ينتمي عبده حقي إلى جيل من الكتّاب المغاربة الذين لا ينظرون إلى الأدب باعتباره مجرد تمرين خاص على الخيال، بل يرونه وسيلة لمساءلة المجتمع والتاريخ واللغة والتكنولوجيا والمكان الهش الذي بات يحتله الإنسان في عالم سريع التحول. وتعكس تجربته الفكرية والأدبية مسار كاتب متجذر في الثقافة المغربية، لكنه في الوقت نفسه شديد الانتباه إلى التحولات الجارية خارج حدود المغرب.
ترتبط الكتابة لدى عبده حقي ارتباطًا وثيقًا بالملاحظة. فهي تنطلق من قناعة مفادها أن الكاتب ينبغي أن يظل يقظًا تجاه حركات المجتمع وتحولاته: التغير السياسي، والنقاشات الثقافية، والثورات التكنولوجية، والهجرة، والهوية، والذاكرة، والإعلام، والأشكال الجديدة للتواصل الإنساني. ولهذا فهو يتنقل بحرية بين الأدب والصحافة والتعليق الثقافي والتحليل السياسي والتفكير في العالم الرقمي.
وهذا التنوع يمثل إحدى السمات الأساسية لهويته الفكرية. فبدل أن يحصر نفسه في جنس أدبي واحد، يتعامل حقي مع الكتابة بوصفها ممارسة ثقافية واسعة. فالرواية والمقالة ومقال الرأي والكتابة الرقمية والنقد الأدبي وتحليل الإعلام تتحول لديه إلى فضاءات مترابطة يطرح من خلالها سؤالًا جوهريًا واحدًا: ماذا يحدث للإنسان حين يتغير العالم من حوله بوتيرة أسرع من قدرته على فهمه؟
يظل خياله الأدبي مرتبطًا بعمق بالمغرب. فالمدن المغربية، والعلاقات الاجتماعية، والخيبات الجماعية، والآمال، والتوترات السياسية، والصراعات بين الأجيال، تشكل في كثير من الأحيان الخلفية الوجدانية والفكرية لكتاباته. ومع ذلك فإن منظوره لا يبقى محليًا محضًا. فالمغرب يتحول في أعماله كثيرًا إلى نقطة انطلاق يستكشف منها قضايا عربية ومتوسطية وإفريقية وأوروبية وعالمية أوسع.
ويمنح هذا الانتقال بين المحلي والكوني كتابته طابعًا مميزًا. فهو يكتب من المغرب، لكنه لا يكتب عن المغرب وحده. إذ يتجه اهتمامه بصورة متزايدة نحو قضايا عالمية مثل أزمة المعنى، وتحول القراءة، وهيمنة الخوارزميات، ومستقبل الأدب، وقوة وسائل الإعلام، والعلاقة المتغيرة بين الإبداع الإنساني والذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز أبعاد مشروع عبده حقي الفكري الحديث تأمله المتواصل فيما يمكن تسميته بالحالة "الهجينة" للثقافة المعاصرة. ففي أبحاثه وتفكيره الأدبي، لم يعد الكاتب والقارئ والناقد شخصيات إنسانية معزولة تعمل خارج التكنولوجيا، بل دخلت جميعها في تفاعل دائم مع الآلات والمنصات ومحركات البحث والخوارزميات وقواعد البيانات والذكاء الاصطناعي.
ومن هذا المنظور، اشتغل حقي على مفاهيم الكاتب الهجين والقارئ الهجين والناقد الهجين. وهي مفاهيم تعبر عن تحول عميق في الثقافة الأدبية. فالكاتب أصبح يبدع في حوار مع الأدوات الرقمية، والقارئ يتلقى النصوص عبر أنظمة تكنولوجية تتحكم في الظهور والانتباه، والناقد صار يعمل بدرجة متزايدة داخل بيئة تصوغها البيانات والخوارزميات والتأويل المدعوم بالآلة.
غير أن هذا التحول التكنولوجي، في نظر حقي، لا يعني أن الدور الإنساني ينبغي أن يتراجع أو يختفي. بل على العكس، فإن إحدى القضايا المركزية في تفكيره تتمثل في الحفاظ على الحكم الإنساني. فالتكنولوجيا قد تسرّع الوصول إلى المعلومات وتوسع إمكانات الإبداع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى سلطة نهائية على المعنى.
ومن هنا برز لديه مفهوم السيادة الدلالية، أي حق الإنسان وقدرته على فحص المعاني التي تقترحها الأنظمة التكنولوجية، ومساءلتها، وقبولها أو رفضها، وإعادة تأويلها وبنائها. ففي عصر تؤثر فيه الخوارزميات بشكل متزايد في ما يقرأه الناس وما يشاهدونه وما يصدقونه وما يناقشونه، تصبح السيادة الدلالية، في فكر حقي، شكلًا ثقافيًا من أشكال الحرية.
وتكشف هذه الأسئلة أن كتابته ليست حنينية إلى الماضي. فهو لا يدافع ببساطة عن الكتاب الورقي في مواجهة الشاشة الرقمية، ولا يرفض الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوًا للأدب. بل إن موقفه أكثر تركيبًا. فهو مهتم بالإمكانات التي تفتحها التكنولوجيا، لكنه واعٍ أيضًا بالمخاطر التي تظهر عندما تحل السهولة محل التفكير النقدي، وعندما تتحول التوصية الخوارزمية إلى سلطة ثقافية خفية.
ولهذا تحتل كتابته موقعًا لافتًا بين التراث الأدبي والحداثة التكنولوجية. فهو ينتمي فكريًا إلى عالم الكتب والسرد والذاكرة والنقد الثقافي، لكنه في الوقت نفسه منخرط في المدونات والنشر الرقمي والأدب التفاعلي والذكاء الاصطناعي والإعلام الإلكتروني.
وقد ترك هذا الارتباط بالعالم الرقمي أثرًا واضحًا في نشاطه ككاتب ومعلق ثقافي. فمن خلال النشر على الإنترنت، تناول طيفًا واسعًا من الموضوعات، من بينها الحياة الثقافية المغربية، والكتب والنشر، والهجرة، وحقوق الإنسان، وتحولات الإعلام، والانتخابات، والشؤون الدولية، والفن، والسينما، والآثار الاجتماعية للتغير التكنولوجي.
وغالبًا ما تحمل كتابته الصحفية طاقة المقال الأدبي. فحتى حين يتناول أحداثًا راهنة، فإنه يميل إلى البحث عن المعنى الأوسع الكامن وراءها. فالأزمة السياسية تتحول إلى سؤال عن الذاكرة والسلطة، والتطور التكنولوجي يصبح سؤالًا عن حرية الإنسان، والحدث الثقافي يتحول إلى مناسبة للتفكير في الهوية والحضارة.
وهذا ما يفسر حضور ضمير المتكلم في كثير من نصوصه. فـ"الأنا" لديه ليست مجرد تعبير عن السيرة الذاتية، بل هي موقف من المسؤولية الفكرية. وبدل أن يتظاهر بالحديث من موقع حياد مستحيل، يقر الكاتب بحضوره داخل الحجة؛ فهو يلاحظ، ويسائل، ويختلف، ويفسر، ويتحمل مسؤولية تأويله.
وخلف هذا الصوت العمومي، تقف حساسية أدبية أكثر حميمية. فكتابته السردية والتأملية تكشف اهتمامًا متواصلًا بالذاكرة والفقدان والرغبة والخيبة والحب والتقدم في العمر والوحدة ومرور الزمن. وهذه الموضوعات تربط انشغالاته النظرية بالحقائق الوجدانية العميقة للوجود الإنساني.
بالنسبة إلى حقي، تظل قيمة الأدب قائمة في قدرته على حفظ ما لا تستطيع الأنظمة التكنولوجية قياسه بالكامل: التردد، والغموض، والتناقض، والصمت، والذاكرة، والعمق العاطفي. فالآلة قد تعالج ملايين الكلمات، لكن الأدب يبدأ حين تتحول الكلمات إلى تجربة معيشة.
ولهذا يمكن قراءة مساره الفكري بوصفه محاولة للدفاع عن المعنى الإنساني للكتابة من دون إنكار العالم التكنولوجي الذي أصبحت الكتابة موجودة في داخله.
وهناك أيضًا بعد مغربي واضح في هذا الطموح. فالأدب المغربي كان دائمًا مطبوعًا بالتعدد اللغوي والتقاطعات الثقافية والانفتاح الجغرافي. فاللغة العربية والأمازيغية والفرنسية والتأثيرات المتوسطية والإفريقية والأندلسية والعربية الأوسع تتقاطع جميعها داخل التاريخ الثقافي للبلاد. وتمتد كتابات حقي بهذا التقليد في عبور الحدود إلى العصر الرقمي.
إن الكاتب المغربي المعاصر، في رؤيته، لم يعد قادرًا على البقاء حبيس إطار أدبي وطني صرف. فقد غيّر النشر الرقمي جغرافية القراءة تغييرًا جذريًا. فالنص المكتوب في فاس أو الرباط أو الدار البيضاء أو طنجة أو غيرها من المدن المغربية يمكنه أن يصل في اللحظة نفسها إلى قراء في باريس أو القاهرة أو مونتريال أو نيويورك أو دكار أو طوكيو.
وبالنسبة إلى كاتب يسعى إلى أفق دولي، يشكل هذا التحول فرصة وتحديًا في آن واحد. فالوصول العالمي أصبح أسهل من حيث الإمكان، لكن العالمية الأدبية الحقيقية ما تزال تتطلب أكثر من مجرد التوزيع التكنولوجي. إنها تحتاج إلى موضوعات قادرة على عبور الحدود، من دون أن تفقد صدقها الثقافي وخصوصيتها الأصلية.
ويبدو أن مسار عبده حقي الأدبي يتجه بصورة متزايدة نحو تحقيق هذا التوازن: أن يظل مغربيًا من دون أن ينغلق داخل حدود جغرافية، وأن يطمح إلى العالمية من دون أن يذيب خصوصية التجربة المغربية.
وتوحي كتابته بأن العالمية لا تعني التخلي عن البيئة الثقافية الخاصة. بل إن الأدب كثيرًا ما يصبح عالميًا بقدر العمق الذي يستكشف به مكانًا محددًا أو لغة معينة أو ذاكرة خاصة أو حالة إنسانية بعينها.
ومن هذا المنطلق، يمكن وصف عبده حقي بأنه كاتب التحولات. فهو يكتب بين الورق والشاشة، وبين الأدب والصحافة، وبين المغرب والعالم، وبين التأويل الإنساني والذكاء الاصطناعي. وتنتمي كتابته إلى لحظة تاريخية يعاد فيها التفكير في معنى التأليف نفسه.
وربما يمكن اختصار السؤال المركزي الذي يعبر جانبًا كبيرًا من مشروعه الفكري في العبارة التالية:
ماذا يعني أن نظل بشرًا بالكامل في عالم تتوسطه الآلات بشكل متزايد؟
بالنسبة إلى عبده حقي، ما يزال الجواب يُبحث عنه في الكتابة.
الكتابة بوصفها ذاكرة. والكتابة بوصفها مقاومة. والكتابة بوصفها نقدًا. والكتابة بوصفها حوارًا. وقبل كل شيء، الكتابة بوصفها محاولة متواصلة للحفاظ على حرية الإنسان في صناعة المعنى.








0 التعليقات:
إرسال تعليق