لَيْلَى أَبُوزَيْد (وُلِدَتْ عَامَ 1950
فِي الْقَصِيبَةِ بِجِبَالِ الْأَطْلَسِ الْمُتَوَسِّطِ بِالْمَغْرِبِ) أَدِيبَةٌ وَرِوَائِيَّةٌ
وَصَحَفِيَّةٌ مَغْرِبِيَّةٌ تَكْتُبُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتُعْتَبَرُ أَوَّلَ
كَاتِبَةٍ مَغْرِبِيَّةٍ تُنْشَرُ أَعْمَالُهَا الْأَدَبِيَّةُ مُتَرْجَمَةً إِلَى
اللُّغَةِ الْإِنْجْلِيزِيَّةِ.
دَرَسَتِ اللُّغَةَ الْإِنْجْلِيزِيَّةَ وَآدَابَهَا
فِي جَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الْخَامِسِ بِالرَّبَاطِ، ثُمَّ أَكْمَلَتْ دِرَاسَتَهَا فِي
جَامِعَةِ تِكْسَاسَ فِي أَوْسْتِنَ بِالْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ. بَدَأَتْ مَسِيرَتَهَا
الْمِهْنِيَّةَ كَصَحَفِيَّةٍ فِي التِّلْفَازِ وَالْإِذَاعَةِ، وَعَمِلَتْ فِي بَعْضِ
الدَّوَاوِينِ الْوَزَارِيَّةِ (مِنْهَا دِيوَانُ الْوَزِيرِ الْأَوَّلِ)، وَقَدَّمَتْ
بَرْنَامَجًا إِذَاعِيًّا بِالْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ تَرْجَمَتْ سِينَارْيُوهَاتِ الْأَفْلَامِ
وَقَرَأَتْ نُصُوصًا دِرَامِيَّةً (مِنْهَا سِيرَةَ مَالْكُومْ إِكْس). رَفَضَتْ اسْتِعْمَالَ
اللُّغَةِ الْفَرَنْسِيَّةِ – لُغَةِ الْمُسْتَعْمِرِ – وَفَضَّلَتِ الْعَرَبِيَّةَ
رَغْمَ إِجَادَتِهَا الْإِنْجْلِيزِيَّةَ وَالْفَرَنْسِيَّةَ، وَذَلِكَ لِأَسْبَابٍ
تَارِيخِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِتَجْرِبَةِ وَالِدِهَا الَّذِي اعْتَقَلَهُ وَعَذَّبَهُ
الْفَرَنْسِيُّونَ.
مِنْ أَبْرَزِ أَعْمَالِهَا: رِوَايَةُ «عَامُ
الْفِيلِ» (نُشِرَتْ أَوَّلًا فِي حَلَقَاتٍ بِصَحِيفَةِ «الْمِيثَاقِ» سَنَةَ
1983 ثُمَّ فِي كِتَابٍ سَنَةَ 1984، وَتُرْجِمَتْ إِلَى الْإِنْجْلِيزِيَّةِ سَنَةَ
1989)، وَ«رُجُوعٌ إِلَى الطُّفُولَةِ» (سِيرَةٌ ذَاتِيَّةٌ)، وَ«الْفَصْلُ الْأَخِيرُ»
(2003). تَتَنَاوَلُ كُتُبُهَا قَضَايَا الْهُوِيَّةِ وَتَعْلِيمِ الْمَرْأَةِ وَالْتَّمْيِيزِ
الْجِنْسِيِّ وَالْمُجْتَمَعِ الْمَغْرِبِيِّ بَعْدَ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَدْ تُرْجِمَتْ
أَعْمَالُهَا إِلَى اللُّغَاتِ الْإِنْجْلِيزِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ
وَالْهُولَنْدِيَّةِ وَغَيْرِهَا. تُقِيمُ فِي الرَّبَاطِ وَتُدَرَّسُ أَعْمَالُهَا
فِي جَامِعَاتٍ وَمَدَارِسَ ثَانَوِيَّةٍ أَمْرِيكِيَّةٍ.
فِي مَتْنِ السَّرْدِ المَغْرِبِيِّ
المُعَاصِرِ، تَبْرُزُ رِوَايَةُ «عَامُ الفِيلِ» لِلأَدِيبَةِ المَغْرِبِيَّةِ
لَيْلَى أَبُوزَيْد كَصَوْتٍ فَرِيدٍ، لَا يَكْتُبُ التَّارِيخَ بِمِدَادِ
السُّلْطَةِ، بَلْ بِحِبْرِ الجُرْحِ النِّسَائِيِّ الَّذِي تَرَكَهُ الاسْتِقْلَالُ
فِي أَعْمَاقِ المُجْتَمَعِ. هِيَ رِوَايَةٌ لَا تُقَدِّمُ الحُرِّيَّةَ
كَانْتِصَارٍ مُطْلَقٍ، بَلْ كَسُؤَالٍ مُرِيرٍ يَتَشَكَّلُ فِي ظِلِّ خَيْبَةِ
الأَفْرَادِ، خَاصَّةً النِّسَاءِ.
تَدُورُ
أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ «زَهْرَة»، وَهِيَ امْرَأَةٌ
مَغْرِبِيَّةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ، شِبْهُ أُمِّيَّةٍ، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ
غَائِبَةً عَنْ مَسَارِ التَّارِيخِ، بَلْ كَانَتْ شَرِيكَةً فِي صُنْعِهِ. فَقَدْ
شَارَكَتْ إِلَى جَانِبِ زَوْجِهَا فِي الكِفَاحِ ضِدَّ الاسْتِعْمَارِ
الفَرَنْسِيِّ، مُضَحِّيَةً بِمَالِهَا وَحَيَاتِهَا وَأَحْلَامِهَا فِي سَبِيلِ
حُرِّيَّةِ الوَطَنِ . غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الحُرِّيَّةَ الَّتِي
نَاضَلَتْ مِنْ أَجْلِهَا، سَتَتَحَوَّلُ فِي لَحْظَةٍ مَا بَعْدَ الاسْتِقْلَالِ
إِلَى قَيْدٍ جَدِيدٍ، يَضْرِبُهَا فِي عُمْقِ كَرَامَتِهَا.
يَبْدَأُ
النَّصُّ بِلَحْظَةِ الطَّلَاقِ، لَيْسَ كَحَدَثٍ عَابِرٍ، بَلْ كَانْفِجَارٍ
وُجُودِيٍّ. فَزَوْجُهَا، الَّذِي تَحَوَّلَ مِنْ مُقَاوِمٍ إِلَى رَجُلِ
سُلْطَةٍ، يَتَنَكَّرُ لِمَاضِيهِ، وَيَتَخَلَّى عَنْ زَوْجَتِهِ الَّتِي لَا
تَنْسَجِمُ مَعَ صُورَتِهِ الجَدِيدَةِ فِي عَالَمِ البُرْجُوَازِيَّةِ
الصَّاعِدَةِ . وَهُنَا تَتَكَشَّفُ المَفَارَقَةُ
الكُبْرَى: أَيُّ اسْتِقْلَالٍ هَذَا الَّذِي يُحَرِّرُ الوَطَنَ وَيُسْتَعْمِرُ
الإِنْسَانَ مِنْ جَدِيدٍ؟
بِأُسْلُوبٍ
يَقْتَرِبُ مِنَ الاِعْتِرَافِ، تَسْتَعِيدُ «زَهْرَة» مَاضِيَهَا: طُفُولَتَهَا،
زَوَاجَهَا، وَتَجْرِبَتَهَا فِي المُقَاوَمَةِ. لَكِنَّ هَذِهِ الاسْتِعَادَةَ
لَيْسَتْ حَنِينًا بَرِيئًا، بَلْ مُحَاوَلَةً لِفَهْمِ الانْكِسَارِ.
فَالرِّوَايَةُ تُفَكِّكُ بِعُمُقٍ مَا بَعْدَ الكُولُونِيَالِيَّةِ، لَا فِي
خِطَابِهَا السِّيَاسِيِّ فَقَطْ، بَلْ فِي تَجَلِّيَاتِهَا الاجْتِمَاعِيَّةِ
وَالثَّقَافِيَّةِ.
إِنَّ
لَيْلَى أَبُوزَيْد لَا تَكْتُبُ عَنْ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ عَنْ جِيلٍ
كَامِلٍ مِنَ النِّسَاءِ الَّلَاتِي وُضِعْنَ فِي هَامِشِ التَّارِيخِ.
فَـ«زَهْرَة» لَيْسَتْ سِوَى نَمُوذَجٍ لِآلَافِ النِّسَاءِ الَّلَاتِي شَارَكْنَ
فِي النِّضَالِ، ثُمَّ وُجِدْنَ أَنْفُسَهُنَّ مُقْصِيَاتٍ بَعْدَ تَحَقُّقِ
الاسْتِقْلَالِ . وَكَأَنَّ التَّارِيخَ، الَّذِي كُتِبَ
بِقَلَمِ الرِّجَالِ، قَدْ أَسْقَطَ أَسْمَاءَهُنَّ عَمْدًا.
فِي
هَذَا السِّيَاقِ، تَتَحَوَّلُ اللُّغَةُ إِلَى فِعْلِ مُقَاوَمَةٍ. فَالسَّرْدُ
عِنْدَ أَبُوزَيْد يَعْتَمِدُ عَلَى ضَمِيرِ «الأَنَا»، وَهُوَ مَا يُعَزِّزُ
حُضُورَ الذَّاتِ الأُنْثَوِيَّةِ كَفَاعِلٍ فِي الحِكَايَةِ، لَا كَضَحِيَّةٍ
صَامِتَةٍ . وَهُنَا يَكْمُنُ البُعْدُ الثَّوْرِيُّ فِي
الرِّوَايَةِ: إِنَّهَا لَا تَكْتُبُ المَأْسَاةَ فَقَطْ، بَلْ تُعِيدُ صِيَاغَةَ
صَوْتِهَا.
لُغَةُ
الرِّوَايَةِ بَسِيطَةٌ فِي ظَاهِرِهَا، لَكِنَّهَا عَمِيقَةٌ فِي دَلَالَاتِهَا.
إِنَّهَا لُغَةٌ تُشْبِهُ الحَيَاةَ اليَوْمِيَّةَ، تَخْلُو مِنَ التَّكَلُّفِ،
لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا شِحْنَةً نَقْدِيَّةً قَوِيَّةً. وَفِي هَذَا
الاِخْتِيَارِ الأُسْلُوبِيِّ، تَكْمُنُ قُوَّةُ النَّصِّ، إِذْ يَبْدُو كَأَنَّهُ
يُخَاطِبُ القَارِئَ مُبَاشَرَةً، دُونَ وَسَاطَةٍ.
وَمَا
يَجْعَلُ «عَامُ الفِيلِ» رِوَايَةً مُؤَسِّسَةً، هُوَ أَنَّهَا كَتَبَتْ
مُبَكِّرًا مَا سَيُصْبِحُ فِيمَا بَعْدُ خِطَابًا مَرْكَزِيًّا فِي الأَدَبِ
النِّسَائِيِّ وَمَا بَعْدَ الكُولُونِيَالِيِّ. فَقَدْ طَرَحَتْ مُشْكِلَةَ
الطَّلَاقِ وَمَصِيرِ المَرْأَةِ بِجُرْأَةٍ فِي سِيَاقٍ كَانَ لا يَزَالُ
يَرْزَحُ تَحْتَ سُلْطَةِ قَوَانِينٍ تَقْلِيدِيَّةٍ . وَبِهَذَا،
سَاهَمَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْحِ نِقَاشٍ مُجْتَمَعِيٍّ وَقَانُونِيٍّ حَوْلَ
وُضْعِ المَرْأَةِ فِي المَغْرِبِ.
إِنَّ
قِرَاءَةَ «عَامُ الفِيلِ» اليَوْمَ لَيْسَتْ عَوْدَةً إِلَى نَصٍّ مَاضَوِيٍّ،
بَلْ هِيَ مُوَاجَهَةٌ مَعَ سُؤَالٍ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا: هَلْ تَحَقَّقَتِ
الحُرِّيَّةُ فِعْلًا؟ أَمْ أَنَّهَا لَا تَزَالُ مَشْرُوطَةً بِمَوَازِينِ
القُوَّةِ وَالثَّقَافَةِ وَالجِنْدَرِ؟
بِأُسْلُوبٍ
يَحْمِلُ بَصْمَةً صَحَفِيَّةً وَنَفَسًا سَرْدِيًّا، تَكْتُبُ لَيْلَى أَبُوزَيْد
تَارِيخًا بَدِيلًا، تَارِيخًا يُنْصِفُ الهَامِشَ وَيُعِيدُ الاِعْتِبَارَ
لِلأَصْوَاتِ المُنْسِيَّةِ. وَهُنَا تَكْمُنُ قِيمَةُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
إِنَّهَا لَا تُحَاكِي الوَاقِعَ فَقَطْ، بَلْ تُعِيدُ تَفْكِيرَهُ.
فِي
زَمَنِ المِنَصَّاتِ الرَّقْمِيَّةِ، حَيْثُ تُخْتَزَلُ القِصَصُ فِي مَقَاطِعَ
قَصِيرَةٍ، تَبْقَى «عَامُ الفِيلِ» دَعْوَةً لِلقِرَاءَةِ العَمِيقَةِ،
وَلِلتَّأَمُّلِ فِي تَارِيخٍ لَا يُكْتَبُ مَرَّةً وَاحِدَةً. إِنَّهَا رِوَايَةٌ
تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ حَدَثًا سِيَاسِيًّا فَقَطْ، بَلْ
هِيَ مَسَارٌ إِنْسَانِيٌّ طَوِيلٌ، قَدْ يَبْدَأُ فِي الشَّارِعِ، لَكِنَّهُ لَا
يَكْتَمِلُ إِلَّا فِي الدَّاخِلِ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق