الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مارس 18، 2026

انكسار الحريات بين رقابة الخوارزميات وقبضة الدولة في العالم العربي: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الماضي، شهدت منطقة المغرب العربي والشرق الأوسط تصاعداً ملحوظاً في انتهاكات حقوق الإنسان، حيث أغلقت السلطات أبواب الدفاع عن المفقودين في الجزائر، واستمرت حملات الاعتقالات التعسفية في مصر، بينما تحولت السماء فوق الخليج ولبنان إلى مصدر رعب يقتل المدنيين ويشرّد العائلات. هذه التطورات ليست حوادث معزولة، بل تعكس نمطاً إقليمياً يجمع بين قمع المجتمع المدني داخل الحدود وانتهاكات الحروب عبرها، مما يترك آلاف الأرواح تحت وطأة الخوف واليأس.

في الجزائر، جاء الضربة الأبرز يوم 16 مارس 2026، عندما أغلقت الشرطة مكتب جمعية «SOS المفقودين» في العاصمة الجزائرية بأمر من محافظة الجزائر صدر في 12 مارس، بحجة أن الجمعية غير مسجلة وفق قانون 12-06. هذه الجمعية، التي أسست عام 2001 كفرع لـ«الجمعية الوطنية لعائلات المختطفين والمفقودين» التي أنشأتها أمهات المفقودين في فرنسا عام 1999، كانت الشعاع الوحيد لآلاف العائلات التي تبحث عن أحبائها الذين اختفوا قسراً خلال النزاع المسلح في التسعينيات على يد قوات الأمن أو الميليشيات. أغلق المكتب فجأة، مما حرم هذه العائلات من أي منبر للمطالبة بالحقيقة والعدالة والتعويضات.

وصفت ديانا الطحاوي، نائبة المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الإغلاق بأنه «ضربة مدمرة للنضال من أجل الحقيقة والعدالة في الجزائر»، مشددة على أن السلطات يجب أن تعكس القرار فوراً وتنهي مناخ الإفلات من العقاب الذي يترك الأقارب في «عذاب نفسي ومعاناة». الجمعية كانت تتعرض لمضايقات متكررة منذ 2024، بما في ذلك منع فعالياتها وتعطيل موقعها الإلكتروني في مايو 2025، ومنع مؤسستها نصيرة دوتور من دخول الوطن في يوليو 2025 رغم حملها جوازاً جزائرياً. هذا الإغلاق ليس مجرد إجراء إداري، بل يعني أن أمهات مثل تلك التي فقدن أبناءهن في السجون السرية قبل ثلاثة عقود، ستبقين وحيدات أمام جدران الصمت الرسمي، يحملن صور أبنائهن المبتسمة ويبكين في الخفاء دون أي دعم منظم.

أما في تونس، فاستمر تضييق الخناق على المجتمع المدني كما وثقه تقرير هيومن رايتس ووتش العالمي 2026، حيث تتعرض المنظمات لتحقيقات جنائية ومراقبة مالية مشددة، وتُمنع التجمعات السلمية دون سند قانوني. شهدت العاصمة تظاهرات مستمرة من نشطاء مختلفي الانتماءات تحت شعار «لا بد للقيد أن ينكسر»، احتجاجاً على قمع المعارضين والمحامين والصحفيين. هذه الانتهاكات تأتي بعد سلسلة أحكام بالسجن الطويل في قضايا «التآمر» المسيّسة، مما يحول تونس إلى سجن مفتوح للأصوات المعارضة.

وفي مصر، أعرب سبعة خبراء أمميين في بيان صدر مطلع مارس عن قلقهم الشديد من تصاعد الاعتقالات التعسفية والترحيلات الجماعية ضد اللاجئين والمهاجرين، خاصة السودانيين، دون تقييم فردي لخطر الإعادة القسرية. يستهدف اللاجئون في منازلهم وأماكن عملهم وحتى مراكز الخدمات التي يديرونها، رغم تسجيلهم لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة للاجئين. يعيش آلاف منهم تحت تهديد الاستغلال والعنف الجنسي والعمل القسري، خاصة النساء والفتيات، في ظل تأخير تجديد تصاريح الإقامة التي قد تمتد إلى 2029. هذه الحملة ليست جديدة، لكنها تكثفت في الأسابيع الأخيرة، مما يحول مصر إلى فخ يصيد الهاربين من الحروب ليعيدهم إلى الموت أو الاستعباد.

أما في الشرق الأوسط، فكانت الأيام الماضية مسرحاً لانتهاكات جسيمة ناجمة عن التصعيد العسكري بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل. أطلقت إيران آلاف الطائرات المسيرة والصواريخ نحو دول الخليج ردّاً على هجمات أمريكية إسرائيلية، ووصفت منظمة هيومن رايتس ووتش هذه الهجمات بأنها «غير قانونية» لأنها استهدفت أهدافاً مدنية بشكل متعمد أو متهور، مما يرقى إلى جرائم حرب. بين 10 و16 مارس، ضربت الطائرات المسيرة الإيرانية فنادق مثل «فيرمونت ذا بالم» في دبي أثناء العشاء، مما أثار انفجارات أشعلت النيران في مواقف السيارات وأثار هلع النزلاء الذين شعروا بأن الموت يلاحقهم. كما أصابت مبانٍ سكنية في عجمان، حيث قتل المهاجر البنغالي صالح أحمد أثناء تسليمه الماء للعملاء، وفي برج ميلينيوم في البحرين قُتلت امرأة بحرينية تبلغ 29 عاماً بسبب شظايا الركام، وأُصيب ثمانية آخرون.

سجلت مصادر حكومية خليجية 11 قتيلاً مدنياً على الأقل و268 جريحاً، معظمهم عمال مهاجرون من نيبال وبنغلاديش، بالإضافة إلى تعليق رحلات في مطارات دبي وأبوظبي وغيرها، مما أضر بالمدنيين العاديين. قال جوي شيا، الباحث الأول في هيومن رايتس ووتش: «المدنيون، وخاصة العمال المهاجرون، يُهددون ويُقتلون ويُصابون بطائرات إيرانية بدون تمييز»، داعياً طهران إلى وقف الهجمات فوراً بدلاً من الاعتذار الشكلي.

وفي لبنان، استمر العدوان الإسرائيلي المكثف منذ بداية مارس، مما أسفر عن مقتل أكثر من 600 شخص ونزوح أكثر من 800 ألف، حسب وزارة الصحة اللبنانية. في صيدا، اضطرت العائلات النازحة إلى تحويل سياراتها إلى ملاجئ مؤقتة، تغطيها بالخيام البلاستيكية لحمايتها من الأمطار بعد امتلاء المدارس. ينام الأطفال والنساء داخل السيارات المبللة، محرومين من الخصوصية والأمان، في مشهد يعكس كارثة إنسانية كاملة. ضربات إسرائيلية على قرى مثل الشهابية وتمنين التحتا قتلت 14 شخصاً في يوم واحد، وأصابت مباني سكنية في بيروت.

هذه الحالات الحية – من عائلات المفقودين في الجزائر التي فقدت آخر أمل، إلى المهاجر البنغالي الذي مات أثناء عمله اليومي، إلى الأم البحرينية التي قتلتها شظية في منزلها، إلى أطفال لبنان النازحين في سياراتهم المبتلة – تكشف عن واقع مرعب. السلطات تستمر في قمع الأصوات المطالبة بالعدالة داخلياً، بينما الحروب الإقليمية تحول المدنيين إلى أهداف سهلة. في غياب تدخل دولي حازم ومحاسبة حقيقية، يبقى الظلم يتكاثف، ويخنق آمال الملايين في حياة كريمة خالية من الخوف. الوقت حان لأن يتحول الصمت الدولي إلى ضغط حقيقي يعيد للمنطقة بعضاً من توازنها الإنساني.



0 التعليقات: