الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 04، 2026

المغرب الثقافي في أسبوع: السينما والمسرح والكتاب والموسيقى تستعيد حيوية المشهد


عرف المشهد الثقافي والفني المغربي خلال الأيام الماضية كثافة لافتة في الفعاليات والأخبار، من الرباط والدار البيضاء وسلا وتطوان إلى أصيلة والصويرة، وصولاً إلى حضور الثقافة المغربية خارج الحدود في المكسيك والقاهرة. ولا تكمن أهمية هذه الحركية في العدد الكبير للتظاهرات وحده، بل في تنوعها أيضاً: السينما والمسرح والرقص والموسيقى والأدب والبحث التاريخي والثقافة الأمازيغية حضرت جميعها تقريباً في أسبوع واحد، بما يوحي بأن الدخول الثقافي لخريف 2026 يتجه إلى تجاوز منطق المواسم المتفرقة نحو مشهد أكثر تشابكاً بين المؤسسات والمهرجانات والتعاون الدولي.

وإذا كان من المبكر تحويل هذه الكثافة إلى حكم نهائي على وضع الثقافة المغربية، فإن ما جرى خلال الأيام الماضية يطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام ازدهار ثقافي فعلي، أم أمام تراكم مناسبات تحتاج إلى سياسات أكثر استدامة تربط المهرجان بالجمهور، والاحتفاء بالإنتاج، والتكريم بحفظ الذاكرة، والانفتاح الدولي ببناء صناعة ثقافية حقيقية؟

1 ــ الرباط تستقبل Dance Theatre of Harlem: المسرح الملكي يدخل دائرة العروض العالمية

احتضن المسرح الملكي بالرباط يومي 2 و3 أكتوبر عرضين لفرقة Dance Theatre of Harlem النيويوركية، في أول حضور لها بالمغرب، وهو أيضاً عودة للفرقة إلى القارة الإفريقية بعد أكثر من ثلاثين عاماً. وتأسست الفرقة سنة 1969 على يد آرثر ميتشل، الذي كان أول راقص أسود يتولى موقع الراقص الرئيسي في New York City Ballet، وبنت منذ ذلك التاريخ هويتها على الجمع بين تقاليد الباليه الكلاسيكي والانفتاح على التنوع الاجتماعي والثقافي.

أهمية الحدث لا تتوقف، في نظري، عند استضافة اسم دولي كبير، بل تكمن في الاختبار الذي يخضع له المسرح الملكي نفسه: هل سيصبح مجرد بناية فخمة تستقبل العروض الاستثنائية، أم مؤسسة ذات برمجة ثقافية منتظمة تجعل الرباط محطة على خريطة الجولات الفنية الدولية؟ القيمة الحقيقية لهذه المنشآت لا تُقاس بجمال هندستها ولا بعدد مقاعدها، بل بقدرتها على خلق جمهور جديد للباليه والأوبرا والمسرح والموسيقى الكبرى، وعلى إدماج الفنانين المغاربة في شبكات تبادل وتكوين دولية. ولذلك يمكن اعتبار حضور فرقة هارلم مؤشراً إيجابياً، شريطة أن يتحول الاستثناء إلى تقليد ثقافي مستمر.

2 ــ تطوان تستعيد موقعها السينمائي المتوسطي

انطلقت في 3 أكتوبر الدورة الحادية والثلاثون لمهرجان تطوان لسينما البحر الأبيض المتوسط، على أن تتواصل إلى 10 أكتوبر. وتضم المسابقة عشرة أفلام من بلدان متوسطية متعددة، إلى جانب ستة أفلام ضمن اختيارات خاصة، وبرامج للتكوين والكتابة السينمائية واللقاءات المهنية والتفكير في التحولات التي تعرفها صناعة السينما. ومن بين الأفلام المغربية المشاركة فيلم «ميرا» لنور الدين لخماري.

وما يجعل مهرجان تطوان مهماً اليوم هو محاولته تجاوز النموذج التقليدي الذي يحصر المهرجان في السجاد الأحمر وعروض الأفلام والتقاط الصور. فإضافة المحترفات والتكوينات والنقاش حول الإنتاج والتوزيع والتعاون المتوسطي تعني الانتقال من «ثقافة المهرجان» إلى محاولة بناء بيئة سينمائية. المغرب ينتج أفلاماً ويحضر في مهرجانات دولية، لكن التحدي الأكبر يظل في تطوير الصناعة والكتابة والإنتاج والتوزيع وقاعات العرض؛ ولذلك فإن نجاح تطوان الحقيقي لن يُقاس بعدد الضيوف، بل بما يمكن أن تنتجه هذه اللقاءات من مشاريع وشراكات ومخرجين جدد.

3 ــ سلا: سينما المرأة تخرج من خطاب الضحية

اختتمت في 3 أكتوبر الدورة التاسعة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، التي انطلقت في 28 شتنبر، وعرفت منذ افتتاحها تكريم الممثلتين آمال عيوش ومريم الزعيمي والمخرج محمد عبد الرحمن التازي. واحتفت الدورة أيضاً بإرث عالمة الاجتماع فاطمة المرنيسي، فيما حضرت السينما الكيبيكية ضيف شرف، وعرضت أفلاماً تناولت العنف والإعاقة والصدمات النفسية وإعادة بناء الذات من زوايا متعددة.

المهم في هذه الدورة أن جزءاً من أفلامها حاول الابتعاد عن تمثيل المرأة بوصفها ضحية دائمة. فالشخصية النسائية في السينما لا تحتاج دائماً إلى أن تكون «قضية»، بل يمكن أن تكون إنساناً مركباً يحب ويخطئ ويحلم ويفشل وينهض من جديد. وهذا التحول مهم جداً في السينما المغربية والعربية، لأن الدفاع عن حضور المرأة لا يتحقق فقط بزيادة عدد الأفلام التي تتحدث عنها، وإنما بتغيير الطريقة التي تُكتب بها الشخصيات النسائية وبزيادة حضور النساء أنفسهن في الإخراج والكتابة والإنتاج واتخاذ القرار السينمائي.

4 ــ المسرح الأمازيغي في الدار البيضاء: من العرض إلى سؤال الذاكرة

شهدت الدار البيضاء وجهة الدار البيضاء–سطات بين 30 شتنبر و4 أكتوبر فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، تحت شعار يرتبط بالإبداع ونقل المعرفة والتنوع الثقافي، بمشاركة عروض مسرحية مغربية وأجنبية وورشات ولقاءات فكرية وأنشطة موازية. ويأتي المهرجان في سياق ترسيخ حضور التعبير المسرحي الأمازيغي داخل المشهد الثقافي الوطني.

لكن أكثر ما لفت الانتباه في هذه الدورة هو طرح مسألة توثيق المسرح المغربي والحاجة إلى إنشاء مركز وطني للرصيد المسرحي. فالعرض المسرحي بطبيعته سريع الزوال، وبعد إسدال الستار تضيع نصوص وتصاميم وإعلانات وصور ومراسلات وأرشيفات إذا لم توجد مؤسسة تجمعها وتحفظها. وقد ناقشت ندوة نظمت في 2 أكتوبر مشروع موسوعة لتوثيق المسرح المغربي والحاجة إلى آلية مستدامة لحفظ ذاكرته. وهذا، في تقديري، أهم من مهرجان إضافي؛ لأن بلداً لا يؤرشف إبداعه يضطر كل جيل فيه إلى إعادة اكتشاف تاريخه من الصفر.

5 ــ الصويرة وإيقاع MOGA: الموسيقى الإلكترونية تدخل اقتصاد المدينة الثقافي

عاشت الصويرة من 30 شتنبر إلى 4 أكتوبر على إيقاع الدورة العاشرة من مهرجان MOGA، الذي جمع الموسيقى الإلكترونية بأنشطة فنية وثقافية وحياتية متنوعة. وتوزعت البرمجة بين فضاءات مجانية ضمن MOGA OFF وبين البرمجة الرئيسية المؤدى عنها، فيما شملت الفعاليات عروضاً موسيقية وورشات وأنشطة مرتبطة بالرقص والصناعة التقليدية وفنون العيش والرياضات البحرية.

ويمكن قراءة نجاح هذا النوع من المهرجانات من زاوية أخرى غير موسيقية. الصويرة أصبحت منذ سنوات نموذجاً لمدينة استطاعت تحويل الثقافة إلى جزء من علامتها السياحية، من كناوة إلى الموسيقى الإلكترونية والفنون البصرية. لكن هذا النجاح يطرح أيضاً ضرورة الحذر من تحول المدن الثقافية إلى مجرد منصات موسمية للسياحة والترفيه. التحدي هو أن تستفيد الساكنة والموسيقيون الشباب وأصحاب المشاريع الثقافية المحليون من هذه الدينامية، وأن يبقى للمدينة صوتها وهويتها، لا أن تصبح مجرد خلفية جميلة لفعاليات عابرة.

6 ــ أصيلة تفتح موسمها السابع والأربعين: أربعة عقود من ثقافة الحوار

انطلقت يوم 2 أكتوبر الدورة الخريفية السابعة والأربعون لموسم أصيلة الثقافي الدولي، الممتدة إلى 18 أكتوبر، بمشاركة أكثر من 400 شخصية من مجالات الثقافة والفكر والفن والإعلام والدبلوماسية، تحت شعار «أصيلة.. أرض اللقاء والحوار». وبدأت الدورة بنقاشات حول القضايا الإفريقية والتحولات الجيوسياسية والطاقة والماء، إلى جانب برنامج فكري وأدبي وفني متنوع.

استمرار موسم أصيلة لما يقارب نصف قرن يمثل في حد ذاته ظاهرة ثقافية مغربية جديرة بالدراسة، لأن كثيراً من المهرجانات تظهر ثم تختفي، بينما تمكنت أصيلة من بناء ذاكرة وتقاليد وشبكة علاقات دولية. غير أن الاستمرارية تخلق بدورها تحدياً: لا يكفي أن يستمر الاسم، بل ينبغي أن تتجدد الأسئلة والوجوه واللغات والأجيال. ومستقبل موسم أصيلة سيعتمد في تقديري على قدرته على إشراك جيل جديد من المثقفين والفنانين والباحثين، وعدم الاكتفاء بإعادة إنتاج نموذج الندوات والنخب الذي نجح خلال العقود السابقة.

7 ــ المغرب ضيف شرف في موريليا: الثقافة المغربية تعبر الأطلسي

واصل المغرب خلال الأيام الماضية مشاركته كضيف شرف في الدورة الخامسة للمعرض الدولي للكتاب والقراءة بمدينة موريليا المكسيكية، الذي امتد إلى 4 أكتوبر. ولم يقتصر الحضور المغربي على عرض الكتب، بل شمل الموسيقى والطبخ والصناعة التقليدية والرقص وأنشطة موجهة للأطفال والشباب، في سياق يتزامن مع اختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026. كما طُرحت إمكانية تطوير تعاون جامعي وأكاديمي بين مؤسسات مغربية ومكسيكية.

وهذه المشاركة تطرح مفهوماً مهماً هو الدبلوماسية الثقافية. فصورة المغرب في الخارج لا تصنعها السياسة والاقتصاد وحدهما؛ يصنعها الأدب والمطبخ والموسيقى والحرف والفن أيضاً. لكن نجاح المشاركة المغربية ينبغي ألا يُقاس فقط بحجم الرواق أو كثافة الفقرات الفولكلورية، بل بمدى ترجمة الأدب المغربي إلى الإسبانية، وتوزيع الكتاب المغربي، وربط الجامعات والناشرين والكتاب بعلاقات مستمرة. الثقافة تصبح قوة ناعمة حقيقية عندما تتحول من عرض مؤقت إلى شبكة علاقات طويلة الأمد.

8 ــ تكريم مبارك ربيع في القاهرة: الأدب المغربي داخل الذاكرة العربية

كرمت مؤسسة «ديوان العرب» بالقاهرة يوم فاتح أكتوبر الروائي والقاص والأكاديمي المغربي مبارك ربيع ضمن فقرة «حراس المعنى وصناع الذاكرة»، في إطار الدورة الثانية عشرة لمسابقتها للدراسات النقدية المخصصة هذه السنة لموضوع «فلسطين في الرواية العربية». وجاء التكريم إلى جانب أسماء أدبية وفكرية عربية أخرى، تقديراً لمسار ربيع الممتد لعقود في الرواية والقصة والبحث.

وتتجاوز رمزية هذا التكريم شخص الكاتب إلى سؤال حضور الأدب المغربي في المجال العربي. فالمغرب راكم منذ عقود تجربة روائية ونقدية وفكرية كبيرة، لكنه ظل أحياناً أقل تداولاً في المشرق مما يستحقه بسبب مشكلات التوزيع وضعف الانتقال المنتظم للكتاب بين الأقطار العربية. ومن هنا تصبح تكريمات كهذه نافذة ضرورية لإعادة إدماج أسماء مغربية مؤسسة داخل الذاكرة العربية المشتركة، شرط ألا تبقى الاعترافات مناسبات بروتوكولية منفصلة عن تداول الكتب وإعادة طبعها ودراستها.

9 ــ أكاديمية المملكة تعيد فتح ملف المرابطين والموحدين

احتضنت أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، بين 30 شتنبر و2 أكتوبر، ندوة دولية أعادت قراءة تاريخ الإمبراطوريتين المرابطية والموحدية، بمشاركة باحثين من المغرب والخارج. واشتغلت المداخلات على التاريخ والعمران والآثار والفكر والتشريع والأداء العسكري ومناهج كتابة التاريخ، مع اهتمام خاص بمراكش وبالمصادر المغربية والدراسات الأركيولوجية الجديدة.

قيمة هذه الندوة تكمن في مقاومتها للتاريخ المدرسي المبسط الذي يحول الدول والسلالات إلى تواريخ معارك وأسماء حكام. المرابطون والموحدون لم يكونوا مجرد سلسلتين حكمتا المغرب، بل تجربتين سياسيتين وحضاريتين امتد تأثيرهما إلى الأندلس وإفريقيا والمتوسط. وإعادة قراءة هذه المراحل بأدوات الآثار والعمران وتاريخ الأفكار تعني الانتقال من تمجيد الماضي إلى فهمه، ومن استعمال التاريخ لصناعة الشعارات إلى إخضاعه للسؤال العلمي.

10 ــ رحيل عمر بوتمزوغت: خسارة لذاكرة الأغنية الأمازيغية

فقدت الساحة الفنية المغربية خلال هذه الأيام الفنان الأمازيغي عمر بوتمزوغت، الذي توفي بعد مسيرة طويلة جعلته واحداً من الأسماء المرتبطة بالأغنية الأمازيغية، ونعته وزارة الشباب والثقافة والتواصل باعتباره أحد رواد الفن الأمازيغي الذين تركوا بصمة في الذاكرة الفنية الوطنية.

لكن رحيل فنان من جيله يعيد دائماً طرح السؤال نفسه: ماذا حفظنا من أعمال الرواد؟ هل توجد تسجيلات عالية الجودة؟ هل توجد أرشيفات وشهادات وسير موثقة؟ تكريم الفنان بعد وفاته جميل، لكنه لا يعوض غياب سياسة وطنية لجمع التراث الغنائي والموسيقي الشفوي والسمعي البصري وحفظه رقمياً وإتاحته للباحثين والأجيال الجديدة. موت الفنان لا ينبغي أن يعني بداية اختفاء أعماله؛ بل يفترض أن يكون لحظة لاستعادة الأرشيف وإعادة تقديمه.

مشهد حي... لكن الاستدامة هي الامتحان

حصيلة هذه الأيام تكشف مغرباً ثقافياً شديد التنوع: باليه عالمي في الرباط، سينما متوسطية في تطوان، سينما نسائية في سلا، مسرح أمازيغي في الدار البيضاء، موسيقى إلكترونية في الصويرة، فكر وحوار دولي في أصيلة، كتاب مغربي يصل إلى المكسيك، وروائي مغربي يحتفى به في القاهرة، فيما تعود المؤسسات الأكاديمية إلى قراءة التاريخ وتفقد الساحة الفنية واحداً من رموزها.

لكن السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط زخم المهرجانات هو سؤال ما بعد الحدث. ماذا يحدث بعد أن تنطفئ الأضواء ويغادر الضيوف؟ هل تتحول الورشات إلى مشاريع؟ وهل تصل الأفلام إلى القاعات؟ وهل تصل الكتب إلى القراء؟ وهل تحفظ الأرشيفات؟ وهل يجد الفنان الشاب فضاءً للتدريب والإنتاج؟ هنا بالضبط يتحدد الفرق بين بلد يمتلك أجندة ثقافية مزدحمة وبلد يبني حياة ثقافية مستدامة. والمغرب يملك اليوم كثيراً من المقومات لتحقيق الثانية، لكن الطريق يمر من تحويل الثقافة من موسم للاحتفال إلى سياسة يومية للمعرفة والإبداع والذاكرة.

وهذه هي النسخة الثانية، بصياغة صالحة للنشر المباشر ومن دون إحالات أو مصادر داخل المتن.

المغرب الثقافي يستعيد نبضه: أسبوع من السينما والمسرح والكتاب والموسيقى

بدت الأيام الماضية استثنائية في كثافة ما عرفه المغرب من أنشطة ثقافية وفنية. من الرباط إلى الدار البيضاء وسلا وتطوان والصويرة وأصيلة، ومن المغرب إلى المكسيك والقاهرة، تحركت السينما والمسرح والموسيقى والكتاب والرقص والفكر في وقت متقارب، وكأن الدخول الثقافي لخريف هذه السنة أراد أن يعلن عن نفسه دفعة واحدة. والأهم في هذه الحركية أنها لم تكن محصورة في حفلات ومهرجانات للفرجة، بل امتدت إلى قضايا التكوين والتوثيق والذاكرة والانفتاح الدولي وإعادة قراءة التاريخ.

غير أن وفرة المواعيد الثقافية لا تعني بالضرورة أننا بلغنا مرحلة الازدهار الثقافي الكامل. فما يزال السؤال المطروح هو مدى قدرة هذه التظاهرات على إنتاج أثر يتجاوز بضعة أيام: جمهور جديد، أرشيف محفوظ، فنان شاب يتلقى التكوين، فيلم يجد طريقه إلى القاعة، وكتاب يصل إلى قارئ جديد. بهذا المعيار يمكن قراءة أبرز ما شهدته الساحة المغربية خلال الأيام الماضية.

الرباط والباليه العالمي

احتضن المسرح الملكي بالرباط عرضين لفرقة Dance Theatre of Harlem، في أول حضور لها بالمغرب وفي عودة لها إلى القارة الإفريقية بعد غياب امتد لأكثر من ثلاثة عقود. وتحمل هذه الفرقة تاريخاً فنياً وإنسانياً خاصاً، لأنها انطلقت من فكرة فتح عالم الباليه أمام مواهب كانت مؤسسات الرقص الكلاسيكي التقليدية تستبعدها، قبل أن تصبح واحداً من الأسماء البارزة في المشهد الكوريغرافي العالمي.

لكن الأهم بالنسبة إلى المغرب هو ما يعنيه الحدث بالنسبة إلى المسرح الملكي نفسه. فالمباني الثقافية الكبرى لا تكتسب قيمتها فقط من هندستها المبهرة، بل من نوعية البرمجة التي تحتضنها ومن الجمهور الذي تستطيع تكوينه. وإذا تحولت الرباط إلى محطة منتظمة لجولات الفرق المسرحية والموسيقية والكوريغرافية الدولية الكبرى، فإننا سنكون أمام انتقال فعلي من امتلاك البنية الثقافية إلى بناء حياة ثقافية متواصلة.

تطوان والسينما المتوسطية

استعادت تطوان أجواء مهرجانها العريق لسينما البحر الأبيض المتوسط في دورة جديدة تجمع أفلاماً من المغرب وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وتونس وتركيا وفلسطين وبلدان متوسطية أخرى، إلى جانب محترفات للتكوين والكتابة واللقاءات المهنية. وهذا البعد الأخير مهم لأن المهرجان لم يعد يريد الاكتفاء بعرض الأفلام، بل يحاول أن يتحول إلى فضاء للتفكير في مستقبل صناعة السينما المتوسطية.

والمغرب يحتاج تحديداً إلى هذا النوع من المهرجانات التي تجمع بين العرض والصناعة. فالإشكال السينمائي اليوم لا يتعلق فقط بعدد الأفلام المنتجة، وإنما أيضاً بالتكوين والتمويل والتوزيع وعدد القاعات وقدرة الفيلم المغربي على الوصول إلى جمهوره. لذلك تصبح قيمة مهرجان تطوان أكبر كلما استطاع أن ينتج تعاوناً بين سينمائيين، وأن يفتح الأبواب أمام أصوات شابة جديدة.

سلا وسينما المرأة

اختتم المهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا دورة جديدة اتسمت بحضور سينمائي دولي وتكريم أسماء مغربية بارزة مثل آمال عيوش ومريم الزعيمي ومحمد عبد الرحمن التازي. كما أعادت الدورة طرح موضوع تمثيل النساء في السينما من خلال أفلام تناولت قضايا العنف والإعاقة والصدمات وإعادة بناء الذات.

ما يبدو مهماً في عدد من هذه الأعمال هو محاولة تجاوز صورة المرأة بوصفها ضحية أبدية. فالسينما الأكثر عمقاً هي التي تمنح الشخصية النسائية حقها في التعقيد، فلا تختزلها في المعاناة ولا تحولها إلى شعار. كما أن الدفاع الحقيقي عن حضور النساء في السينما ينبغي أن يشمل مواقع الإخراج والكتابة والإنتاج والتقنيات واتخاذ القرار، لا أن يظل محصوراً في موضوع الفيلم فقط.

المسرح الأمازيغي وسؤال الذاكرة

عرفت الدار البيضاء وجهتها دورة جديدة من مهرجان المسرح الأمازيغي، بمشاركة عروض وورشات ولقاءات فكرية وفنية، في استمرار لمسار جعل التعبير المسرحي الأمازيغي جزءاً أكثر حضوراً في الخريطة المسرحية الوطنية. وهذه الحركية تؤكد أن الثقافة الأمازيغية لم تعد تعيش في الهامش الاحتفالي، بل أصبحت مكوناً فاعلاً في الإنتاج الفني والمؤسسات الثقافية.

وقد برز داخل المهرجان موضوع بالغ الأهمية يتعلق بتوثيق المسرح المغربي وإنشاء رصيد وطني يحفظ نصوصه وصوره ومراسلاته وتصاميمه ووثائقه. فالمسرح من أكثر الفنون تعرضاً للنسيان لأن العرض ينتهي بمجرد إسدال الستار. وإذا لم نحفظ أرشيفه، فإن أجزاء واسعة من تاريخنا الثقافي ستختفي. لذلك تبدو فكرة مركز وطني للذاكرة المسرحية ضرورة وليست ترفاً.

الصويرة وموسيقى العالم الجديد

احتفلت الصويرة بالدورة العاشرة لمهرجان MOGA، الذي صار واحداً من المواعيد المعروفة في الموسيقى الإلكترونية، جامعاً بين العروض الموسيقية والرقص والفنون وورشات وأنشطة متعددة مرتبطة بأسلوب الحياة في المدينة الساحلية. وقد توزعت الفعاليات بين أنشطة مفتوحة وأخرى رئيسية تستقطب جمهوراً من المغرب والخارج.

تمثل الصويرة حالة خاصة في العلاقة بين المدينة والثقافة. فقد بنت خلال سنوات صورة دولية ترتبط بالموسيقى والفنون والتعدد، وأصبحت الثقافة جزءاً من اقتصادها السياحي. لكن النجاح المستدام يقتضي أن يستفيد منه الموسيقي المحلي والحرفي والشاب والمقاولة الثقافية الصغيرة، حتى لا تصبح المدينة مجرد ديكور لمهرجانات دولية، بل منتجة حقيقية للثقافة.

أصيلة وذاكرة الحوار

افتتحت أصيلة دورتها السابعة والأربعين من موسمها الثقافي الدولي بمشاركة مئات الشخصيات من مجالات الثقافة والفكر والفن والإعلام والدبلوماسية. وبعد عقود من الاستمرار، أصبح موسم أصيلة نفسه جزءاً من تاريخ الثقافة المغربية المعاصرة، إذ حول مدينة صغيرة إلى فضاء دولي للنقاش واللقاء بين المثقفين والفنانين والسياسيين.

لكن الاستمرارية ليست كافية وحدها. فكل مؤسسة عريقة معرضة لخطر التحول إلى طقس سنوي يعيد إنتاج الوجوه نفسها والأسئلة نفسها. والتحدي المقبل أمام أصيلة هو فتح مساحاتها أكثر أمام الأجيال الجديدة، وربط الأسئلة الفكرية الكبرى بالتحولات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية التي يعيشها الشباب اليوم.

الثقافة المغربية تصل إلى المكسيك

كان المغرب خلال الأيام الماضية ضيف شرف في المعرض الدولي للكتاب والقراءة بمدينة موريليا المكسيكية، في مشاركة لم تقتصر على الكتب، بل قدمت الموسيقى والصناعة التقليدية والطبخ والرقص ومكونات متعددة من الثقافة المغربية.

مثل هذا الحضور يكتسب قيمة كبيرة في مجال الدبلوماسية الثقافية، لكنه يصبح أكثر أهمية إذا نتجت عنه ترجمة للكتب المغربية إلى الإسبانية وتعاون بين الجامعات والناشرين وتبادل للباحثين والطلبة. فالقوة الثقافية لبلد ما لا تقاس فقط بعدد المهرجانات التي يشارك فيها، وإنما بقدرته على جعل أدبه وفنه وأفكاره قابلة للتداول خارج حدوده.

مبارك ربيع وحضور الأدب المغربي عربياً

شهدت القاهرة تكريم الروائي والقاص المغربي مبارك ربيع، أحد أبرز الأسماء التي راكمت تجربة طويلة في الأدب والبحث. ويحمل التكريم دلالة تتجاوز شخص الكاتب، لأنه يذكر بمساهمة الأدب المغربي في بناء الرواية والقصة العربيتين الحديثتين.

ورغم الغنى الكبير للإنتاج المغربي، ظل انتقال الكتاب بين المغرب والمشرق يعاني طويلاً من ضعف التوزيع والتواصل. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتكريم الرواد، بل إعادة طبع أعمالهم وتداولها ودراستها وترجمتها وتقديمها إلى الأجيال الجديدة، لأن الكاتب يبقى حياً حقاً عندما تبقى كتبه مقروءة.

المرابطون والموحدون خارج التاريخ المدرسي

خصصت أكاديمية المملكة المغربية ندوة دولية لإعادة قراءة تاريخ المرابطين والموحدين من زوايا متعددة شملت التاريخ والآثار والعمران والفكر والتشريع. وهو توجه يساهم في تحرير التاريخ المغربي من الاختزالات المدرسية التي تحوله إلى لوائح للحكام والمعارك والتواريخ.

فالتاريخ لا ينبغي أن يكون أداة للفخر المجرد ولا خزانا للشعارات. أهميته الحقيقية تبدأ عندما يصبح مجالاً للسؤال والنقد والبحث المقارن. والمرابطون والموحدون تجربتان كان لهما أثر عميق في المغرب والأندلس وإفريقيا والمتوسط، وفهمهما يحتاج إلى الآثار والوثائق والعمران والفكر أكثر مما يحتاج إلى سرد البطولات.

رحيل عمر بوتمزوغت وضرورة حفظ التراث الفني

فقد المغرب أيضاً خلال هذه الأيام الفنان الأمازيغي عمر بوتمزوغت، أحد الأسماء التي ارتبطت بالأغنية الأمازيغية وذاكرتها الفنية. ويعيد رحيله إلى الواجهة سؤال مصير تراث جيل كامل من الفنانين الذين صنعوا جزءاً من الذاكرة الموسيقية المغربية.

فما الفائدة من انتظار رحيل الفنان قبل الاهتمام بأعماله؟ المغرب يحتاج إلى مشروع واسع لرقمنة أرشيفه الموسيقي والغنائي، وتسجيل شهادات الفنانين وهم أحياء، وجمع الصور والحفلات والحوارات والتسجيلات القديمة. فالثقافة لا تحفظ فقط بإقامة المهرجانات الجديدة، بل أيضاً بإنقاذ ما أنتجته الأجيال السابقة من النسيان.

بين كثافة المهرجانات وبناء حياة ثقافية

تكشف هذه الحصيلة عن مشهد مغربي متنوع وحيوي بصورة لا يمكن إنكارها. في بضعة أيام فقط، اجتمعت السينما والمسرح والباليه والموسيقى والكتاب والفكر والتاريخ والثقافة الأمازيغية داخل أجندة واحدة، وامتد الحضور المغربي من مدنه الكبرى والصغرى إلى منصات عربية ودولية.

لكن الامتحان الحقيقي يبدأ في اليوم التالي لانتهاء كل مهرجان. الثقافة لا تُقاس بعدد الملصقات ولا بعدد حفلات الافتتاح، بل بما يبقى بعد إسدال الستار: كتاب في يد قارئ، وفيلم يجد قاعته، وأرشيف لا يضيع، وفنان شاب يحصل على فرصة، وجمهور يعتبر الثقافة جزءاً من حياته اليومية. عندها فقط يمكن القول إن المغرب لا ينظم الثقافة فحسب، بل يبني مجتمعاً ثقافياً.



0 التعليقات: