أَهْلًا بِكُمْ أَعِزَّاءَنَا الْمُسْتَمِعِينَ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، حَيْثُ نَسَافِرُ مَعًا إِلَى أَعْمَاقِ الرَّوَائِعِ الَّتِي تَجَاوَزَتْ زَمَنَهَا وَمَكَانَهَا لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنَ الذَّاكِرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَمَوْعِدُنَا الْيَوْمَ مَعَ رِوَايَةٍ تُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْجَبَهُ الْأَدَبُ الْأَمْرِيكِيُّ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَهِيَ رِوَايَةُ «غاتسبي العظيم» لِلرَّوَائِيِّ الْأَمْرِيكِيِّ فرنسيس سكوت فيتزجيرالد، الَّتِي صَدَرَتْ سَنَةَ 1925 وَأَصْبَحَتْ بَعْدَ عُقُودٍ مِنْ نَشْرِهَا أَيْقُونَةً أَدَبِيَّةً خَالِدَةً
تَقْدِيمُ الرِّوَايَةِ
وَكَاتِبِهَا
وُلِدَ فِيتْزْجِيرَالْدُ سَنَةَ 1896، وَعُرِفَ
بِأَنَّهُ صَوْتُ «عَصْرِ الْجَازِ» فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ. كَانَ
شَاهِدًا عَلَى التَّحَوُّلَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ
الْكُبْرَى الَّتِي أَعْقَبَتِ الْحَرْبَ الْعَالَمِيَّةَ الْأُولَى، وَانْعَكَسَ
ذَلِكَ بِوُضُوحٍ فِي أَعْمَالِهِ، وَخُصُوصًا فِي «غاتسبي العظيم». وَرَغْمَ
أَنَّ الرِّوَايَةَ لَمْ تُحَقِّقْ نَجَاحًا كَبِيرًا عِنْدَ صُدُورِهَا،
فَإِنَّهَا أَصْبَحَتْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ دِرَاسَةً
وَقِرَاءَةً فِي الْعَالَمِ.
مُلَخَّصٌ سَرْدِيٌّ جَذَّابٌ
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي صَيْفِ سَنَةِ
1922 عَلَى جُزُرِ لُونْغ آيْلَنْدِ قُرْبَ مَدِينَةِ نِيُويُورْك. يَرْوِي
الْقِصَّةَ شَابٌّ يُدْعَى نِكْ كَارَاوَاي، يَنْتَقِلُ لِلْعَيْشِ فِي مِنْطَقَةٍ
تَسْكُنُهَا الطَّبَقَةُ الْجَدِيدَةُ مِنَ الْأَثْرِيَاءِ. هُنَاكَ يَتَعَرَّفُ
إِلَى جَارِهِ الْغَامِضِ جَايْ غَاتْسْبِي، الرَّجُلِ الْمُلْتَفِّ
بِالْأَسْرَارِ، الَّذِي يُقِيمُ حَفَلَاتٍ أُسْطُورِيَّةً تَجْتَذِبُ الْمِئَاتِ
كُلَّ أُسْبُوعٍ
غَيْرَ أَنَّ وَرَاءَ هَذَا الْبَذَخِ كُلِّهِ
قَلْبًا مُعَلَّقًا بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ هِيَ دَيْزِي بُوكَانَان، حُبُّهُ
الْقَدِيمُ الَّذِي فَقَدَهُ قَبْلَ سَنَوَاتٍ. يَبْنِي غَاتْسْبِي ثَرْوَتَهُ
وَيُشَيِّدُ قُصُورَهُ وَيُحَوِّلُ حَيَاتَهُ إِلَى عَرْضٍ مُبْهِرٍ عَلَى أَمَلِ
أَنْ يَسْتَعِيدَ دَيْزِي وَيُعِيدَ الْمَاضِي إِلَى الْحَيَاةِ. وَلَكِنَّ
الْأَحْلَامَ الْكُبْرَى لَا تَنْتَهِي دَائِمًا بِالنِّهَايَاتِ الَّتِي
نَتَمَنَّاهَا، فَتَنْقَلِبُ الْقِصَّةُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى مَأْسَاةٍ تَكْشِفُ
هَشَاشَةَ الْحُلْمِ وَوَحْشِيَّةَ الْوَاقِعِ.
الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ
وَالْفِكْرِيَّةُ
جَاءَتِ الرِّوَايَةُ فِي فَتْرَةٍ عُرِفَتْ فِي
التَّارِيخِ الْأَمْرِيكِيِّ بِـ«الْعِشْرِينِيَّاتِ الصَّاخِبَةِ»، وَهِيَ
مَرْحَلَةٌ شَهِدَتِ ازْدِهَارًا اقْتِصَادِيًّا هَائِلًا، وَانْتِشَارًا
لِثَقَافَةِ الِاسْتِهْلَاكِ وَالْمُضَارَبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالسَّعْيِ
الْمَحْمُومِ نَحْوَ الثَّرَاءِ. وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ كَانَ الْجِيلُ الَّذِي
عَاشَ أَهْوَالَ الْحَرْبِ الْعَالَمِيَّةِ الْأُولَى يَشْعُرُ بِخَيْبَةٍ
أَخْلَاقِيَّةٍ وَفِكْرِيَّةٍ عَمِيقَةٍ.
لِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الرِّوَايَةُ قِصَّةَ حُبٍّ
فَقَطْ، بَلْ نَقْدًا حَادًّا لِمَا سُمِّيَ بِالْحُلْمِ الْأَمْرِيكِيِّ؛ أَيْ
فِكْرَةِ أَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ قَادِرٌ عَلَى بِنَاءِ مَصِيرِهِ وَالصُّعُودِ
اجْتِمَاعِيًّا بِالْعَمَلِ وَالطُّمُوحِ. فِيتْزْجِيرَالْدُ يَطْرَحُ سُؤَالًا
مُؤْلِمًا: مَاذَا يَحْدُثُ عِنْدَمَا يَتَحَوَّلُ الْحُلْمُ إِلَى وَهْمٍ؟
لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً
خَالِدَةً؟
لِأَنَّهَا تَتَجَاوَزُ زَمَانَهَا. فَغَاتْسْبِي
لَيْسَ شَخْصِيَّةً أَمْرِيكِيَّةً فَقَطْ، بَلْ رَمْزٌ إِنْسَانِيٌّ لِكُلِّ مَنْ
يُطَارِدُ حُلْمًا بَعِيدًا. وَدَيْزِي لَيْسَتِ امْرَأَةً فَقَطْ، بَلْ تَجْسِيدٌ
لِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَظُنُّ أَنَّهُ سَيُحَقِّقُ سَعَادَتَنَا
الْمُطْلَقَةَ.
كَذَلِكَ تَمْتَازُ الرِّوَايَةُ بِلُغَةٍ
شِعْرِيَّةٍ رَفِيعَةٍ وَبِنَاءٍ رَمْزِيٍّ مُحْكَمٍ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ
عَنَاصِرُ صَغِيرَةٌ، كَالضَّوْءِ الْأَخْضَرِ فِي آخِرِ الْخَلِيجِ، إِلَى
رُمُوزٍ كُبْرَى لِلرَّغْبَةِ وَالْأَمَلِ وَالْمُسْتَقْبَلِ الْمُرَاوِغِ. وَقَدْ
أَجْمَعَ النُّقَّادُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَبْرَزِ النُّصُوصِ الَّتِي صَوَّرَتِ
انْهِيَارَ الْحُلْمِ الْأَمْرِيكِيِّ وَتَفَكُّكَ الْقِيَمِ الْأَخْلَاقِيَّةِ
فِي عَصْرِ الْمَالِ وَالْمُتْعَةِ.)
أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ
وَالسِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ
تَرَكَتْ «غاتسبي العظيم» أَثَرًا عَمِيقًا فِي
الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَصْبَحَتْ مَرْجِعًا لِكُلِّ مَنْ يَدْرُسُ
مَوْضُوعَاتِ الْهُوِيَّةِ وَالطُّمُوحِ وَالطَّبَقَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. كَمَا
أُلْهِمَتْ مِنْهَا أَعْمَالٌ رِوَائِيَّةٌ وَدِرَاسَاتٌ نَقْدِيَّةٌ لَا تُحْصَى.
وَفِي السِّينِمَا، حُوِّلَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى
عِدَّةِ أَفْلَامٍ وَمَسْرَحِيَّاتٍ وَأَعْمَالٍ تِلْفَازِيَّةٍ، وَمِنْ
أَشْهَرِهَا فِيلْمُ سَنَةِ 2013 الَّذِي أَعَادَ تَقْدِيمَ الْقِصَّةِ لِجِيلٍ
جَدِيدٍ مِنَ الْمُشَاهِدِينَ)
أَمَّا فَلْسَفِيًّا، فَالرِّوَايَةُ تَطْرَحُ
أَسْئِلَةً وُجُودِيَّةً حَوْلَ مَعْنَى النَّجَاحِ، وَحُدُودِ الرَّغْبَةِ،
وَإِمْكَانِيَّةِ اسْتِعَادَةِ الْمَاضِي. وَهِيَ أَسْئِلَةٌ مَا زَالَتْ
تُؤَرِّقُ الْإِنْسَانَ حَتَّى الْيَوْمِ
اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ
مِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ:
«كَانَ غَاتْسْبِي يُؤْمِنُ بِالضَّوْءِ
الْأَخْضَرِ، بِذَلِكَ الْمُسْتَقْبَلِ الْمُبْتَعِدِ الَّذِي يَفِرُّ مِنَّا
عَامًا بَعْدَ عَامٍ».
وَهُوَ اقْتِبَاسٌ يُلَخِّصُ جَوْهَرَ الرِّوَايَةِ
كُلِّهَا: السَّعْيُ الدَّائِمُ نَحْوَ حُلْمٍ يَبْدُو قَرِيبًا وَيَبْقَى
بَعِيدًا.
رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ
أَرَى أَنَّ «غاتسبي العظيم» لَيْسَتْ مُجَرَّدَ
حِكَايَةِ حُبٍّ مَأْسَاوِيَّةٍ، بَلْ مِرْآةٌ لِلطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ
نَفْسِهَا. فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ ضَوْءًا أَخْضَرَ
خَاصًّا بِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ يَطَارِدُ صُورَةً مَا لِلسَّعَادَةِ أَوِ
النَّجَاحِ أَوِ الْحُبِّ. وَمَا يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ عَظِيمَةً هُوَ أَنَّهَا
لَا تُقَدِّمُ أَجْوِبَةً جَاهِزَةً، بَلْ تَتْرُكُنَا وَنَحْنُ نُفَكِّرُ فِي
أَحْلَامِنَا الشَّخْصِيَّةِ وَفِي الْأَثْمَانِ الَّتِي نَدْفَعُهَا فِي
سَبِيلِهَا.
وَهَكَذَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا
الْيَوْمَ. إِذَا كُنْتُمْ قَدْ قَرَأْتُمْ «غاتسبي العظيم»، فَاسْأَلُوا
أَنْفُسَكُمْ: هَلْ كَانَ غَاتْسْبِي ضَحِيَّةَ الْحُلْمِ أَمْ ضَحِيَّةَ
الْوَهْمِ؟
أَمَّا فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ فَسَنَرْحَلُ
إِلَى رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ
مَعًا عَالَمًا جَدِيدًا مِنَ الْأَفْكَارِ وَالْأَسْئِلَةِ وَالْمُفَاجَآتِ.
إِلَى اللِّقَاءِ.
المقال مُهَيَّأ للإلقاء الصوتي في بودكاست أدبي،
مع ضبطٍ لغويٍّ كامل وعناوين واضحة تسهّل التسجيل الصوتي والنشر.







0 التعليقات:
إرسال تعليق