الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، مارس 09، 2026

سلسلة الكتب الأكثر شهرة ومبيعا في العالم العربي ( حديث الأربعاء) إعداد عبده حقي

 


نبذة مختصرة ومدققة عن سيرة عميد الأدب العربي طه حسين

يُعدّ طه حسين واحداً من أعظم رموز الثقافة العربية في العصر الحديث، وقد استحق لقب “عميد الأدب العربي” بفضل إسهاماته الفكرية والأدبية العميقة في تجديد الأدب والنقد العربيين خلال القرن العشرين. اسمه الكامل طه حسين علي بن سلامة، وهو أديب ومفكر مصري وُلد في 14 نوفمبر سنة 1889 في قرية عزبة الكيلو التابعة لمركز مغاغة بمحافظة المنيا في صعيد مصر.

نشأ طه حسين في أسرة متوسطة الحال وكان السابع بين ثلاثة عشر طفلاً. وفي طفولته المبكرة أصيب بمرض في عينيه أدى إلى فقدان بصره وهو في نحو الثالثة أو الرابعة من عمره نتيجة سوء العلاج، غير أن هذا العمى لم يمنعه من متابعة طريق العلم والمعرفة، بل تحوّل إلى دافع قوي للبحث والقراءة والتعلم.

بدأ تعليمه في كُتّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وأظهر ذكاءً حاداً وذاكرة قوية لفتت انتباه معلميه. ثم انتقل إلى الأزهر الشريف حيث درس العلوم الدينية واللغوية، قبل أن يلتحق بالجامعة المصرية (جامعة القاهرة لاحقاً) سنة 1908 عند افتتاحها، وكان من أوائل طلابها.

في عام 1914 حصل طه حسين على درجة الدكتوراه في الأدب العربي عن أطروحته حول الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعري، وهي أطروحة أثارت جدلاً واسعاً بسبب منهجه النقدي الجديد. وبعد ذلك أوفدته الجامعة إلى فرنسا لمواصلة دراسته في جامعة السوربون حيث درس التاريخ والأدب والفلسفة، ونال شهادة دكتوراه ثانية حول فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، كما اطّلع على المناهج الحديثة في البحث العلمي.

خلال فترة دراسته في فرنسا تعرّف إلى السيدة الفرنسية سوزان بريسو التي أصبحت زوجته وشريكته في حياته الفكرية، وكان لها دور مهم في مساعدته على القراءة والبحث بسبب فقدانه البصر.

بعد عودته إلى مصر بدأ طه حسين مسيرته الأكاديمية في الجامعة المصرية، فعمل أستاذاً لتاريخ الأدب العربي ثم أصبح عميداً لكلية الآداب بجامعة القاهرة، وكان أول مصري يتولى هذا المنصب. كما تولى عدة مناصب ثقافية وتعليمية، أبرزها وزير المعارف (التعليم) في مصر، حيث رفع شعاره الشهير: “التعليم كالماء والهواء” داعياً إلى تعميم التعليم وإتاحته لجميع فئات المجتمع.

ترك طه حسين تراثاً أدبياً وفكرياً غنياً، شمل الرواية والنقد الأدبي والمقالة الفكرية والترجمة. ومن أشهر مؤلفاته:

  • الأيام (سيرته الذاتية الشهيرة).

  • في الشعر الجاهلي الذي أثار جدلاً واسعاً في العالم العربي.

  • مستقبل الثقافة في مصر.

  • دعاء الكروان.

  • على هامش السيرة.

وقد تميزت كتاباته بأسلوب أدبي رفيع يجمع بين العمق الفكري واللغة البليغة، كما دعا إلى التجديد في الفكر العربي والانفتاح على الثقافة الإنسانية وإعادة قراءة التراث قراءة نقدية حديثة.

ظل طه حسين طوال حياته شخصية فكرية مؤثرة في الثقافة العربية، وأسهم في تطوير النقد الأدبي والبحث العلمي في الجامعات العربية. وتوفي في 28 أكتوبر سنة 1973 في القاهرة بعد حياة حافلة بالعطاء الثقافي والفكري.

لقد بقي طه حسين رمزاً للتنوير العربي الحديث، ومثالاً للإرادة الإنسانية التي تتغلب على الصعاب، إذ استطاع رغم فقدان بصره أن يصبح أحد أعلام الأدب العربي وأكثرهم تأثيراً في الفكر والثقافة في القرن العشرين.

 حدائق الشعر العربي في مرايا طه حسين

في تاريخ الأدب العربي كتب كثيرة تركت أثراً عميقاً في الذاكرة الثقافية، لكن بعض الكتب تتحول إلى محطات حقيقية في مسار الفكر العربي. ومن بين هذه الكتب يبرز كتاب “حديث الأربعاء” لعميد الأدب العربي طه حسين بوصفه عملاً أدبياً ونقدياً جمع بين المعرفة العميقة والأسلوب السلس الذي يقترب من القارئ العادي كما يثير اهتمام الباحثين والمتخصصين. لقد كان هذا الكتاب أشبه بجلسة أدبية أسبوعية يجلس فيها طه حسين مع قرائه، يفتح أمامهم أبواب التراث العربي ويقودهم في رحلة طويلة بين الشعراء والقصائد والأفكار.

صدر كتاب حديث الأربعاء في الأصل على شكل مقالات كتبها طه حسين في الصحف، خاصة جريدة السياسة، قبل أن يجمعها في كتاب أصبح لاحقاً من أهم مؤلفات النقد الأدبي في العصر الحديث. كانت تلك المقالات تنشر كل يوم أربعاء، ومن هنا جاء اسم الكتاب الذي ارتبط بذلك الموعد الثقافي الذي انتظره القراء في مصر والعالم العربي.

الفكرة الأساسية التي أراد طه حسين أن يقدمها في هذا الكتاب بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في جوهرها: إعادة اكتشاف الأدب العربي القديم وإعادة قراءته بعين حديثة. لم يكن هدفه مجرد عرض قصص الشعراء أو ترديد ما قاله القدماء، بل كان يريد أن يقرب الشعر العربي من القارئ المعاصر وأن يبين أن هذا التراث ما يزال قادراً على أن يغذي الثقافة الحديثة ويثريها.

ولهذا نجد طه حسين في هذا الكتاب يتنقل بين عصور مختلفة من تاريخ الأدب العربي، من الشعر الجاهلي إلى العصر الأموي ثم العباسي. ويقف عند شعراء كبار مثل أبي نواس، والمتنبي، وأبي العلاء المعري، والبحتري وغيرهم، محللاً قصائدهم ومواقفهم الفكرية، ومبيناً العلاقة بين الشاعر والبيئة التي عاش فيها.

لكن ما يميز هذا الكتاب ليس موضوعه فقط، بل أيضاً أسلوبه. فطه حسين لم يكتب بلغة أكاديمية جافة، بل اختار لغة حوارية بسيطة تشبه حديثاً أدبياً بين أصدقاء. أحياناً يبدو كأنه يحكي قصة، وأحياناً كأنه يجادل قارئاً يجلس أمامه. ولهذا شعر القراء أنهم لا يقرأون كتاباً نقدياً صعباً، بل يشاركون في مجلس ثقافي حي. وقد وصف بعض النقاد أسلوب الكتاب بأنه يشبه جلسة إذاعية أو حديثاً مباشراً مع المستمعين.

ومن خلال هذه الطريقة استطاع طه حسين أن يفتح باب الأدب العربي أمام جمهور واسع. فبدلاً من أن يبقى الشعر القديم حكراً على الدارسين والمتخصصين، أصبح بفضل هذا الكتاب قريباً من القارئ العادي. لقد كان عميد الأدب العربي يؤمن بأن الأدب ليس ملكاً للنخبة وحدها، بل هو جزء من الثقافة العامة التي يجب أن تصل إلى الجميع.

ومن القضايا المهمة التي تناولها طه حسين في حديث الأربعاء فكرة العلاقة بين الشاعر وعصره. فقد كان يرى أن الشاعر لا يكتب في فراغ، بل يعكس في شعره روح العصر الذي يعيش فيه. لذلك حاول أن يربط بين حياة الشعراء وبين الظروف الاجتماعية والسياسية في زمنهم. فمثلاً رأى أن شعر أبي نواس يعكس حياة بغداد في العصر العباسي بما فيها من ترف وانفتاح ثقافي، بينما يمثل شعر عمر بن أبي ربيعة روح المجتمع الأموي في مكة والمدينة.

ولم يكتف طه حسين بالتحليل الأدبي، بل دخل أحياناً في نقاشات فكرية واسعة حول حرية الأدب وعلاقة الأدب بالأخلاق وبالدين. وكان يؤكد دائماً أن الأدب يجب أن يُدرس بعين نقدية عقلانية، بعيداً عن الأحكام المسبقة. هذه الجرأة الفكرية جعلت كتابه يثير نقاشات واسعة بين الأدباء والنقاد في زمانه، لكنه في الوقت نفسه أسهم في تطوير منهج النقد الأدبي الحديث في العالم العربي.

ومن الجوانب الجميلة في هذا الكتاب أيضاً أن طه حسين لم ينظر إلى الأدب العربي بمعزل عن الآداب الأخرى. فقد أشار في بعض فصوله إلى أوجه الشبه بين الأدب العربي والآداب العالمية، مثل الأدب اليوناني أو الفارسي، مؤكداً أن الثقافة الإنسانية شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة.

لهذا يمكن القول إن حديث الأربعاء ليس مجرد كتاب عن الشعر، بل هو أيضاً كتاب عن الثقافة العربية نفسها. إنه محاولة لإعادة اكتشاف الهوية الثقافية للأمة من خلال أدبها القديم. وكان طه حسين يرى أن فهم هذا التراث ضروري لبناء ثقافة عربية حديثة قادرة على التفاعل مع العالم.

واليوم، بعد مرور عقود طويلة على صدور هذا الكتاب، ما يزال حديث الأربعاء يحافظ على قيمته الفكرية والأدبية. فالقراء الجدد يجدون فيه مدخلاً ممتعاً للتعرف على الشعر العربي، بينما يرى فيه الباحثون نموذجاً مبكراً للنقد الأدبي الحديث. وقد ساهم الكتاب بالفعل في نشر الوعي الأدبي وتعريف الجمهور العربي بقضايا الأدب وشخصياته الكبرى.

إن قراءة هذا الكتاب تشبه السير في بستان واسع من القصائد والقصص والأفكار. وطه حسين يقف فيه كدليل ثقافي يشرح للقارئ جمال الأشجار والزهور، ويكشف له أسرار التاريخ الأدبي الذي يمتد عبر القرون.

هكذا يظل حديث الأربعاء واحداً من الكتب التي لا تقرأ مرة واحدة فقط، بل يمكن العودة إليها مراراً. ففي كل قراءة يكتشف القارئ زاوية جديدة من زوايا الأدب العربي، ويشعر أن عميد الأدب العربي ما يزال يجلس في مجلسه القديم، يواصل حديثه الأسبوعي مع القراء عبر الزمن.

ولو أردنا أن نلخص روح هذا الكتاب في جملة واحدة، لقلنا إن طه حسين أراد أن يقول للأجيال الجديدة:
الأدب العربي القديم ليس ماضياً منسياً، بل هو ذاكرة حية تستطيع أن تصنع المستقبل.



0 التعليقات: