الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، مايو 22، 2026

الصحافة كضمير عمومي في كتاب «عناصر الصحافة» لبيل كوفاتش: ترجمة عبده حقي

 


في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تُستهلك بسرعة الضوء، وتتحول فيه الحقيقة أحياناً إلى مجرد مادة عابرة داخل شاشات الهواتف، يعود كتاب «The Elements of Journalism» للصحفي الأميركي Bill Kovach وزميله Tom Rosenstiel ليطرح سؤالاً يبدو بسيطاً لكنه شديد الخطورة: ما الذي يجعل الصحافة صحافة بالفعل؟

الكتاب، الذي صدر لأول مرة سنة 2001 وتحوّل لاحقاً إلى مرجع عالمي في أخلاقيات المهنة الصحفية، لا يقدّم وصفات تقنية لكتابة الخبر أو صناعة العنوان، بل يحاول إعادة تعريف جوهر الصحافة نفسها باعتبارها خدمة عمومية مرتبطة بالديمقراطية والوعي الجماعي ومسؤولية الحقيقة.

منذ الصفحات الأولى، يشعر القارئ أن كوفاتش لا يكتب باعتباره أستاذاً جامعياً بارداً، بل صحفياً عاش تحولات الإعلام الأميركي من الداخل؛ من زمن الصحافة الورقية الثقيلة إلى زمن القنوات الإخبارية المتسارعة، ثم إلى الفوضى الرقمية التي كسرت الحدود بين الصحفي والمواطن والناشط وصانع الشائعات.

الفكرة المركزية التي يبني عليها الكتاب أطروحته هي أن الصحافة ليست مجرد صناعة للمحتوى، بل نظام اجتماعي لإنتاج المعرفة العامة. ولهذا يؤكد المؤلفان أن الالتزام الأول للصحافة هو الحقيقة، وأن ولاءها الأول يجب أن يكون للمواطن لا للسلطة ولا للسوق ولا للمعلنين.

هنا تحديداً تكمن قوة الكتاب وراهنيته. فالعالم اليوم يعيش أزمة ثقة خانقة في الإعلام؛ إذ لم يعد القارئ يعرف الفرق بين الخبر والرأي والدعاية والإشاعة. وكأن كوفاتش كان يتنبأ منذ أكثر من عقدين بزمن “الضجيج الرقمي” الذي نعيشه الآن. لذلك يشدد على أن ما يميز الصحافة عن الترفيه أو البروباغندا أو الخيال هو ما يسميه “منهج التحقق” أو discipline of verification، أي التحقق الصارم من الوقائع قبل نشرها.

لا يتعامل الكتاب مع الحقيقة باعتبارها شيئاً مطلقاً ونهائياً، بل باعتبارها عملية بحث مستمرة. فالصحفي، وفق هذا التصور، لا يمتلك الحقيقة الكاملة، لكنه يمتلك واجب الاقتراب منها بأكبر قدر من النزاهة والدقة والشفافية. ولهذا ينتقد المؤلفان المفاهيم الإعلامية الفضفاضة مثل “التوازن” و”الحياد” حين تتحول إلى أقنعة تخفي خوف الصحفي من مواجهة الوقائع.

ومن أجمل ما في هذا الكتاب أنه لا يتحدث عن الصحافة كوظيفة، بل كضمير مدني. فالصحفي هنا ليس مجرد ناقل أخبار، بل شاهد على العصر، ومراقب للسلطة، وحارس لذاكرة المجتمع. لذلك يضع الكتاب ضمن عناصر الصحافة الأساسية فكرة “مراقبة القوة”، أي أن الإعلام الحقيقي يجب أن يظل مستقلاً عن مراكز النفوذ السياسي والاقتصادي.

هذه الفكرة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً في العالم العربي، حيث تعاني الصحافة أحياناً من ضغوط السلطة ومن إغراءات السوق في الوقت نفسه. فالكتاب يذكّرنا بأن الصحافة التي تفقد استقلالها تتحول تدريجياً إلى جهاز علاقات عامة، حتى وإن احتفظت بأشكالها الخارجية.

كما يلفت كوفاتش الانتباه إلى مسألة شديدة الأهمية: الصحافة ليست فقط ما يُنشر، بل أيضاً ما يُحذف ويُخفى ويُهمَّش. ولهذا يدعو إلى إعطاء صوت لمن لا صوت لهم، وإلى جعل الأخبار “مهمة ومثيرة وذات صلة بحياة الناس” في آن واحد.

وفي هذا الجانب بالذات، يبدو الكتاب قريباً من التحولات الرقمية الراهنة. فوسائل التواصل الاجتماعي خلقت انفجاراً هائلاً في المعلومات، لكنها لم تنتج بالضرورة معرفة أعمق. لقد صار الجميع يكتب، لكن القليل فقط يتحقق. وصار السبق الصحفي أهم من الدقة أحياناً، بينما تحوّل الخبر إلى سلعة سريعة الاستهلاك.

لهذا فإن قراءة «عناصر الصحافة» اليوم تبدو أشبه بمحاولة إنقاذ لفكرة الصحافة نفسها. فالكتاب لا يدافع عن المؤسسات الإعلامية التقليدية بقدر ما يدافع عن القيم التي يجب أن تحكم أي ممارسة إعلامية، سواء جاءت من صحيفة ورقية أو منصة رقمية أو حتى صحفي مستقل على الإنترنت.

ومن النقاط اللافتة أيضاً أن الكتاب لا يعفي الجمهور من المسؤولية. فالقارئ نفسه مطالب بأن يطوّر حسه النقدي، وأن يشارك في حماية المجال العمومي من التلاعب والتضليل. الصحافة هنا ليست علاقة أحادية بين مرسل ومتلقٍ، بل عقد أخلاقي بين المجتمع ومنتجي المعرفة.

أسلوب الكتاب واضح ومباشر، لكنه يحمل في العمق بعداً فلسفياً قوياً. فهو يناقش الديمقراطية، والحرية، والمواطنة، وطبيعة الحقيقة في العصر الرقمي، دون أن يفقد لغته العملية المرتبطة بالمهنة. وربما لهذا السبب ظل الكتاب مرجعاً في كليات الإعلام والصحافة حول العالم.

لكن رغم أهمية الكتاب، يمكن القول إنه ما يزال متأثراً بالسياق الأميركي الليبرالي الذي نشأ فيه، حيث يُنظر إلى الصحافة بوصفها مؤسسة مستقلة نسبياً عن السلطة السياسية. أما في أجزاء واسعة من العالم، فالعلاقة بين الإعلام والسلطة أكثر تعقيداً وتشابكاً، وهو ما يجعل تطبيق هذه المبادئ أمراً بالغ الصعوبة أحياناً.

ومع ذلك، تبقى قيمة «The Elements of Journalism» في كونه يعيد طرح السؤال الأخلاقي داخل المهنة: لماذا نكتب؟ ولصالح من؟ وما معنى أن تكون صحفياً في عصر الخوارزميات؟

إنه كتاب لا يعلّم الصحفي فقط كيف يكتب، بل يذكّره لماذا يجب أن يظل وفياً للحقيقة حتى في أكثر الأزمنة ضبابية. وربما لهذا السبب بالذات ما يزال هذا العمل، بعد أكثر من عشرين عاماً على صدوره، واحداً من أهم الكتب التي حاولت الدفاع عن الصحافة باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة المدنية ضد النسيان والتضليل والسلطة العمياء.


0 التعليقات: