عرف الأسبوع الماضي زخماً ملحوظاً في عالم النشر المرتبط بالكتّاب العرب المقيمين في المهجر، حيث صدرت أعمال جديدة بلغات متعددة، من العربية إلى الإنجليزية “الإنجليزية” والفرنسية “الفرنسية”، بل وحتى الألمانية “الألمانية”، في مشهد ثقافي يكشف عن التحولات العميقة التي يعيشها الأدب العربي خارج حدوده الجغرافية التقليدية. ولم يعد الكاتب العربي المهاجر مجرد شاهد على المنفى أو راوٍ لسيرة الاقتلاع، بل تحول إلى فاعل ثقافي عالمي يكتب بلغات العالم ويخاطب قارئاً متعدد الهويات والانتماءات.
ومن أبرز الأسماء التي تصدرت المشهد خلال الأيام الأخيرة الكاتبة الفلسطينية الأسترالية Randa Abdel-Fattah، التي عادت روايتها الجديدة “Discipline” أي “الانضباط” إلى واجهة النقاش الأدبي في أستراليا بعد إدراجها ضمن القائمة الطويلة لجائزة “Miles Franklin Literary Award” أي “جائزة مايلز فرانكلين الأدبية”. الرواية تناقش قضايا الهوية العربية والرقابة والخوف من التعبير داخل المجتمعات الغربية، خاصة بالنسبة لأبناء الجاليات العربية والمسلمة. وقد أثارت الرواية اهتماماً واسعاً بسبب الجرأة السياسية التي تناولت بها الكاتبة مسألة التضييق على الأصوات الفلسطينية في الغرب.
وفي الولايات المتحدة “الولايات المتحدة الأمريكية”، واصل الكاتب العراقي المقيم في نيويورك Sinan Antoon حضوره القوي في مشهد الأدب العالمي من خلال روايته الجديدة “Notes from a Lost Country” أي “ملاحظات من وطن ضائع”، وهي رواية تتناول آثار الحروب والمنفى العراقي عبر شخصيتين تعيشان في مدينة بروكلين الأمريكية. الرواية الجديدة تستعيد الذاكرة العراقية الممزقة بعد الحروب وتربطها بأسئلة الشيخوخة والمنفى وفقدان الهوية.
وفي السياق نفسه، برز اسم الكاتبة الفلسطينية الأمريكية Hala Alyan من خلال الإصدار الورقي الجديد لمذكّراتها “I’ll Tell You When I’m Home” أي “سأخبرك عندما أصل إلى البيت”. الكتاب يمزج بين السيرة الذاتية والتأمل النفسي وقضايا الأمومة والهوية الفلسطينية والمنفى الأمريكي، وقد وصفه نقاد أمريكيون بأنه من أكثر الكتب العربية تأثيراً في أدب المهجر خلال هذه السنة.
كما شهد الأسبوع الماضي تداولاً واسعاً للمجموعة القصصية “Kahramana” أي “كهرمانة” للكاتبة العراقية Anoud، وهي مجموعة قصصية باللغة الإنجليزية “الإنجليزية” تحتفي بقوة المرأة العربية في مواجهة الحروب والعنف والتطرف. وتستحضر القصص يوميات نساء عراقيات يعشن وسط الخراب والحصار والتفجيرات، لكنهن يواصلن مقاومة الانهيار الداخلي.
ومن بين الأعمال التي أثارت اهتمام القراء في أوروبا “أوروبا” هذا الأسبوع أيضاً رواية “Aicha” أي “عائشة” للكاتبة البريطانية السودانية Saara El-Arifi، وهي رواية تاريخية ذات طابع فانتازي “خيالي” تستعيد المقاومة المغربية ضد الاحتلال البرتغالي من خلال بطلة تتحول إلى رمز للتحرر والقوة النسائية. وقد لاقت الرواية إقبالاً واضحاً في الأسواق البريطانية بسبب المزج بين التاريخ العربي وأدب الخيال الحديث.
أما في مجال الشعر، فقد سلطت المؤسسات الثقافية الأمريكية الضوء مجدداً على ديوان “THALASSA” أي “ثالاسا” للشاعرة العربية الأمريكية leena aboutaleb، وهو عمل شعري جديد يشتغل على الحزن والمنفى وفقدان الأخ عبر صور شعرية كثيفة تمزج بين البحر والأسطورة والذاكرة الشخصية. وقد تم إدراج الديوان ضمن قوائم القراءة الخاصة بشهر التراث العربي الأمريكي.
وفي مجال الترجمة الأدبية، كشفت منصة ArabLit خلال الأيام الماضية عن قائمة طويلة من الأعمال العربية الجديدة المترجمة إلى الإنجليزية “الإنجليزية”، من بينها رواية “Red Like Orange” أي “أحمر مثل البرتقال” للكاتب اللبناني Charles Akl، إضافة إلى رواية “The Third Bank of the Jordan River” أي “الضفة الثالثة لنهر الأردن” للكاتب الفلسطيني الراحل Hussein Barghouthi بترجمة جديدة أنجزها ابنه. وتكشف هذه الترجمات الجديدة عن تصاعد الاهتمام الغربي بالأدب العربي المعاصر، خصوصاً النصوص المرتبطة بالمنفى والهوية والذاكرة السياسية.
كما عاد اسم الروائي الجزائري المقيم في سلوفينيا “سلوفينيا” Said Khatibi إلى الواجهة بعد فوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية عن روايته “Swimming Against the Tide” أي “السباحة ضد التيار”. الرواية تستكشف تحولات المجتمع الجزائري والهجرة والصدام بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي، وقد اعتبرها نقاد عرب وأوروبيون من أبرز الأعمال العربية الصادرة حديثاً.
إن اللافت في هذه الإصدارات الجديدة أن الكاتب العربي في المهجر لم يعد أسير الحنين الكلاسيكي إلى الوطن، بل أصبح منشغلاً بأسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بالذكاء الاصطناعي “الذكاء الصناعي”، والرقابة الرقمية، والعنصرية الثقافية، والهوية العابرة للقارات، وصعود اليمين المتطرف في أوروبا “أوروبا” وأمريكا “أمريكا”. كما أن اللغة نفسها لم تعد حاجزاً أمام التعبير، إذ بات كثير من الكتّاب العرب يكتبون مباشرة بالإنجليزية “الإنجليزية” أو الفرنسية “الفرنسية” دون المرور عبر الترجمة.
لقد تحول أدب المهجر العربي اليوم إلى مرآة عالمية تعكس قلق الإنسان المعاصر أينما كان، وتعيد رسم صورة العربي بعيداً عن الكليشيهات “الصور النمطية” القديمة، في زمن باتت فيه الرواية والشعر والسيرة الذاتية أدوات لمقاومة النسيان وصناعة ذاكرة إنسانية مشتركة عابرة للحدود.








0 التعليقات:
إرسال تعليق