تبدو حركة النشر العربي في النصف الثاني من أغسطس 2026 أكثر تنوعًا مما قد توحي به الواجهات التجارية للكتب، إذ لا تهيمن الرواية وحدها على المشهد، ولا يستأثر الأدب المترجم بالاهتمام، بل تتجاور على الرفوف الجديدة الرواية الفلسطينية والكردية، والأنثروبولوجيا، والفكر السياسي، والسيكولوجيا الرقمية، والذاكرة العراقية، والتراث المغربي، ودراسات الصراع والضغط السياسي، في مشهد يؤكد أن الكتاب العربي ما زال يحاول أن يلاحق الأسئلة الكبرى التي يتغير بها العالم من حولنا.
ويحتاج الحديث عن «الكتب الصادرة في الأيام الأخيرة» إلى شيء من الحذر المنهجي، لأن تاريخ نشر خبر عن كتاب في صحيفة ثقافية لا يطابق دائمًا تاريخ صدوره الفعلي عن الدار، كما أن بعض منصات التوزيع تعيد إدراج أعمال منشورة قبل أسابيع أو أشهر في قوائم «صدر حديثًا» عند وصول دفعات جديدة منها إلى المخازن. لذلك تستند هذه الجولة أساسًا إلى الإعلانات الجديدة التي ظهرت بين مطلع أغسطس و20 أغسطس 2026، مع الاستئناس بصفحات الناشرين الرسمية كلما كانت متاحة.
«أشيرا: وفي حكاية أخرى»… فلسطين تستعيد أسطورتها من قلب الفناء
من أحدث الإصدارات التي دخلت المشهد الثقافي العربي رواية «أشيرا: وفي حكاية أخرى» للكاتب الفلسطيني مروان عبد العال، التي أعلنت «الضفة الثالثة» صدورها يوم 20 أغسطس عن أكاديمية دار الثقافة ودار الفارابي في بيروت. وتستمد الرواية عنوانها من «أشيرا»، الاسم الكنعاني الذي يتحول داخل العمل من مجرد شخصية إلى رمز للخلق في مواجهة الفناء، وإلى صورة سردية للبحث عن الأبناء المفقودين وللوطن الممزق بالحرب والمنفى.
تكمن جاذبية هذا الكتاب، قبل قراءته الكاملة حتى، في الطريقة التي يحاول بها استعادة الأسطورة من المتحف وإدخالها إلى المأساة الفلسطينية المعاصرة. فالأم الباحثة عن أبنائها ليست شخصية عائلية فحسب، وإنما مرآة لوطن يبحث بدوره عن أجزائه وعن ذاكرته وعن حقه في تسمية الأشياء بأسمائها الأولى. وهنا تصبح الأسطورة أداة مقاومة للطمس وليست مجرد زخرفة سردية، ويغدو استدعاء الجذر الكنعاني محاولة لربط الفلسطيني المعاصر بتاريخ أعمق من تاريخ الصراع السياسي الحديث.
ويكتسب صدور الرواية عن دار الفارابي في بيروت دلالة إضافية، لأن الدار ظلت منذ عقود حاضرة في نشر الفكر والأدب والقضايا العربية، بينما يأتي العمل نفسه في سياق أدبي فلسطيني تتقدم فيه أسئلة الذاكرة والاقتلاع والمنفى إلى الصفوف الأولى من الكتابة الجديدة.
كلود ليفي شتراوس يصل العربية في «البنى الأولية للقرابة»
ومن أبرز أحداث النشر الفكري في هذه الأيام صدور الترجمة العربية لكتاب «البنى الأولية للقرابة» لعالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود ليفي شتراوس ضمن سلسلة «ترجمان» التي يصدرها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وتحدد صفحة المركز الرسمية تاريخ الإصدار في 17 أغسطس 2026، بترجمة شوقي دويهي، في 784 صفحة.
الحديث هنا لا يتعلق بكتاب عادي ينتقل من الفرنسية إلى العربية بعد عقود من صدوره، بل بأحد النصوص المؤسسة للأنثروبولوجيا البنيوية. فالعمل المنشور أصلًا سنة 1949 يحاول فهم القرابة والزواج والمحظورات الاجتماعية والتبادل بوصفها مفاتيح لفهم الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة، ولذلك بقي مرجعًا رئيسيًا في الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والفكر البنيوي طوال النصف الثاني من القرن العشرين.
أهمية هذه الترجمة تتجاوز التخصص الأكاديمي الضيق. فالمكتبة العربية عرفت ليفي شتراوس أساسًا عبر شروح ومقتطفات وترجمات لأعمال أخرى، بينما يتيح وصول كتاب بهذا الحجم إلى العربية إعادة الاقتراب من أحد النصوص التي أثرت في النقد الأدبي واللسانيات والفلسفة والتحليل الثقافي، بل وفي فهم الأنظمة الرمزية التي تنتج بها المجتمعات معنى القرابة والمحظور والتبادل والهوية.
وتؤكد هذه الخطوة كذلك أن سلسلة «ترجمان» تواصل مشروعها في نقل الأعمال المرجعية في العلوم الإنسانية إلى القارئ العربي بدل الاقتصار على الكتب الرائجة أو السريعة التداول، وهو رهان ضروري إذا كانت الثقافة العربية تريد بناء مكتبة معرفية تستطيع الجامعات والأجيال الجديدة الرجوع إليها.
«سُحور أفعى الثوم»… الفانتازيا الكردية تدخل العربية
وفي السرد المترجم، أعلنت «الضفة الثالثة» في 17 أغسطس صدور الرواية الأولى للشاعر الكردي السوري جوان قادو بعنوان «سُحور أفعى الثوم» عن منشورات إبييدي في القاهرة، بترجمة الشاعر جوان تتر إلى العربية.
ينتمي العمل إلى منطقة نادرة نسبيًا في الترجمة العربية، حيث تتقاطع ذاكرة الطفولة الكردية مع الحكاية الشعبية والفانتازيا والسخرية السوداء. تبدأ الرواية من عالم القرية وبيت الجدة وأكوام الثوم والحكايات التي يسمعها الطفل من الكبار، ثم تظهر أفعى غريبة تتكلم وتفكر وتفتح الباب أمام انتقال السرد من التفاصيل اليومية البسيطة إلى فضاء رمزي تتشابك فيه البراءة والخوف والمعرفة.
وما يجعل هذا الإصدار مهمًا ليس غرابة حكايته فقط، بل انتقال جزء من المخيلة الكردية إلى العربية مباشرة. فالترجمة هنا لا تربط العربية بلغة أوروبية مهيمنة كما يحدث في نسبة كبيرة من سوق الترجمة، وإنما تفتح قناة داخل المجال الثقافي للمنطقة نفسها، بين تجربة كردية سورية وقارئ عربي.
هذا النوع من الترجمة ضروري لتوسيع مفهوم «الأدب العربي المعاصر» من مجرد أدب مكتوب بالعربية إلى فضاء أوسع للحوار بين اللغات والهويات والذاكرات التي تعيش داخل الجغرافيا الثقافية نفسها.
«مقدمة مختصرة في الليبرالية»… تفكيك مفهوم يُستعمل أكثر مما يُقرأ
ويبرز أيضًا كتاب «مقدمة مختصرة في الليبرالية» للمنظّر السياسي البريطاني مايكل فريدن، بترجمة الباحث المصري محمد عبده أبو العلا، ضمن سلسلة «ترجمان» للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وقد قدمته «الضفة الثالثة» ضمن الإصدارات الحديثة في 15 أغسطس، فيما تؤكد صفحة المركز أن الطبعة العربية الأولى صادرة سنة 2026 في 216 صفحة.
قيمة الكتاب نابعة من أنه يتناول مصطلحًا من أكثر المفاهيم السياسية تداولًا وسوء استخدام في النقاش العربي. فالليبرالية تتحول أحيانًا إلى كلمة مدح، وأحيانًا أخرى إلى تهمة، بينما يحاول فريدن التعامل معها باعتبارها عائلة فكرية وتاريخية متعددة الفروع لا عقيدة واحدة مغلقة.
ويشرح الكتاب سبعة مفاهيم مركزية يراها المؤلف في البنية الليبرالية، من بينها الحرية والعقلانية والفردية والتقدم والمصلحة العامة والسلطة المحدودة والخاضعة للمساءلة، لكنه يؤكد أن ترتيب هذه المفاهيم يختلف بين صيغة ليبرالية وأخرى، ولهذا لا توجد «ليبرالية» واحدة نهائية يمكن اختزال تاريخها كله في تعريف قاموسي.
في السياق العربي الراهن، تبدو ترجمة هذا النوع من الأعمال أكثر أهمية من ترجمة الكتب السياسية المرتبطة بالأحداث اليومية، لأنها تمنح القارئ أدوات لفهم المصطلح نفسه قبل الدخول في الصراع حوله.
«السيكولوجيا الرقمية»… عندما تصبح الخوارزمية ساحة حرب نفسية
ومن أكثر الكتب اتصالًا بتحولات عصرنا كتاب «السيكولوجيا الرقمية: في عصر حروب الجيل الخامس» لعبد المطلب عبد القادر حجّاج، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في 624 صفحة. وقد أعادت «الضفة الثالثة» تقديمه ضمن «صدر حديثًا» يوم 18 أغسطس، بينما تشير الصفحة الرسمية للناشر إلى صدوره في أواخر يوليو 2026، ولذلك يمكن اعتباره من أبرز إصدارات الأسابيع الأخيرة وليس بالضرورة إصدار يوم 18 أغسطس نفسه.
الكتاب مهم لأنه يضع علم النفس في قلب النقاش حول الذكاء الاصطناعي والخوارزميات والتضليل الإعلامي والحروب السيبرانية. فالصراع الحديث، وفق الأطروحة التي يعرضها المؤلف، لا يعتمد على السلاح المباشر وحده، بل على القدرة على التأثير في الإدراك والعاطفة والقرار والرأي العام.
ويناقش العمل الشائعات الرقمية، والمعلومات المضللة، والاستقطاب، والتطرف السياسي، والتزييف العميق، والعمليات الانتخابية، والحروب الثقافية، وإعادة تشكيل الهوية الجمعية، ويقترح مفهوم «السيكولوجيا الرقمية» إطارًا لدراسة التفاعل بين التكنولوجيا والسلوك الإنساني.
وإذا كان الأمن السيبراني يُفهم عادة باعتباره حماية الأجهزة والشبكات والبيانات، فإن هذا الكتاب ينقل السؤال إلى مستوى آخر: ماذا عن حماية الوعي نفسه؟ وماذا يحدث عندما تصبح الخوارزمية قادرة على معرفة مخاوف الفرد ورغباته ونقاط ضعفه ثم استخدام هذه المعرفة للتأثير في قراراته؟
هذا السؤال وحده يجعل الكتاب متصلًا مباشرة بالنقاش العالمي الراهن حول الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل ومستقبل الديمقراطية والإعلام.
«قدر في هذا المشرق»… الذاكرة السياسية تتحول إلى وثيقة
وفي مجال المذكرات السياسية، يستمر حضور كتاب وليد جنبلاط «قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل» الصادر عن دار نوفل/هاشيت أنطوان، والذي أعادت المواقع الثقافية تقديمه بقوة خلال أغسطس. وتحدد صفحة هاشيت أنطوان الرسمية تاريخ نشره في 22 يوليو 2026، في 296 صفحة.
يستعيد جنبلاط في الكتاب خمسة عقود من تاريخ لبنان والمشرق، من الحرب الأهلية اللبنانية وتعقيداتها إلى التحالفات الإقليمية والاغتيالات والتحولات التي مر بها لبنان وسوريا والقضية الفلسطينية، ويقرأها من موقع الفاعل السياسي الذي كان داخل عدد كبير من هذه الأحداث لا من موقع المؤرخ اللاحق فقط.
ومن هنا تبرز القيمة المزدوجة للمذكرات السياسية: فهي من جهة شهادة لا يمكن تجاهلها، ومن جهة أخرى رواية ذاتية للأحداث ينبغي قراءتها نقديًا ومقارنتها بوثائق وشهادات أخرى. فالسياسي الذي يكتب تاريخه يكتب أيضًا صورته داخل ذلك التاريخ، ولهذا تكون المذكرات مادة للقراءة والمساءلة معًا.
ووجود الكتاب ضمن منشورات نوفل/هاشيت أنطوان يربطه كذلك بشبكة نشر عربية ذات امتداد دولي، وهو ما يعزز وصول مثل هذه الشهادات إلى قراء خارج المجال اللبناني المباشر.
«كلب الحرب الذي عض طفولتنا ومضى»… العراق يكتب ذاكرة ثلاثة عقود من النار
ومن العراق يأتي عنوان يكاد يحمل قصيدة كاملة في داخله: «كلب الحرب الذي عض طفولتنا ومضى» للشاعر والأكاديمي عقيل حبيب، الصادر عن دار وتريات للنشر والطباعة في بابل، والذي أُعلن عنه في 12 أغسطس 2026 ويضم 23 قصيدة نثرية.
يستعيد الديوان آثار الحروب العراقية المتلاحقة، من الحرب العراقية الإيرانية إلى حرب الخليج وصولًا إلى أحداث 2003 وما تبعها، لكن مركز الرؤية ليس الجنرال ولا الخريطة ولا البيان العسكري، وإنما الإنسان الذي مرت الحرب فوق طفولته وتركت أثرها في ذاكرته ولغته ونظرته إلى المستقبل.
إنها زاوية شديدة الدلالة في الأدب العراقي المعاصر، إذ تحولت الحرب خلال العقود الماضية من موضوع سياسي إلى بنية عميقة داخل الشعر والرواية والسيرة. فالكاتب العراقي لا يعود إليها بالضرورة من أجل تسجيل الوقائع، وإنما لاستعادة ما فعلته في الذاكرة الفردية وفي اللغة وفي العلاقات وفي معنى البيت والغياب والانتظار.
ويشير عنوان المجموعة نفسه إلى أن الحرب قد تنتهي رسميًا، لكن عضتها تظل موجودة في الذاكرة بعد أن تنصرف الدبابات ويصمت الرصاص.
إيلان بابيه و«اللوبي الصهيوني على ضفتي المحيط الأطلسي»
ومن الكتب الفكرية والسياسية التي برزت خلال أغسطس الترجمة العربية لكتاب المؤرخ إيلان بابيه «اللوبي الصهيوني على ضفتي المحيط الأطلسي»، بترجمة أحمد حسن المعيني، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. وقد قدم «العربي الجديد» الكتاب في 4 أغسطس باعتباره ترجمة حديثة تتتبع تاريخ جماعات الضغط الصهيونية وآليات عملها في بريطانيا والولايات المتحدة.
تأتي أهمية الكتاب من محاولة تجاوز الصورة التبسيطية لفكرة «اللوبي» بوصفه قوة غامضة تعمل من وراء الستار، والعودة بدل ذلك إلى التاريخ والوثائق والشبكات والمؤسسات ومسارات تشكل النفوذ السياسي والإعلامي.
وسواء اتفق القارئ مع استنتاجات بابيه كلها أم اختلف معها، فإن صدور كتاب من هذا النوع بالعربية يضيف مادة جديدة إلى مكتبة الدراسات المتعلقة بفلسطين وإسرائيل والسياسة الغربية، ويمنح القارئ فرصة للانتقال من الشعارات العامة إلى قراءة تاريخية أكثر تفصيلًا.
كما يواصل الكتاب الحضور القوي لفلسطين داخل خريطة النشر العربي لعام 2026؛ ليس فقط في الرواية والشعر، بل في التاريخ والفكر والدراسات السياسية أيضًا.
المغرب: الصناعة التقليدية تتحول من «حرفة» إلى أرشيف ثقافي
وعلى مستوى الإصدارات المغربية، برز خلال أغسطس كتاب الباحث الزبير مهداد «الصناعة التقليدية المغربية: حافظة التراث الثقافي»، الصادر عن دار نشر المعرفة بالرباط. وقد أعلنت هسبريس صدوره في 6 أغسطس، فيما عاد موقع Le360 إلى تقديمه يوم 11 أغسطس.
يتناول الكتاب الصناعات المعدنية والجلدية والنسيجية والخشبية والطينية والزليج والنقش على الجص والزخرفة والعمارة التقليدية، محاولًا قراءة الصناعة التقليدية لا باعتبارها مجموعة منتجات سياحية أو حرفًا مهددة بالانقراض فحسب، وإنما باعتبارها خزانًا للذاكرة الثقافية المغربية.
وتزداد أهمية هذا المنظور مع التحولات السريعة التي تعرفها المدن المغربية وأنماط الاستهلاك والإنتاج. فالحرفة لا تحمل وظيفة اقتصادية فقط، وإنما تحتفظ داخل أدواتها وأشكالها وزخارفها بذاكرة اجتماعية كاملة: أسماء المواد، تقنيات الصناعة، تقسيم العمل، العلاقة بين المعلم والمتعلم، وأنماط الجمال التي تكونت عبر أجيال.
ومن هذه الزاوية يصبح الحفاظ على الصناعة التقليدية جزءًا من الحفاظ على المعرفة نفسها، لأن اختفاء حرفة قد يعني اختفاء قاموس كامل من المهارات والمصطلحات والرموز وأساليب النظر إلى المادة والجمال.
ماذا تقول لنا هذه الموجة الجديدة عن الكتاب العربي؟
الجامع بين هذه الإصدارات ليس موضوعًا واحدًا وإنما الذاكرة بأشكالها المختلفة. مروان عبد العال يستعيد ذاكرة فلسطين عبر الأسطورة، وجوان قادو يعود إلى ذاكرة الطفولة الكردية، وعقيل حبيب يستحضر طفولة عراقية عضتها الحرب، والزبير مهداد يوثق ذاكرة الحرف المغربية، ووليد جنبلاط يعيد تركيب ذاكرة نصف قرن سياسي، فيما يعيد ليفي شتراوس فتح سؤال البنى التي تنتظم بها المجتمعات والقرابة والتبادل.
إلى جانب الذاكرة يبرز محور ثانٍ هو السلطة: سلطة الأيديولوجيا في كتاب الليبرالية، وسلطة الخوارزمية في «السيكولوجيا الرقمية»، وسلطة جماعات الضغط في كتاب إيلان بابيه، وسلطة الحرب والاحتلال والنفي في الرواية والشعر.
أما المحور الثالث فهو الترجمة بوصفها بنية مركزية في الثقافة العربية المعاصرة. فصدور ليفي شتراوس ومايكل فريدن وجوان قادو بالعربية يؤكد أن الترجمة لم تعد نشاطًا هامشيًا، بل إحدى الطرق الأساسية التي تعيد بها المكتبة العربية تحديث أسئلتها وربط نفسها بالنقاشات الفكرية العالمية.
ومن الملاحظ كذلك أن خريطة النشر لم تعد محصورة في العواصم التقليدية وحدها. بيروت ما تزال حاضرة بقوة عبر دار الفارابي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر وهاشيت أنطوان، والقاهرة تستمر مركزًا مهمًا للنشر والترجمة، والدوحة تبني عبر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مشروعًا معرفيًا واسعًا، فيما تأتي كتب من بابل والرباط وغيرها لتؤكد أن المركز الثقافي العربي أصبح أكثر تعددًا.
الكتاب الجديد بين سرعة المنصة وبطء القراءة
ثمة مفارقة أخرى تكشفها متابعة هذه الإصدارات. فالكتاب نفسه، وهو أكثر الأشكال الثقافية ارتباطًا بالقراءة البطيئة والتأمل، أصبح يصل إلينا اليوم بواسطة خوارزميات ومنصات سريعة؛ خبر في موقع ثقافي، صورة غلاف على شبكة اجتماعية، منشور للناشر، مقطع فيديو قصير، أو ترتيب في متجر إلكتروني.
وقد أدى ذلك إلى تسريع اكتشاف الكتب، لكنه خلق في الوقت نفسه التباسًا بين «الكتاب الجديد» و«الكتاب الذي ظهر لي الآن». قد يكون العنوان منشورًا منذ أشهر ثم يعيده حدث أو مراجعة أو معرض للكتاب إلى واجهة التداول، بينما قد يصدر كتاب مهم بالفعل ولا يصل إلى القارئ لأن خوارزمية المنصة لم تدفعه إلى الشاشة.
لهذا أرى أن متابعة الجديد في النشر تحتاج اليوم إلى قارئ يمارس نوعًا من التحرير الثقافي بنفسه: يقارن تاريخ الخبر بتاريخ صفحة الناشر، ويميز الطبعة الجديدة من الإصدار الأول، ولا يسمح لقائمة «الأكثر مبيعًا» بأن تتحول إلى القائمة الوحيدة التي تحدد له ما يستحق القراءة.
رفوف لا تزال قادرة على المقاومة
الحصيلة الأوضح لهذه الجولة أن الكتاب العربي، على الرغم من أزمات التوزيع وارتفاع كلفة الطباعة والمنافسة الشرسة من الشاشة والمنصات، لا يزال قادرًا على إنتاج التنوع. فمن فلسطين إلى العراق، ومن المغرب إلى لبنان والقاهرة والدوحة، تستمر الكتب في مساءلة الحرب والهوية والذاكرة والأسطورة والليبرالية والخوارزمية والتراث.
ولعل القيمة الحقيقية لهذه الإصدارات لا تكمن في عدد العناوين التي تصل إلى المكتبات كل أسبوع، بل في قدرتها على إبقاء السؤال الثقافي مفتوحًا. فالكتاب الذي يستحق مكانه في مكتبتنا ليس بالضرورة الكتاب الذي يتصدر منصة البيع يومًا أو أسبوعًا، وإنما الكتاب الذي يترك بعد القراءة سؤالًا جديدًا، أو يزعزع يقينًا قديمًا، أو يعيد إلينا جزءًا من ذاكرة كنا على وشك أن نفقدها.
وبهذا المعنى، تبدو رفوف أغسطس 2026 أكثر من مجرد حصيلة تجارية لموسم نشر جديد؛ إنها خريطة مصغرة للأسئلة التي تشغل الثقافة العربية الآن: ماذا نفعل بذاكرتنا؟ من يصوغ وعينا؟ ما الذي تفعله الحرب في اللغة؟ وما الذي تفعله الخوارزميات في عقولنا؟ وكيف نعيد قراءة التاريخ والفكر والتراث من دون أن تتحول الثقافة إلى مجرد خبر آخر يمر سريعًا على شاشة الهاتف؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق