في قلب التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يطفو ملف الصحراء المغربية من جديد على سطح النقاش الدولي، لكن هذه المرة في سياق مختلف، تقوده دينامية دبلوماسية أمريكية حذرة، وتؤطره معادلة معقدة تجمع بين الواقعية السياسية واحترام التوازنات الإقليمية. غير أن القراءة المتأنية لما يجري خلف الكواليس تكشف، بعيداً عن الضجيج الإعلامي، عن تفوق واضح للمقاربة المغربية، ليس بالصخب، بل بثبات الرؤية ونجاعة الاستراتيجية.
لقد شهدت الأسابيع الأخيرة سلسلة من اللقاءات غير المعلنة، انطلقت من مدريد وامتدت إلى واشنطن، بمشاركة الأطراف الأربعة المعنية: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو. هذه الاجتماعات، التي أحاطتها واشنطن بما يشبه “صمتاً دبلوماسياً مدروساً”، لم تكن مجرد مشاورات عابرة، بل شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة كل طرف على التكيف مع منطق التوازنات الجديدة.
في هذا السياق، سعت بعض القراءات إلى تصوير المشهد وكأنه هزيمة جزائرية أو انتصار مغربي كاسح. غير أن الحقيقة أكثر تعقيداً: الجزائر لم تُقصَ من الطاولة، بل تم استدعاؤها باعتبارها فاعلاً مركزياً لا يمكن تجاوز دوره. غير أن هذا الحضور، في حد ذاته، يكشف مفارقة عميقة: فبينما تحاول الجزائر الظهور كوسيط أو مراقب، تُعامل فعلياً كطرف رئيسي في نزاع لم تعد قادرة على التحكم في مساراته.
أما المغرب، فقد دخل هذه المرحلة التفاوضية من موقع قوة هادئة. لم يعد في حاجة إلى إثبات شرعية موقفه، بعد أن راكم اعترافات دولية متزايدة بسيادته على أقاليمه الجنوبية، وعلى رأسها الاعتراف الأمريكي الذي أعاد رسم قواعد اللعبة. لقد تحول مقترح الحكم الذاتي، الذي كان يُنظر إليه في السابق كخيار تفاوضي، إلى مرجعية واقعية تتقاطع عندها أغلب المبادرات الدولية.
ومن اللافت أن واشنطن، رغم اعترافها بسيادة المغرب، اختارت إدارة الملف بأسلوب براغماتي، يقوم على الإنصات لجميع الأطراف دون التخلي عن الخطوط الكبرى التي ترسمها مصالحها الاستراتيجية. وهنا تتجلى براعة الدبلوماسية المغربية، التي استطاعت تحويل هذا التوازن إلى رافعة لصالحها، من خلال تقديم تصور مفصل ومرن للحكم الذاتي، يستجيب لمتطلبات الاستقرار الإقليمي دون المساس بالسيادة الوطنية.
في المقابل، تبدو الجزائر وكأنها عالقة بين خطاب تقليدي يستند إلى شعارات تقرير المصير، وبين واقع دولي يتجه نحو الحلول العملية. فهي، رغم حضورها في المفاوضات، تجد نفسها مضطرة إلى التفاعل مع مبادرات لا تنسجم بالضرورة مع سرديتها التاريخية. والأسوأ من ذلك، أن هذا التناقض يضعها في موقع دفاعي، حيث تتحول من فاعل مبادر إلى طرف يسعى فقط إلى تفادي الخسارة.
ولا يمكن إغفال أن الولايات المتحدة، بقيادة إدارة تسعى إلى تحقيق اختراق دبلوماسي في المنطقة، تدرك جيداً أن أي حل دائم يمر عبر تثبيت الاستقرار، وليس عبر إعادة إنتاج نزاعات عقيمة. ومن هذا المنطلق، يبدو أن الخيار المغربي، القائم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، يقدم نفسه كحل واقعي قابل للتطبيق، مقارنة بخيارات أخرى فقدت بريقها مع مرور الزمن.
لقد حرص المبعوثون الأمريكيون، وعلى رأسهم المسؤول المكلف بالملف الإفريقي، على طمأنة الجزائر، من خلال زيارات متكررة وعروض تعاون اقتصادي، خاصة في مجال الطاقة. غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، لا تخفي حقيقة أن مركز الثقل في الملف يميل تدريجياً نحو الرباط، التي نجحت في ربط ملف الصحراء بمشاريع تنموية واستثمارات كبرى، جعلت من الأقاليم الجنوبية نموذجاً للاستقرار والانفتاح.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن المغرب لا يراهن فقط على شرعية تاريخية أو دعم دبلوماسي، بل يبني تفوقه على أرض الواقع، من خلال مشاريع البنية التحتية، والاستثمارات، والانخراط في ديناميات إفريقية ودولية تعزز موقعه كقوة إقليمية صاعدة.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد مفاوضات حول نزاع ترابي، بل هو إعادة تشكيل لخريطة النفوذ في المغرب الكبير. وفي هذا التحول، يبدو أن المغرب استطاع أن ينتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، مستفيداً من رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ومن دبلوماسية هادئة تعرف متى تتقدم ومتى تصمت.
في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام مفترق طرق: إما الانخراط في منطق الحلول الواقعية، أو الاستمرار في الدوران داخل حلقة مفرغة من الخطابات التي لم تعد تقنع أحداً.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد: هل ستخسر الجزائر؟ بل: هل ستتمكن من إعادة تموقعها داخل معادلة جديدة تُكتب ملامحها بهدوء، لكن بثبات؟ أما المغرب، فقد حسم جزءاً كبيراً من المعركة، ليس بالشعارات، بل بذكاء سياسي جعل من الزمن حليفاً، ومن الواقع حجة لا تُدحض.
وفي نهاية المطاف، قد تكون هذه المفاوضات فرصة تاريخية لإنهاء أحد أطول النزاعات في المنطقة، لكن بشرط واحد: الاعتراف بأن المستقبل لا يُبنى على الأوهام، بل على ما هو ممكن… والممكن اليوم، بكل وضوح، يحمل بصمة مغربية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق