لم أعد أنظر إلى مشاهد الاحتجاجات التي تجتاح عدداً من العواصم والمدن الأوروبية باعتبارها مجرد موجة عابرة من الغضب الاجتماعي، أو احتجاجات موسمية سرعان ما تخفت مع مرور الوقت. فما يحدث اليوم في فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال وبلجيكا وألبانيا، وما يلوح في الأفق الألماني، يستحق قراءة سياسية أعمق من الاكتفاء بتصنيف المتظاهرين ضمن فئات ساخطة على ارتفاع الأسعار أو المطالبة بتحسين الأجور. إنني أرى في هذه المشاهد المتفرقة تعبيراً عن أزمة ثقة آخذة في الاتساع بين المواطن الأوروبي ومؤسساته السياسية، وعن سؤال جوهري بدأ يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام إرهاصات ربيع أوروبي جديد؟
ما يلفت انتباهي في هذه الاحتجاجات ليس فقط اتساع رقعتها الجغرافية، وإنما تنوع الفئات الاجتماعية التي تشارك فيها. فالطلاب يخرجون للاحتجاج على تدهور التعليم ونقص المدرسين، والعمال يطالبون بأجور تتناسب مع تكاليف المعيشة، والشباب يرفعون أصواتهم ضد البطالة وانسداد آفاق المستقبل، بينما يجد المواطنون أنفسهم في مواجهة أزمة سكن جعلت امتلاك شقة أو حتى استئجار منزل لائق حلماً بعيد المنال. وفي بعض البلدان، تتجاوز المطالب الاجتماعية حدود الاقتصاد لتصل إلى مساءلة الحكومات بشأن الفساد والشفافية وطبيعة السياسات العمومية.
في فرنسا، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالاحتجاجات التي انطلقت من المؤسسات التعليمية سرعان ما اتسعت لتشمل نقابات وشرائح اجتماعية أخرى، على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الوقود وتراجع القدرة الشرائية. وفي إسبانيا والبرتغال، تحولت أزمة السكن إلى عنوان مركزي للغضب الشعبي، بعدما أصبح الشباب يواجهون مفارقة قاسية: مجتمعات تحقق مؤشرات اقتصادية معينة، لكنها تعجز عن ضمان أبسط شروط الاستقرار السكني لأجيالها الجديدة. أما في إيطاليا، فقد اختلطت المطالب المرتبطة بالأجور والتعليم والصحة بمخاوف أوسع بشأن المستقبل الاجتماعي والاقتصادي.
وما يزيد المشهد أهمية هو دخول جيل الشباب بقوة إلى ساحة الاحتجاج. إنني أتوقف كثيراً عند هذه النقطة، لأن الأمر لا يتعلق فقط بجيل يطالب بفرصة عمل أو بمقعد جامعي أفضل، بل بجيل بدأ يشكك في الوعد الاجتماعي الذي قامت عليه المجتمعات الأوروبية الحديثة: أن التعليم يفتح أبواب المستقبل، وأن العمل يوفر الكرامة، وأن الاجتهاد يسمح بتحقيق حياة مستقرة. عندما يفقد الشباب ثقتهم بهذه المعادلة، فإن الأزمة تصبح أعمق من مجرد خلاف حول ميزانية أو قرار حكومي.
لكن هل يعني ذلك أننا أمام ربيع أوروبي بالمعنى السياسي والتاريخي للكلمة؟ أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى شيء من الحذر. فالربيع العربي الذي انطلق سنة 2010 وامتد إلى عدد من البلدان العربية كانت له ظروفه الخاصة، من طبيعة الأنظمة السياسية إلى مطالب الحرية والكرامة والتغيير. أما أوروبا، فرغم ما تشهده من اضطرابات، فهي تمتلك مؤسسات انتخابية وبرلمانات وأحزاباً ونقابات وآليات قانونية للاحتجاج والتغيير. لذلك لا أرى أن المقارنة بين التجربتين يمكن أن تكون مطابقة أو آلية.
ومع ذلك، فإن وجود المؤسسات الديمقراطية لا يعني بالضرورة أن الديمقراطية في مأمن من أزمات التمثيل والثقة. فالمواطن قد يمتلك حق التصويت، لكنه يشعر في الوقت نفسه بأن صوته لا يغير شيئاً في حياته اليومية. وقد تتعاقب الحكومات وتتبدل الوجوه السياسية، بينما تظل مشكلات السكن والصحة والتعليم والأجور قائمة. وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تستحق التأمل: كيف يمكن لديمقراطيات عريقة أن تجد نفسها أمام مواطنين يشعرون بأنهم غير ممثلين بما يكفي، رغم امتلاكهم حق الاحتجاج والاقتراع؟
إنني لا أستطيع أيضاً تجاهل الجانب السياسي الذي قد تستثمر فيه بعض التيارات المتطرفة هذه الاحتجاجات. فحين يتسع الغضب الاجتماعي، تظهر قوى سياسية تحاول تقديم إجابات سهلة عن مشكلات معقدة، وتبحث عن كبش فداء بدل مناقشة الأسباب البنيوية للأزمة. وقد تتحول المطالب المشروعة إلى مادة للاستقطاب، أو إلى وسيلة لتغذية العداء بين فئات المجتمع. لذلك فإن الدفاع عن الحق في التظاهر ينبغي أن يقترن بالتمييز بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب والعنف، دون أن تتحول أخطاء بعض المشاركين إلى ذريعة لإسكات جميع المحتجين.
وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي للحكومات الأوروبية لا يكمن في عدد رجال الشرطة الذين تستطيع نشرهم في الشوارع، ولا في قدرتها على تفريق المتظاهرين أو إعادة حركة المرور إلى طبيعتها، بل في قدرتها على فهم الرسالة التي تحملها هذه الاحتجاجات. فالأمن قد يعيد الهدوء مؤقتاً، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة السكن، ولا توفير فرص العمل، ولا إصلاح المدارس والمستشفيات، ولا استعادة ثقة جيل يشعر بأن المستقبل يُغلق أبوابه أمامه.
وإذا كان هناك درس سياسي يمكن استخلاصه من هذه اللحظة الأوروبية، فهو أن الاستقرار لا يُقاس فقط بسلامة المؤسسات واستمرار الانتخابات، وإنما أيضاً بمدى شعور المواطنين بأن هذه المؤسسات موجودة لخدمتهم والاستجابة لمطالبهم. فالديمقراطية ليست مجرد صناديق اقتراع، بل عقد اجتماعي متجدد بين الدولة والمجتمع، وإذا اختل هذا العقد فإن الشارع يصبح مساحة للتعبير عن أزمة لم تنجح المؤسسات في احتوائها.
لهذا أجدني أعود إلى السؤال الذي بدأت به: هل هو الربيع الأوروبي؟ ربما يكون من السابق لأوانه إطلاق هذا الاسم على ما يحدث، لأننا لا نزال أمام حركات احتجاجية متعددة تختلف في أسبابها وشعاراتها وسياقاتها الوطنية، ولا يجمعها حتى الآن برنامج سياسي موحد أو قيادة مشتركة. لكن المؤكد أن أوروبا تعيش خريفاً اجتماعياً وسياسياً ساخناً، وأن ما يجري يكشف عن تصدعات في نموذجها الاجتماعي وعن فجوة متنامية بين تطلعات المواطنين وأداء مؤسساتهم.
وقد لا يكون هذا الربيع، إن تحقق، ربيع إسقاط الأنظمة أو تغيير الدساتير، وإنما ربيع إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وكرامة العمل، وحق الأجيال الجديدة في مستقبل لا يكون امتيازاً للأثرياء وحدهم.
إنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن تفعله الحكومات الأوروبية اليوم هو التعامل مع هذه الاحتجاجات باعتبارها مشكلة أمنية فقط. فالشوارع لا تشتعل من فراغ، والغضب الذي يتراكم في البيوت والجامعات ومواقع العمل لا يمكن إطفاؤه إلى الأبد بخراطيم المياه والحواجز الأمنية.
وربما تكون المفارقة الأكثر إثارة للتأمل أن أوروبا، التي طالما قدمت دروساً للعالم في الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكامة، تجد نفسها اليوم مطالبة بأن تصغي إلى مواطنيها قبل أن تقدم لهم الدروس. فهل ستنجح في تجديد عقدها الاجتماعي، أم أن هذا الخريف سيكون بداية مرحلة طويلة من الاضطراب وإعادة تشكيل الخريطة السياسية الأوروبية؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة، وليس الشعارات التي ترفعها الحشود وحدها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق