يستعد معهد العالم العربي بباريس، بعد انتهاء برنامجه الصيفي، لدخول موسم ثقافي جديد كثيف خلال خريف 2026، يجمع بين المعارض الأثرية والفنون التشكيلية والتصوير الفوتوغرافي والسينما والموسيقى والشعر والرواية واللقاءات الفكرية. وتؤكد الأجندة المنشورة على موقع المؤسسة أن المعهد يواصل أداء دوره باعتباره واحداً من أبرز الجسور الثقافية بين العالم العربي وأوروبا، إذ يشير إلى تنظيم نحو 1500 نشاط وفعالية ثقافية سنوياً، تشمل المعارض والحفلات والورشات والمهرجانات والجولات واللقاءات.
واللافت في برمجة الأشهر المقبلة أنها لا تقدم «العالم العربي» باعتباره كتلة ثقافية واحدة، وإنما تتنقل بين لبنان وليبيا والجزائر وتونس والمغرب وفلسطين والأندلس، مستعيدة التاريخ تارة، ومفسحة المجال للأدب والسينما والفن المعاصر تارة أخرى.
«جبيل، مدينة لبنان الألفية» تودع جمهور باريس
يختتم المعهد يوم 23 غشت 2026 معرضه الكبير «Byblos, cité millénaire du Liban» ــ «جبيل، مدينة لبنان الألفية»، الذي انطلق في 24 مارس. ويعيد المعرض بناء تاريخ واحدة من أقدم المدن اللبنانية، ويقدمها بوصفها أحد الموانئ الكبرى التي ربطت الساحل اللبناني القديم بمصر وبلاد ما بين النهرين والعالم الإيجي، كما يبرز دور جبيل في التاريخ المتوسطي وفي انتشار الأبجدية الفينيقية. ويضم المعرض نحو 400 قطعة أثرية، بينها أعمال ذهبية وأوانٍ وتماثيل ولقى مرتبطة بالمقابر الملكية والمعابد، إضافة إلى نتائج حفريات حديثة كشفت أجزاء جديدة من الميناء القديم ومقبرة تعود إلى العصر البرونزي.
أهمية المعرض لا تكمن في الاحتفاء بموقع أثري لبناني فحسب، بل في إظهار البحر الأبيض المتوسط باعتباره فضاءً للتبادل والتجارة وانتقال اللغات والرموز منذ آلاف السنين. فالمدينة التي بدأت تجمعاً للصيادين تحولت لاحقاً إلى دولة-مدينة مرتبطة بالفراعنة وبشبكات التجارة الكبرى، وهو ما يجعل قصة جبيل في المعرض أيضاً قصة عن بدايات العولمة المتوسطية القديمة.
«ليبيا، تراث مكشوف».. الآثار تواجه النسيان والاتجار غير المشروع
يستمر إلى 20 أكتوبر 2026 معرض «Libye, patrimoine révélé» ــ «ليبيا، تراث مكشوف»، وهو من أكثر المعارض الحالية إثارة للاهتمام، لأنه يضع التراث الليبي في قلب النقاش الثقافي بعد سنوات ارتبط خلالها اسم البلاد في الأخبار بالحرب والانقسام السياسي أكثر مما ارتبط بتاريخها الأثري الاستثنائي.
يعتمد المعرض على الصور والفيديوهات والوثائق الخاصة بما يقارب نصف قرن من أعمال البعثة الأثرية الفرنسية في ليبيا بالتعاون مع السلطات الليبية. ويأخذ الزائر إلى مواقع متعددة تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة الإسلامية، مثل لبدة الكبرى وأبولونيا وبونجم وسرت ومناطق من الصحراء الليبية وساحل برقة، كما يقدم نتائج حفريات تحت الماء في الموانئ القديمة.
ويتجاوز المعرض الجانب الجمالي إلى قضية سياسية وثقافية شديدة الحساسية، هي حماية الآثار الليبية من النهب والاتجار غير المشروع، وهي ظاهرة يقول المعهد إنها تفاقمت منذ سنة 2011. وهنا يتحول الأثر من موضوع للفرجة المتحفية إلى وثيقة تتعلق بالسيادة الثقافية وحق المجتمع الليبي في ذاكرته.
الفن علاجاً: ذاكرة مستشفى البليدة وفرانتز فانون
يواصل متحف المعهد إلى 3 يناير 2027 تقديم معرض «Tenter l’art pour soigner» حول التجربة الفنية داخل مستشفى البليدة-جوانفيل للأمراض النفسية في الجزائر خلال ستينيات القرن الماضي.
تعود مادة المعرض إلى هبة حصل عليها المتحف سنة 2021 وتضم أرشيفات وخزفيات ولوحات منفذة بالغواش أنجزها مرضى المستشفى خلال ورشات للعلاج الاجتماعي في أواخر الستينيات. ويربط المعرض هذه التجربة بإرث الطبيب والمفكر فرانتز فانون الذي اشتغل في مستشفى البليدة بين 1953 و1956 وسعى إلى القطع مع أنماط الطب النفسي الاستعماري وتطوير ممارسات تراعي البيئة الاجتماعية والثقافية للمرضى.
تكمن فرادة هذا المشروع في أنه لا يعرض رسومات المرضى باعتبارها مجرد فضول طبي، بل يمنح أصحابها حضوراً إنسانياً وفنياً، ويفتح سؤالاً أكبر عن العلاقة بين الإبداع والصحة النفسية والاستعمار. إنه معرض يضع الفن في المكان الذي لا نتوقعه عادة: داخل المؤسسة العلاجية، حيث يتحول الرسم والموسيقى والنشاط الجماعي إلى إمكانات للتعبير واستعادة الذات.
شتنبر: انطلاقة موسم ثقافي جديد
كزافييه لوكلير وبنجامين ستورا: الجزائر والتجارب النووية الفرنسية في قلب الرواية
تبدأ اللقاءات الأدبية البارزة يوم 12 شتنبر 2026 باستضافة الكاتب Xavier Le Clerc حول روايته الجديدة «Le garçon ébloui»، في حوار مع المؤرخ المعروف Benjamin Stora.
تنطلق أحداث الرواية من الجزائر سنة 1959، حيث يجد طفل يدعى إدير نفسه وحيداً بعد أن دمر النابالم منطقته في وادي الصومام، قبل أن يتكفل به مدرس شاب مجند في الجيش الفرنسي. ويتجه مسارهما نحو رقان في الصحراء، في اللحظة التي كانت فرنسا تستعد فيها لإجراء تجاربها النووية الأولى. وتقام الندوة في مكتبة المعهد يوم 12 شتنبر في السادسة مساء، والدخول مجاني مع الحجز.
يضع هذا اللقاء الأدب أمام واحدة من أكثر ملفات الذاكرة الفرنسية الجزائرية حساسية: الحرب والتجارب النووية والاستعمار. كما يمنح وجود بنجامين ستورا الرواية إطاراً تاريخياً يجعل النقاش يتجاوز حدود القراءة الأدبية إلى مساءلة الذاكرة الفرنسية والجزائرية المشتركة.
كريم عمّلال و«الحصة الجزائرية من فرنسا»
وفي 15 شتنبر يستضيف المعهد الكاتب والدبلوماسي الفرنسي الجزائري Karim Amellal لتقديم كتابه «La part algérienne de la France – Contribution au récit national».
ينطلق الكتاب من التاريخ السياسي والعائلي والشخصي لإعادة مساءلة موقع الجزائر داخل السردية الوطنية الفرنسية، ويتوقف عند صور الجزائر في المجتمع الفرنسي وعلاقتها بقضايا الهجرة والهوية والذاكرة والعلاقات الفرنسية الجزائرية. وقد شغل عمّلال منصب سفير فرنسا للمتوسط بين 2020 و2025. اللقاء مقرر في السابعة مساء، والدخول مجاني مع الحجز.
وتأتي أهمية الموعد من توقيته أيضاً، إذ تعيش العلاقات الفرنسية الجزائرية منذ سنوات على وقع توترات دورية، بينما يستمر حضور الذاكرة الاستعمارية والهجرة في قلب الجدل السياسي الفرنسي. يختار المعهد هنا مقاربة ثقافية وكتابية لقضية كثيراً ما تُختزل في السجال الدبلوماسي.
موسيقى الأعراس المغاربية بعيون الموسيقى المعاصرة
في 16 شتنبر عند الساعة السابعة مساء ينظم المعهد ضمن سلسلة «Les Escales musicales» لقاءً موسيقياً بعنوان «Chants de mariage du Maghreb vus par les musiques actuelles»، أي أغاني الزواج المغاربية كما تعيد الموسيقى المعاصرة قراءتها.
يشرف الموسيقي قيس السعدي Qaïs Saadi على هذه اللقاءات الشهرية التي تقوم على وضع تقاليد موسيقية مختلفة في حوار مباشر. والموعد مرتبط بالمعرض المقبل «Vive la mariée !»، ويقام داخل المتحف لمدة ساعة.
بالنسبة إلى الجمهور المغاربي، يبدو الحدث مهماً لأنه يعيد أغاني الزواج من فضائها الاحتفالي العائلي إلى مساحة البحث والإبداع الفني. فالموسيقى التقليدية لا تقدم هنا باعتبارها تراثاً مجمداً، وإنما مادة قابلة لإعادة القراءة والمزج والتجريب.
فلسطين بعدسة جوس دراي: صور ظلت ربع قرن بعيدة عن الجمهور
من 19 شتنبر إلى فاتح نونبر 2026 تحتضن مكتبة ليلى شهيد معرض «La Palestine photographiée par Joss Dray»، وهو من أبرز المواعيد التي أعلنتها أجندة المعهد.
ترجع الصور إلى مهمة أنجزتها المصورة الفرنسية Joss Dray لفائدة معهد العالم العربي سنة 2001، لكنها لم تعرض للجمهور من قبل. وثقت المصورة الحياة الفلسطينية اليومية داخل الأراضي الفلسطينية ومخيمات اللاجئين والشتات، وزارت مخيمات من بينها جباليا والشاطئ وقلنديا والدهيشة وجنين، فضلاً عن مخيمات في لبنان.
يزداد المعرض رمزية لأنه يقام تكريماً للاسم الجديد لمكتبة المعهد التي حملت اسم ليلى شهيد بعد رحيلها في فبراير 2026. والصور، بعد خمسة وعشرين عاماً من التقاطها، تكتسب اليوم معنى مضاعفاً؛ فهي ليست فقط توثيقاً للحياة الفلسطينية في مطلع الألفية، وإنما أرشيف لأماكن ووجوه وذاكرة تغير الكثير منها بصورة مأساوية.
المعرض مجاني، ويفتح من الثلاثاء إلى الأحد بين الواحدة والسابعة مساء.
رشيدة براكني و«الجزء الغائب»
يوم 22 شتنبر 2026 تنتقل الأجندة إلى الرواية الفرنسية ذات الجذور الجزائرية مع الممثلة والكاتبة رشيدة براكني Rachida Brakni التي تقدم روايتها الأولى «La part absente» الصادرة عن دار Stock في 19 غشت.
تدور الرواية حول كارينا لوروا، أو «كريمة» التي تخلت عن حرف واحد من اسمها وكأنها تقطع الجسر الذي يصلها بالضفة الأخرى من المتوسط. ومع تصدع الهوية التي بنتها تظهر جراح الطفولة وآثار حرب الجزائر. اللقاء يبدأ في السابعة مساء والدخول مجاني بالحجز.
إنه نموذج واضح لنوع الأدب الذي يمنحه المعهد مساحة خاصة: نصوص تنطلق من الحكاية الفردية لتصل إلى أسئلة الاندماج والاسم واللغة والذاكرة والهجرة، وهي موضوعات تشغل أجيالاً كاملة من الفرنسيين المنحدرين من بلدان المغرب.
السينما التونسية تدخل الأجندة
العرض الأول لفيلم «Kadar – The Sons of the Lord»
في مساء 22 شتنبر عند الثامنة يقدم المعهد عرضاً أول لفيلم المخرجة التونسية إيمان بن حسين Imen Ben Hassine، «Kadar – The Sons of the Lord».
الفيلم روائي تونسي مدته 110 دقائق، ويتتبع طبيباً شرعياً يزور تقارير التشريح بأوامر من منظمة قوية واسعة النفوذ. ويشارك في التمثيل تقلا شمعون ومهذب الرميلي ووجيهة الجندوبي. وهو أول فيلم روائي طويل للمخرجة إيمان بن حسين.
اختيار الفيلم يؤكد وظيفة معهد العالم العربي بوصفه أيضاً نافذة للسينما العربية في فرنسا، لا سيما للأعمال التي لا تجد دائماً طريقاً سهلاً إلى شبكات التوزيع التجارية الأوروبية.
الشعر الفلسطيني النسائي في قلب باريس
تعلن أجندة المعهد ليوم 26 شتنبر عن موعد ضمن سلسلة «Les Samedis de la poésie» مخصص لكتاب «Palestine en éclats»، وهو أنطولوجيا للشعر الفلسطيني النسائي المعاصر.
وتجمع الأنطولوجيا، التي أشرفت عليها الشاعرة نداء يونس وترجمها محمد قاسمي، أصوات شاعرات من فلسطين التاريخية وغزة والضفة الغربية والشتات. وتدور النصوص حول الذاكرة والمنفى والهوية والجسد وعلاقة الإنسان بالأرض.
اختيار الشعر النسائي تحديداً يسمح بالخروج من الصورة السياسية والإخبارية النمطية لفلسطين إلى تجربة ذاتية ولغوية تقودها النساء، حيث تصبح القصيدة طريقة لحفظ الذاكرة ومقاومة محو المكان.
«عاشت العروس!».. المغرب والجزائر وتونس في معرض كبير عن الزواج
ابتداء من 29 شتنبر 2026 وحتى 28 فبراير 2027 يقدم المعهد واحداً من مشاريعه الكبرى للموسم الجديد تحت عنوان «Vive la mariée !» ــ «عاشت العروس!».
يعرض المشروع حوالى أربعين زياً وحلية من المغرب والجزائر وتونس، تعود إلى القرنين التاسع عشر والعشرين ولم يسبق عرضها في فرنسا، ويضعها في حوار مع إبداعات 27 فناناً وفنانة معاصرين من بلدان المغرب وشتاتها، وغالبيتهم من النساء. ويتناول المعرض ملابس العروس والطقوس والجهاز والزينة والرموز والحماية والموسيقى والرقص والطعام والعلاقات بين الموروث الإسلامي واليهودي في المنطقة.
ويبدو الاختيار ذكياً لأنه يتعامل مع الزواج لا بوصفه طقساً فولكلورياً، وإنما مرآة للتحولات الاجتماعية. فملابس العروس وطقوس الاحتفال تحمل داخلها تاريخ الأسرة والمرأة والسلطة والطبقة والهوية والهجرة، فيما يطرح الفنانون المعاصرون أسئلة حول ما بقي من هذه الممارسات وما تغير منها.
ويمثل الحضور المغربي داخل هذه التظاهرة جانباً مهماً، إذ تأتي المعروضات من مجموعات مغربية إلى جانب الجزائرية والتونسية، بينما تشارك في المشروع أيضاً أسماء فنية تنتمي إلى المغرب وشتاته.
عشرون عاماً على تأسيس دار «إليزاد» التونسية
في مساء اليوم نفسه، 29 شتنبر، تحتفل المؤسسة بمرور عشرين عاماً على تأسيس دار النشر التونسية المستقلة elyzad، بمشاركة الكتاب جاد هلال وكريم قطان ويامن المناعي.
تأسست الدار في تونس سنة 2005، وراهنت منذ البداية على نشر أصوات أدبية من الجنوب ونقلها نحو الشمال، في سياق كانت الرقابة السياسية والتضييق على النشر جزءاً من الواقع التونسي. وتقدم الندوة ثلاثة كتاب تنتمي أعمالهم إلى فضاءات تونسية وفلسطينية ولبنانية وفرنكوفونية مختلفة.
يشكل الاحتفاء بـ«إليزاد» كذلك احتفاء بفكرة دار النشر العربية المستقلة القادرة على الوصول إلى السوق الفرنسية من دون التخلي عن جذورها الجنوبية، وهي قضية أساسية في تداول الأدب العربي المكتوب بالفرنسية أو المترجم إليها.
غزة تعود إلى الشاشة في «من بقي حياً؟»
في فاتح أكتوبر 2026 عند الساعة الثامنة مساء يعرض المعهد الفيلم الوثائقي «Qui vit encore» للمخرج السويسري نيكولا واديموف.
الفيلم إنتاج سويسري فرنسي لبناني مدته 114 دقيقة، ويعتمد على شهادات تسعة لاجئين من غزة تمكنوا من الخروج منها. على أرضية تحدد عليها بصورة مبسطة خريطة القطاع ومدنه ومخيماته وأحيائه، يستعيد المشاركون حياتهم السابقة والأشخاص الذين فقدوهم، في محاولة لإعادة بناء ذواتهم من خلال الكلام والذاكرة.
اختيار هذا الأسلوب يبتعد عن المشاهد التلفزيونية المعتادة للدمار، ويعيد الإنسان الفلسطيني من موقع «موضوع الخبر» إلى موقع الراوي الذي يمتلك صوته وسيرته وذاكرته.
نونبر: من الموسيقى العربية والفلامنكو إلى «أسرار الحمراء»
لقاء الموسيقى العربية بالفلامنكو
في 18 نونبر تنظم سلسلة «المحطات الموسيقية» لقاءً بين الموسيقى العربية والفلامنكو بإشراف الموسيقي قيس السعدي، تمهيداً للمعرض الكبير المخصص لقصر الحمراء.
يستند البرنامج إلى فكرة الحوار بين تقاليد تبدو متباعدة لكنها تحمل داخلها قروناً من التفاعل الأندلسي والمتوسطي. ويقام الحفل في السابعة مساء داخل المتحف.
«أسرار الحمراء».. الحدث الكبير لنهاية 2026
ابتداء من 24 نونبر 2026 وحتى 16 ماي 2027 يقدم معهد العالم العربي معرضه الضخم «Les secrets de l'Alhambra» ــ «أسرار الحمراء»، المخصص لقصر الحمراء في غرناطة في عصر السلاطين النصريين، ولا سيما عهد السلطان محمد الخامس في القرن الرابع عشر.
لا يكتفي المعرض بتقديم الحمراء كما تبدو اليوم، بل يحاول إعادة تصورها في ذروة ازدهارها، من خلال الأعمال الفنية وإعادة البناء والوسائط الغامرة. ويستكشف نافورة الأسود والماء والهندسة والزخرفة والكتابة العربية والألوان والمقرنصات والحدائق والاحتفالات السلطانية والعلاقات الفنية بين العالم الإسلامي والممالك المسيحية.
ويسعى المشروع أيضاً إلى تفسير النقوش التي تغطي جدران الحمراء بوصفها «صوت القصر»، إذ يعرض نماذج من الخطوط والآيات والأشعار والشعارات ويتيح للزائر سماع بعضها، كما يعيد بناء جوانب من الألوان الأصلية للقصر التي اختفت بفعل الزمن.
والمعرض ثمرة تعاون بين معهد العالم العربي وPatronato de la Alhambra y Generalife في غرناطة، ويتوقع أن يكون أحد أهم المعارض الأوروبية المخصصة للفن الإسلامي خلال موسم 2026-2027.
السينما ترافق الحمراء: وثائقي يوسف شاهين
ولا تتوقف البرمجة عند المعرض، إذ يرافقه مسار سينمائي. ففي 26 نونبر يعرض وثائقي «Alhambra, le trésor du dernier sultanat d’Espagne» لمارك جامبولسكي، ثم يعرض في 27 نونبر فيلم يوسف شاهين الشهير «المصير» الصادر سنة 1997، الذي يستعيد عالم الأندلس والفيلسوف ابن رشد.
إن جمع الآثار والعمارة والسينما داخل مشروع واحد يكشف عن فلسفة برمجة واضحة في المعهد: المعرض ليس حدثاً منفصلاً، وإنما نقطة انطلاق لموسيقى وأفلام ومحاضرات وورشات تسمح للجمهور بالدخول إلى الموضوع من أكثر من باب.
دجنبر: اللغة العربية والموسيقى الأمازيغية
وتصل الأجندة إلى 16 دجنبر 2026 مع محطة موسيقية جديدة تقام ضمن أسبوع اللغة العربية، ويصفها برنامج الحجز بأنها لقاء مع الموسيقى الأمازيغية والبربرية بقيادة قيس السعدي. ويقام الموعد في السابعة مساء داخل المتحف، مع فتحه استثنائياً في الفترة المسائية، والدخول معلن عنه مجاناً وفق صفحة الحجز الحالية.
هذا الموعد له رمزية خاصة في مؤسسة تحمل اسم «العالم العربي»، لأنه يوسع المفهوم الثقافي للمنطقة ويعترف بالتعدد اللغوي والموسيقي الذي شكل المغرب الكبير، حيث تتداخل العربية والأمازيغية والمتوسطية والإفريقية داخل المشهد الثقافي نفسه.
معهد العالم العربي يتحول إلى مختبر لذاكرة عربية متعددة
قراءة أجندة خريف 2026 تكشف أن معهد العالم العربي لا يبني برمجته حول فكرة واحدة عن الثقافة العربية. لبنان يحضر عبر آثار جبيل، وليبيا عبر مواقعها المهددة، والجزائر عبر فرانتز فانون والذاكرة الاستعمارية والأدب، وتونس عبر السينما ودار «إليزاد»، والمغرب والجزائر وتونس مجتمعة عبر طقوس الزواج، وفلسطين عبر الصورة والشعر والسينما، بينما تعود الأندلس من خلال قصر الحمراء والموسيقى والفيلم.
الأجندة تكشف أيضاً عن تحوّل واضح من العرض المتحفي الكلاسيكي إلى البرمجة المتقاطعة: معرض يتولد عنه حفل موسيقي، وصورة تقود إلى نقاش عن اللاجئين، ورواية تستدعي مؤرخاً، وقصر إسلامي يتحول إلى موضوع للسينما والموسيقى والوسائط الغامرة.
وبذلك يبدو موسم معهد العالم العربي المقبل في باريس أقرب إلى خريطة واسعة للذاكرة العربية والمتوسطية المعاصرة، تمتد من الأثر القديم إلى الخوارزميات المتحفية الحديثة، ومن الحلي وملابس الأعراس إلى القصيدة والرواية والفيلم الوثائقي. وهي أجندة تؤكد، مرة أخرى، أن الثقافة العربية في أوروبا لم تعد موضوعاً للعرض فقط، بل أصبحت مجالاً للنقاش وإعادة قراءة التاريخ وإنتاج فن جديد.
الأجندة الرسمية الكاملة والمحدثة لمعهد العالم العربي:
الاطلاع على جميع فعاليات معهد العالم العربي بباريس







0 التعليقات:
إرسال تعليق