن الصورة العامة التي ترسمها التقارير الحقوقية المتراكمة خلال العامين الأخيرين تشير إلى أن أدوات الدولة تتجه نحو “إدارة” المعارضة بدل التفاوض معها: متابعة قضائية، مراقبة رقمية، وتشديد قواعد الحركة والتنقل في بعض الملفات ذات الحساسية السياسية.
أما في تونس، فتتقدّم إلى الواجهة قضيةُ العلاقة بين الدولة والمنظمات العاملة مع اللاجئين والمهاجرين، لا باعتبارها مسألة خدمات إنسانية فقط، بل كاختبار لمكانة المجتمع المدني في المجال العام. فخلال يناير/كانون الثاني 2026، برزت أخبار عن إطلاق سراح عاملين إنسانيين كانوا ملاحقين/محكومين على خلفية “مساعدة مهاجرين”، مع أحكامٍ موقوفة التنفيذ بحسب تقارير إعلامية وبيانات قانونية. وفي السياق نفسه، أثارت منظمة العفو الدولية جدلاً واسعاً حول قضية “الإرجاع القسري” بعد نقل/إعادة شخصية سياسية تونسية كانت مسجلة كطالبة لجوء، معتبرةً ذلك خرقاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية. وإلى جانب ملف الهجرة، تواصلت إشارات مؤسسات معنية بحرية الصحافة إلى أحكامٍ أو مدد سجن تمس صحافيين، بما يعكس استمرار الاحتكاك بين السلطة والإعلام المستقل أو النقدي.
وبالمقارنة، يظل المغرب في هذه اللوحة أقلَّ حضوراً في “عناوين الانفجار” داخل هذه الحزمة من الأخبار الأخيرة، لكنه يبقى ضمن نقاشٍ حقوقي متكرر حول حدود حرية التعبير في الفضاء الرقمي والتوازن بين التنظيم والحقوق، وهو نقاش قد يشتدّ كلما توسّعت التشريعات أو المقترحات ذات الصلة بالإعلام والمنصات. (هذه نقطة اتجاه عام أكثر من كونها “خبرَ يومٍ بعينه”.)

وفي الشرق الأوسط، تتشابك حقوق الإنسان مع الحرب والاحتجاجات والعقوبات. أحد التطورات الأكثر دلالة هذا الأسبوع كان قرار الاتحاد الأوروبي تصنيف الحرس الثوري الإيراني (IRGC) كمنظمة إرهابية على خلفيات تشمل القمع الداخلي وانتهاكات حقوقية، وما يستتبعه ذلك من تجميد أصول وتوسيع لوائح العقوبات. هذا النوع من القرارات لا يظل في نطاق السياسة الخارجية فقط؛ بل ينعكس أيضاً على مسارات اللجوء والملاحقات القضائية وملفات الجاليات، ويصير جزءاً من “أرشيف” حقوق الإنسان المترجم إلى أدوات قانونية. وفي الميدان، تتابع جهات رصد النزاعات حديثاً عن تراجع نسبي في شدة القتال في غزة مقابل تحولات السيطرة على الأرض، بالتوازي مع موجات احتجاج في إيران وتوترات في جنوب اليمن وغيرها—ما يعني أن “الحقوق” في المنطقة تُقاس غالباً بميزانين: ميزان الحياة اليومية تحت الحكم/السلاح، وميزان القانون الدولي في العواصم الكبرى.

أما إفريقيا، فالعنوان الأكثر إلحاحاً يبقى: الأمن والانقلابات والصراع المسلح، وكيف تبتلع هذه الثلاثية مساحة الحقوق. ففي الساحل، جاءت خطوة حكومة بوركينا فاسو العسكرية بحلّ الأحزاب السياسية وإعادة ترتيب المشهد القانوني للعمل الحزبي لتؤكد اتجاهاً نحو تركيز السلطة وإعادة تعريف “الشرعية” خارج قواعد التعددية التقليدية. وفي النيجر، حملت أخبار هجوم على منشآت قرب مطار نيامي/قاعدة جوية—تبناه تنظيم مرتبط بـ“داعش”—تذكيراً بأن المدنيين والمؤسسات الحيوية (ومنها النقل الجوي) باتت ضمن بنك أهداف النزاعات، وأن مناخ الطوارئ الممتد يخلق بدوره ضغوطاً على الضمانات الحقوقية بحجة مكافحة الإرهاب. وعلى المستوى القاري الأوسع، تواصل تقارير إنسانية وتحليلية التحذير من أن عدداً كبيراً من النزاعات الأكثر دموية يتركّز في إفريقيا (مثل السودان وأجزاء من الساحل والكونغو الديمقراطية)، بما يعني اتساع مخاطر الانتهاكات: تهجير قسري، عنف جنسي، تجنيد قُصّر، وانكماش وصول المساعدات.
وإذا أردنا تلخيص “الجديد” هنا بلغة واحدة، فهو أن الحقوق في إفريقيا لا تُختزل في نصوص الدساتير، بل في قدرة الدولة على حماية المدنيين من جهة، وقدرة المجتمع على مساءلة السلطة من جهة ثانية—وكلما ضعفت واحدة منهما، ارتفعت فاتورة الانتهاكات.

وفي الاتحاد الأوروبي، يبدو المشهد مختلفاً في الشكل لكنه شديد الحساسية في المضمون: “حقوق الإنسان عبر بوابة الهجرة والبيانات”. فالمفوضية الأوروبية تتحدث عن تفعيل إجراءات فحصٍ على الحدود (هوية/أمن/صحة/قابلية هشاشة) وربطها بمسارات اللجوء أو الإرجاع، ضمن إطار استراتيجية إدارة الهجرة. ويبرز في قلب ذلك ملف Eurodac (قاعدة البيانات البيومترية) التي تشير ملخصات قانونية أوروبية إلى أن قواعدها الجديدة ستبدأ بالتطبيق اعتباراً من 12 يونيو/حزيران 2026، بما يحوّل “البيانات” إلى عمود فقري للإدارة الحدودية.
هنا تظهر معضلة حقوقية كلاسيكية: كيف تُوازَن ضرورات إدارة الحدود مع حماية الخصوصية ومنع الوصم وضمان حق الطعن والشفافية؟ نقاشٌ قانوني أوروبي سبق أن نبّه إلى “تحوّل” Eurodac من أداة لجوء إلى قاعدة أوسع لإدارة الهجرة، وما يرافق ذلك من أسئلة حقوقية حول الغرض والتناسب والاحتفاظ بالبيانات والفئات المشمولة. وفي الخلفية، تبقى ملفات سيادة القانون داخل بعض الدول الأعضاء (وحماية الأقليات وحقوق النوع وغير ذلك) جزءاً من شدٍّ وجذبٍ مؤسسي دائم، وإن لم يكن هو “الخبر الأكبر” في هذا الأسبوع مقارنة بملف الهجرة/إيران.

الخلاصة أن “الجديد” في حقوق الإنسان مطلع 2026 لا يأتي غالباً كإعلانات مثالية كبيرة، بل كقرارات قضائية هنا، وتصنيفات وعقوبات هناك، وإجراءات حدودية تُصاغ بعبارات تقنية، وانزياحات سلطوية في دول تعيش ضغط الإرهاب أو الانقلاب أو الحرب. وفي كل منطقة، يتكرر السؤال نفسه بصياغة مختلفة: هل تُدار الدولة بميزان الحقوق أم بميزان الخوف؟ وهل تتحول القوانين إلى ضمانات أم إلى أسوار؟


0 التعليقات: