الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 08، 2026

الجامعة أمام زلزال الذكاء الاصطناعي: شهادات قد تفقد قيمتها قبل 2030


أتابع منذ سنوات التحولات المتسارعة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في سوق العمل، وكلما تقدمت هذه التقنيات خطوة إضافية ازداد اقتناعي بأن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الطالب اليوم قبل دخول الجامعة لم يعد مقتصرا على: ماذا أحب أن أدرس؟ بل أصبح أكثر قسوة وواقعية: هل سيكون لهذا التخصص سوق عمل عندما أتخرج بعد أربع أو خمس سنوات؟ وهل ستظل الشهادة التي أنفق عليها الوقت والمال قادرة على فتح الباب الأول أمامي، أم أنني سأكتشف بعد التخرج أن الخوارزمية سبقتني إلى الوظيفة؟

لا أقول إن الجامعة فقدت معناها، ولا أعتقد أن المعرفة يمكن اختزالها في راتب أو وظيفة، لكنني أرى أننا لا نستطيع أيضا تجاهل الحقيقة الاقتصادية القاسية التي يعيشها ملايين الشباب. فالطالب لا يدخل الجامعة في الغالب لمجرد الحصول على ورقة تعلق على الجدار، بل لأنه يطمح إلى اكتساب معرفة ومهنة تضمن له قدرا من الاستقرار والاستقلال والكرامة. والمشكلة أن العلاقة القديمة بين الشهادة والوظيفة بدأت تتصدع تحت ضغط الأتمتة والذكاء الاصطناعي.

لقد تعودنا على الاعتقاد بأن بعض التخصصات تمثل طريقا شبه مضمون إلى العمل. كانت المحاسبة مثلا واحدة من تلك المهن التي توحي بالأمان والاستقرار؛ أرقام وحسابات وتدقيق وشركات تحتاج دائما إلى من يراقب دفاترها. لكن المشهد بدأ يتغير. فالأنظمة الذكية باتت قادرة على فرز المعاملات، واكتشاف التناقضات، وإعداد التقارير الأولية، وتحليل كميات ضخمة من البيانات خلال دقائق، وهي أعمال كانت تحتاج سابقا إلى فرق من الموظفين والمحاسبين المبتدئين.

وهنا أرى أن المشكلة الحقيقية ليست أن المحاسب سيختفي غدا، بل أن الدرجة الأولى من السلم المهني قد تختفي. فالخريج كان يدخل الشركة لكي يقوم بالأعمال البسيطة والروتينية، ومن خلالها يتعلم المهنة شيئا فشيئا. أما إذا أصبحت الآلة تؤدي تلك الأعمال، فمن أين سيدخل الشاب إلى المهنة؟ وكيف سيكتسب الخبرة إذا لم تعد الشركة بحاجة إلى توظيفه للقيام بالمهام التي كانت تشكل مرحلة تدريبه الأولى؟

الأمر نفسه بدأ يمتد إلى تخصصات أخرى عديدة. ففي علم المكتبات والأرشفة مثلا، تقوم المهنة تقليديا على تنظيم المعلومات وتصنيفها واسترجاعها وتقديمها للباحث أو القارئ، لكن الخوارزميات أصبحت قادرة على فهرسة ملايين الوثائق وتحليلها والبحث فيها بسرعة غير مسبوقة. وهذا لا يعني اختفاء المكتبي بالضرورة، لكنه يعني أن المؤسسة التي كانت تحتاج إلى عشرة موظفين قد تكتفي بعدد أقل بكثير، على أن يمتلك هؤلاء مهارات رقمية أكثر تقدما.

وأرى تحولا مشابها في السياحة والفندقة. فقد أصبح المسافر يحجز غرفته ويدفع ثمنها ويتلقى رمز الدخول على هاتفه، وقد يصل إلى الفندق ويفتح غرفته من دون أن يتعامل مع موظف استقبال. كثير من الخدمات التي كانت تتطلب موظفين كاملين أصبحت تمر عبر تطبيق أو منصة أو نظام ذكي، وهو ما يعني أن بعض وظائف الواجهة التقليدية مهددة بالانكماش حتى وإن ظلت السياحة نفسها قطاعا ضخما يحتاج دائما إلى البشر.

الكتابة التقنية بدورها تواجه تحولا عميقا. فما كان يحتاج إلى فرق لتحويل ملاحظات المهندسين والرسومات والمواصفات إلى أدلة واضحة ومنظمة تستطيع الأنظمة التوليدية إنجازه في وقت قصير. ويمكن للذكاء الاصطناعي إعادة صياغة وثيقة تقنية، وتبويبها، وتلخيصها، وتحويلها إلى تعليمات موجهة لفئات مختلفة من المستخدمين.

أما الكتابة الإبداعية، وهي المجال الأقرب إلي شخصيا، فتضعنا أمام سؤال أكثر حساسية. الذكاء الاصطناعي يستطيع اليوم توليد قصة أو إعلان أو وصف منتج أو تدوينة خلال ثوان، لكنني لا أساوي بين هذا وبين الإبداع الإنساني الحقيقي. الخطر الذي أراه لا يتمثل أساسا في موت الرواية أو الشعر، بل في اختفاء جزء من الأعمال التي كان الكاتب يعتمد عليها للحصول على دخله: كتابة المحتوى التجاري، ووصف المنتجات، والنشرات البريدية، والنصوص الدعائية، والمقالات البسيطة. هنا تستطيع الشركات أن تستبدل جزءا كبيرا من العمل الروتيني بمنصة ذكية منخفضة التكلفة.

وفي تصميم وتطوير المواقع أرى الصورة نفسها. قبل سنوات كان إنشاء موقع إلكتروني بسيط يحتاج إلى مصمم ومبرمج وربما فريق صغير، أما اليوم فقد يستطيع صاحب مشروع أن يصف بالكلمات الموقع الذي يريد، فتحوله الأدوات الذكية إلى صفحات وتصميمات وأكواد خلال وقت قصير. لن يختفي المبرمج، لكن قيمة المبرمج الذي لا يفعل سوى المهام القابلة للتكرار ستنخفض، بينما سترتفع قيمة من يفهم الأنظمة، ويصمم البنية، ويحل المشكلات المعقدة، ويراجع ما تنتجه الآلة.

التسويق والإعلان يعيشان التحول نفسه. كانت فرق كاملة تجتمع لساعات من أجل صياغة شعار أو ابتكار عشر أفكار لحملة، بينما يمكن لنظام توليدي أن يقترح عشرات الشعارات والتصورات في دقائق. سيظل الإنسان مسؤولا عن فهم الثقافة والسوق والجمهور واتخاذ القرار، لكن عدد الأشخاص اللازمين لإنجاز المراحل الأولية قد يتراجع.

وفي الإعلام والإذاعة أصبحت تقنيات تحويل النص إلى صوت والصوت إلى صورة، وتقليد الأصوات وإنتاج مقدمي برامج افتراضيين، أكثر تطورا بصورة مذهلة. لا أعتقد أن الإعلاميين الحقيقيين سيختفون، لكن المنافسة ستصبح أصعب، وسيصبح مطلوبا من الصحافي والمذيع أن يقدم قيمة لا تستطيع الخوارزمية تقديمها بسهولة: الحضور الإنساني، والتحقيق الميداني، والثقة، والخبرة، والقدرة على فهم ما وراء الكلمات.

العلاقات العامة ليست بعيدة عن هذا الزلزال. كتابة بيان صحافي أو منشور أو عنوان أو رسالة إلى الجمهور أصبحت من المجالات التي يتفوق فيها الذكاء الاصطناعي من حيث السرعة وتعدد الاقتراحات. تستطيع المؤسسة طلب عشرين عنوانا وخمس صيغ لبيان رسمي وعشرات المنشورات خلال دقائق. وهذا يعني أن من كانت وظيفته محصورة في الصياغة الروتينية سيحتاج إلى إعادة تعريف دوره.

وأنا، بوصفي صحافيا وكاتبا، أتوقف كثيرا عند مستقبل الصحافة نفسها. فالخوارزميات تستخدم منذ سنوات في إعداد أنواع من التقارير الآلية، خصوصا النتائج الرياضية وبعض البيانات المالية وتقارير الأرباح. واليوم أصبح التلخيص والبحث والمقارنة واستخراج البيانات أسرع بكثير. لكن الصحافة ليست مجرد ترتيب للمعلومات؛ الصحافة سؤال ومصدر ومواجهة وميدان وتحقيق وشهادة ومسؤولية أخلاقية. لذلك فإن الصحافي الذي يكتفي بتجميع ما هو موجود على الإنترنت سيكون أكثر عرضة للمنافسة من الصحافي الذي ينتج المعلومة الأصلية.

حتى الدراسات القانونية ووظائف المساعدين القانونيين تواجه تحولات واضحة. فالأنظمة الذكية تستطيع البحث في كميات هائلة من الوثائق، وتلخيص الملفات، وترتيب المواعيد، واستخراج السوابق والمعلومات الأولية. وسيظل المحامي بحاجة إلى الحكم القانوني والقدرة على المرافعة والتفاوض وتحمل المسؤولية، لكن كثيرا من المهام التي كان ينفذها الموظف المبتدئ يمكن أن تنتقل إلى الآلة.

الأمر نفسه ينطبق على الموارد البشرية. فرز مئات أو آلاف السير الذاتية ومقارنتها بمتطلبات وظيفة محددة أصبح قابلا للأتمتة بدرجة كبيرة. ويمكن للنظام ترتيب المرشحين وتحليل المهارات وإعداد قائمة أولية خلال وقت قصير للغاية. وهنا، مرة أخرى، لا يختفي العنصر البشري كليا، لكنه ينتقل من تنفيذ العمل الروتيني إلى مراقبته واتخاذ القرار النهائي.

وفي أبحاث السوق والتسويق المالي وإدارة الأعمال، باتت قدرة الأنظمة على جمع البيانات وتحليل الاتجاهات وبناء السيناريوهات وإعداد المسودات الأولى للتقارير تضغط على الوظائف المبتدئة. أما قطاع التمويل، الذي كان يستقطب أعدادا كبيرة من الخريجين لتحليل البيانات وبناء النماذج وإعداد العروض، فهو بدوره من أكثر القطاعات المرشحة للاستفادة من الأتمتة.

لهذا كله، لا أريد أن أقول للطالب: اترك الجامعة. ولا أقول له: لا تدرس الأدب أو الصحافة أو المحاسبة أو التسويق أو إدارة الأعمال. ما أقوله هو شيء مختلف تماما: لا تدرس أي تخصص بالطريقة القديمة.

الشهادة وحدها لم تعد كافية.

أرى أن طالب المستقبل يحتاج إلى تخصص زائد مهارة رقمية، وإلى معرفة أكاديمية زائد قدرة على استعمال الذكاء الاصطناعي، وإلى ثقافة نظرية زائد خبرة عملية. المحاسب الذي يفهم أدوات الذكاء الاصطناعي سيكون أقوى من المحاسب الذي يرفضها. الصحافي الذي يستخدمها في تحليل الوثائق والبيانات سيكون أكثر قدرة على المنافسة من صحافي يكتفي بالطريقة التقليدية. والكاتب الذي يعرف كيف يجعل الآلة مساعدا لا بديلا عنه يستطيع توسيع أدواته من دون أن يتخلى عن صوته الخاص.

المفارقة الكبرى أنني لا أرى المستقبل صراعا بسيطا بين الإنسان والآلة. الصراع الحقيقي سيكون بين إنسان يعرف كيف يعمل مع الذكاء الاصطناعي وإنسان يصر على العمل كما كان يفعل قبل عشرين عاما.

وأخطر ما يحدث اليوم ليس اختفاء الوظائف العليا، بل تقلص وظائف البداية. فالمدير والخبير والمحاسب الكبير والمحامي المتمرس قد يحتفظون بمكانهم مدة أطول، لكن الشاب الذي يريد أن يضع قدمه على الدرجة الأولى من السلم قد يجد أن تلك الدرجة لم تعد موجودة أصلا.

لهذا أعتقد أن الجامعات مطالبة هي الأخرى بإعادة التفكير في برامجها. لا يكفي أن تستمر في تدريس مقررات صممت لسوق عمل قديم ثم تمنح الطالب شهادة وتتركه يواجه وحده واقعا مختلفا تماما. ينبغي أن تصبح القدرة على العمل مع الذكاء الاصطناعي جزءا من كل تخصص تقريبا، من الآداب والصحافة إلى القانون والاقتصاد والهندسة.

أما الطالب، فعليه ألا يسأل فقط: ما الشهادة التي سأحصل عليها؟

عليه أن يسأل: ما الذي سأعرف كيف أفعله بعد أربع سنوات ولا تستطيع الآلة أن تفعله وحدها؟

ذلك، في نظري، هو السؤال الذي سيحدد قيمة الشهادة الجامعية في السنوات القادمة. فالذكاء الاصطناعي لن يدمر المعرفة، لكنه قد يدمر الوهم القديم القائل إن الحصول على شهادة يكفي وحده لضمان الوظيفة.

المستقبل لن يكون لمن يحمل الشهادة الأكبر، بل لمن يمتلك القدرة الأكبر على التعلم والتكيف والتحقق والنقد وحل المشكلات، ولمن يستطيع أن يجعل الذكاء الاصطناعي أداة بين يديه بدلا من أن يستيقظ ذات صباح فيكتشف أن الآلة أصبحت منافسه على أول درجة في السلم المهني.


0 التعليقات: