الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أكتوبر 11، 2026

مهرجان الرواد الدولي للمسرح.. أكثر من عروض وجوائز: عبده حقي


أتابع باهتمام خاص كل تظاهرة مسرحية تحاول أن تمنح الخشبة المغربية أفقًا أبعد من حدود العرض المحلي، لأنني أعتبر المسرح أكثر الفنون قدرة على بناء اللقاء المباشر بين الثقافات، وأكثرها حساسية تجاه تحولات المجتمع وأسئلته اليومية. ومن هذا المنطلق، تبدو لي الدورة الحادية عشرة من مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة، المرتقب تنظيمها ما بين 14 و17 أكتوبر 2026، مناسبة ثقافية تتجاوز مجرد برمجة عروض متتابعة، لتصبح فضاءً للحوار بين تجارب مسرحية قادمة من المغرب ومن دول أخرى، وفي مقدمتها إيطاليا وفرنسا وسلطنة عُمان.

اختيار شعار «نمشيو نتفرجو فالمسرح» يحمل في نظري دلالة أبعد من بساطته الظاهرة، لأنه يعيد طرح السؤال الأساسي المتعلق بعلاقة الجمهور بالخشبة. فالمسرح لا يعيش فقط بالنصوص والممثلين والمخرجين، وإنما يعيش أساسًا بذلك المشاهد الذي يقرر أن يغادر بيته ويشتري أو يتسلم تذكرته ويجلس داخل القاعة ويقبل أن يدخل، ولو لساعتين، في عالم مختلف. لذلك أرى في الشعار محاولة لإعادة المسرح إلى الحياة اليومية للناس، وإخراجه من دائرة النخبة الضيقة إلى فضاء الفرجة الشعبية المتاحة للجميع.

ما يلفت انتباهي في هذه الدورة هو حضور فرق أجنبية ضمن المنافسة، وهو ما يمنح المهرجان بعدًا دوليًا ملموسًا لا يقتصر على الاسم. مشاركة فرقة CORPS CITOYEN الإيطالية بمسرحية «GLI ALTRI»، إلى جانب فرقة Compagnie ALIGRE الفرنسية بمسرحية «TARDIGRADE»، وفرقة البيت المسرحي من سلطنة عُمان بمسرحية «الديماس»، تفتح الباب أمام احتكاك مباشر بين حساسيات فنية مختلفة، وتسمح للجمهور المغربي بمشاهدة رؤى وأساليب إخراجية وتمثيلية قادمة من فضاءات ثقافية متعددة.

هذا التنوع ليس أمرًا شكليًا في نظري، لأن المسرح لا يتطور في العزلة. التجارب الفنية تحتاج دائمًا إلى المقارنة، وإلى الصدمة الجمالية، وإلى ذلك النوع من اللقاء الذي يجعل الفنان يكتشف أن هناك طرقًا أخرى لبناء المشهد، واستعمال الجسد، وتوظيف الإضاءة، وإدارة الصمت، وصناعة الإيقاع. لذلك فإن حضور عروض من أوروبا والعالم العربي داخل مهرجان مغربي يمكن أن يكون مدرسة صغيرة ومفتوحة، ليس فقط للجمهور، بل أيضًا للممثلين والمخرجين وطلبة المعاهد والمهتمين بالمسرح.

في المقابل، تظل المشاركة المغربية ذات أهمية أساسية، لأن قيمة أي مهرجان دولي تنطلق أولًا من قدرته على تقديم صورة حقيقية عن المشهد المسرحي المحلي. وجود عروض مغربية قادمة من مدن مختلفة، من بينها الدار البيضاء وفاس، يجعل التظاهرة مساحة للتفاعل بين المسرح الوطني ونظيره الأجنبي، ويضع التجربة المغربية داخل ميزان فني يسمح بمساءلتها وتقييمها بعيدًا عن المجاملة والانغلاق.

وأعتقد أن مدينة خريبكة نفسها تستحق التوقف عندها. فتنظيم مهرجان دولي للمسرح خارج المحاور الثقافية المعتادة، مثل الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش، يحمل قيمة رمزية مهمة. الثقافة في المغرب لا ينبغي أن تبقى حكرًا على مدن بعينها، والمسرح بدوره يحتاج إلى الانتشار في المدن المتوسطة والصغيرة، لأن العدالة الثقافية تبدأ أيضًا من توزيع الفعل الفني على المجال الوطني. كلما استطاعت مدينة مثل خريبكة أن تتحول لبضعة أيام إلى نقطة جذب مسرحية، فإن ذلك يساهم في إعادة رسم الخريطة الثقافية المغربية.

أرى كذلك أن إطلاق اسم المسرحي الراحل أحمد النحلة على الجائزة الكبرى لأفضل عرض متكامل يحمل بعدًا رمزيًا نبيلًا، لأنه يربط الحاضر بذاكرة المسرح المغربي. تكريم أسماء من هذا النوع لا ينبغي أن يكون مجرد وفاء عاطفي، بل فرصة لإعادة استحضار تجارب الرواد، ولتذكير الأجيال الجديدة بأن ما نراه اليوم من تراكم مسرحي لم يبدأ من فراغ، وإنما تأسس على مسارات طويلة من التضحية والعمل والبحث الفني.

كما أن وجود لجنة تحكيم تضم أسماء من تجارب وخلفيات مختلفة يمنح المنافسة قيمة إضافية، لأن الحكم على العروض المسرحية يظل من أصعب المهام الفنية. المسرح ليس سباقًا رقميًا ولا يمكن اختزاله في نتيجة سهلة، بل هو تركيب معقد يجمع النص والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والإيقاع والانسجام. لذلك فإن تنوع الخبرات داخل لجنة التحكيم يمكن أن يساهم في تقديم قراءة أكثر توازنًا للعروض المشاركة.

ومع ذلك، فإن ما أتمناه في مثل هذه المهرجانات لا يقتصر على لحظة التتويج. المسابقة مهمة، والجوائز ضرورية لتشجيع الفنانين، لكن القيمة الحقيقية لأي مهرجان في رأيي تظهر فيما يخلقه من نقاشات وورشات ولقاءات ونقد ومتابعة صحفية. المسرح يحتاج إلى خطاب نقدي يوازي العرض، ويحتاج إلى صحافة ثقافية تفتح الأسئلة بدل الاكتفاء بنقل برنامج التظاهرة. كما يحتاج إلى لقاءات مباشرة بين الفنانين والجمهور، لأن النقاش بعد العرض قد يكون أحيانًا أكثر فائدة من العرض نفسه.

هناك أيضًا سؤال الجمهور الذي يظل حاضرًا بقوة. نجاح مهرجان مسرحي لا يقاس فقط بعدد الفرق المشاركة أو أسماء الضيوف أو الجوائز المعلنة، بل يقاس كذلك بعدد المقاعد الممتلئة، ومدى حضور الشباب والطلبة والتلاميذ، ومدى قدرة البرمجة على تحويل المسرح إلى عادة ثقافية لا إلى موعد موسمي عابر. من هنا تبدو لي عبارة «نمشيو نتفرجو فالمسرح» أشبه بدعوة اجتماعية قبل أن تكون شعارًا تنظيميًا.

كما أعتقد أن استضافة فرق من إيطاليا وفرنسا وسلطنة عُمان تتيح فرصة مهمة للمقارنة بين تقاليد مسرحية مختلفة. المسرح الأوروبي يحمل عادة تراكمًا كبيرًا في التجريب الجسدي والبصري، بينما تمتلك التجارب العربية حساسيات مرتبطة باللغة والذاكرة والأسئلة الاجتماعية والسياسية. وعندما تلتقي هذه المسارات داخل فضاء واحد، يمكن أن تظهر إمكانات جديدة للتفكير في معنى المسرح ووظيفته.

ولا يمكنني، وأنا أتابع هذه المبادرات، أن أفصلها عن الوضع العام للمسرح المغربي. فهناك طاقات حقيقية ونصوص وتجارب شبابية لافتة، لكن هناك في المقابل أسئلة مزمنة ترتبط بالبنيات التحتية، واستمرارية الفرق، والتمويل، والتكوين، وانتظام العروض، وضعف الحضور المسرحي داخل الإعلام. لذلك فإن نجاح أي مهرجان يجب أن يتحول إلى مناسبة لمساءلة السياسات الثقافية أيضًا: ماذا يحدث للمسرح بعد أن تُطفأ أضواء المهرجان؟ هل تجد الفرق فضاءات للعرض طوال السنة؟ هل هناك جمهور مستدام؟ هل يستطيع الفنان المسرحي أن يبني مسارًا مهنيًا حقيقيًا؟

أنا لا أريد من المهرجانات أن تكون مجرد احتفالات قصيرة، بل أريدها أن تتحول إلى مختبرات دائمة للحياة الثقافية. وأتمنى أن تصبح الدورة الحادية عشرة من مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة لحظة للتراكم لا للاستهلاك، وأن تنتج عنها شراكات جديدة وعروض مشتركة ولقاءات مهنية وتبادل بين الفرق المغربية والأجنبية.

في النهاية، أرى أن قيمة هذه الدورة تكمن تحديدًا في هذا اللقاء بين المحلي والدولي، وبين الوفاء للذاكرة والانفتاح على التجريب، وبين الخشبة والجمهور. فالمسرح يظل واحدًا من آخر الفنون التي تضع الإنسان أمام الإنسان مباشرة، بلا شاشة فاصلة ولا وسيط خوارزمي، ولهذا تزداد حاجتنا إليه كلما أصبح العالم أكثر افتراضية وعزلة.

لهذا أعتبر مهرجان الرواد الدولي للمسرح بخريبكة أكثر من مجرد موعد فني عابر. إنه فرصة لكي نقول من جديد إن المسرح لا يزال قادرًا على جمع الناس حول قصة وصوت وجسد وضوء، وإن المدن المغربية قادرة على استقبال العالم من فوق خشباتها. والأهم من كل ذلك أن يبقى السؤال مفتوحًا بعد انتهاء المهرجان: هل سنكتفي بأن نقول «مشينا نتفرجو فالمسرح»، أم سنجعل المسرح فعلًا جزءًا دائمًا من حياتنا الثقافية؟

بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: