الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مارس 27، 2026

قراءة في كتاب "كيف أصبحنا ما بعد بشريين: بقلم ن. كاثرين هايلز

 


في كتابها المرجعي How We Became Posthuman، لا تكتفي الناقدة الأمريكية N. Katherine Hayles بتفكيك علاقة الإنسان بالتكنولوجيا، بل تُقدّم نصاً فكرياً يشبه اعترافاً متأخراً للحضارة الرقمية وهي تعيد تعريف ذاتها على حافة التحول. هذا الكتاب، الذي صدر سنة 1999، يبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، كأنه كُتب في زمن الذكاء الاصطناعي، لا في نهايات القرن العشرين.

منذ الصفحات الأولى، تضع هايلز القارئ أمام حقيقة مقلقة: الإنسان الذي نعرفه لم يعد كما كان. لم يعد ذلك الكائن المستقل، المتماسك، القادر على السيطرة على العالم من موقع مركزه. لقد أصبح، بتعبيرها الضمني، مجرد عقدة داخل شبكة معقدة من المعلومات، نقطة عابرة في تدفق رقمي لا يتوقف. وهنا، تبدأ رحلة التفكيك: كيف انتقلنا من إنسان “متمركز حول ذاته” إلى كائن “ما بعد إنساني” يتوزع بين الجسد والآلة؟

تعود الكاتبة إلى جذور هذا التحول، إلى لحظة تاريخية مفصلية تمثلت في نشأة علم Cybernetics بعد الحرب العالمية الثانية. في تلك اللحظة، بدأ العلماء ينظرون إلى الإنسان باعتباره نظاماً معلوماتياً، يمكن قياسه، محاكاته، بل وحتى إعادة إنتاجه. لم يعد الجسد سوى “حامل” للمعلومة، ولم يعد الوعي سوى “تدفق بيانات”. وهنا، تكمن المفارقة الكبرى التي تكشفها هايلز بحدة نقدية لافتة: كلما تقدمت التكنولوجيا، ازداد ميل الإنسان إلى نسيان جسده.

لكن الكاتبة لا تقبل بهذا الاختزال. إنها تدافع بشراسة فكرية عن مفهوم “التجسد”، عن فكرة أن الإنسان لا يمكن فصله عن مادته، عن لحمه، عن هشاشته الفيزيائية. فالمعلومة، مهما بلغت من تعقيد، لا يمكن أن تحل محل التجربة الجسدية. الجسد ليس مجرد وعاء… بل هو شرط الوجود نفسه. ومن هنا، يتحول الكتاب إلى ما يشبه مقاومة فلسفية ضد نزعة “نزع الجسد” التي تسكن الخطاب التكنولوجي المعاصر.

غير أن ما يمنح هذا العمل فرادته، ليس فقط تحليله الفلسفي، بل انفتاحه على الأدب، خصوصاً أدب الخيال العلمي. تستدعي هايلز نصوصاً لكتاب مثل Philip K. Dick، حيث تتجسد المخاوف الوجودية من ذوبان الإنسان داخل الآلة. في هذه النصوص، لا يعود الفرق واضحاً بين الحقيقي والافتراضي، بين الإنسان والروبوت، بين الوعي والبرنامج. الأدب هنا لا يواكب العلم فقط، بل يكشف حدوده، يفضح أوهامه، ويمنحنا لغة لفهم ما لا يمكن للعلم وحده أن يقوله.

وهكذا، يتحول السرد إلى أداة نقدية، إلى مرآة تعكس القلق العميق الذي يرافق التحول الرقمي. فبينما يعدنا الخطاب التكنولوجي بعالم أكثر كفاءة وذكاء، يكشف الأدب عن الوجه الآخر: عالم يفقد فيه الإنسان مركزه، ويتحول إلى كائن قابل للاستبدال، للنسخ، للمحو.

في قلب هذا التوتر، تطرح هايلز مفهوم “ما بعد الإنسان” (Posthuman)، ليس كحتمية مظلمة، ولا كيوتوبيا مشرقة، بل كحالة انتقالية. إنها لا تعلن نهاية الإنسان، بل نهاية تصور معين عنه. لم يعد الإنسان ذلك الكائن المستقل الذي يملك وعياً موحداً، بل أصبح كياناً هجينا، يتقاطع فيه البيولوجي مع الرقمي، الطبيعي مع الاصطناعي.

لكن هذا التحول، رغم ما يحمله من إمكانات، يظل محفوفاً بالمخاطر. فحين يتم اختزال الإنسان إلى بيانات، يصبح قابلاً للتحكم، للمراقبة، للتوجيه. وهنا، يتقاطع تحليل هايلز مع أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة: من يملك هذه البيانات؟ من يتحكم في تدفقها؟ ومن يحدد معنى “الإنسان” في عصر الخوارزميات؟

بأسلوب أقرب إلى نبض الكتاب، يمكن القول إننا لم نعد نعيش داخل أجسادنا فقط، بل داخل أنظمة غير مرئية تعيد تشكيل وعينا وسلوكنا. نحن لا نستخدم التكنولوجيا فحسب، بل نُعاد صياغتنا من خلالها. كل نقرة، كل بحث، كل تفاعل رقمي، هو جزء من عملية إعادة كتابة مستمرة للذات.

ورغم هذا العمق، لا يخلو الكتاب من صعوبات. لغته كثيفة، مفاهيمه متشابكة، ومساراته النظرية قد تربك القارئ غير المتخصص. لكنه، في الوقت نفسه، يمنح قارئه تجربة فكرية نادرة، تجربة تجعله يعيد النظر في أبسط المسلمات: ما هو الإنسان؟ ما هو الجسد؟ وما الذي يتبقى منا إذا اختزلنا إلى معلومات؟

في النهاية، يبدو كتاب هايلز وكأنه رسالة قادمة من زمن لم يكتمل بعد. رسالة تحذر، لا بصوت مرتفع، بل بنبرة تحليلية هادئة، من الانزلاق نحو عالم نفقد فيه قدرتنا على التمييز بين ما نحن عليه وما نصبحه. عالم لا يختفي فيه الإنسان فجأة، بل يتلاشى تدريجياً، مثل صورة تُمحى ببطء من ذاكرة رقمية.

وهنا، يكمن السؤال الذي يتركه الكتاب مفتوحاً، كجرح معرفي لا يندمل:
هل ما زلنا نملك أنفسنا…
أم أننا أصبحنا مجرد أثر رقمي داخل آلة أكبر منا؟


0 التعليقات: