الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أكتوبر 27، 2026

حصيلة أسبوع في عالم أدوات الذكاء الاصطناعي: عبده حقي


شهد الأسبوع الممتد تقريبًا من 20 إلى 26 أكتوبر 2026 موجة جديدة من التطورات في سوق أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن اللافت هذه المرة أن المنافسة لم تعد تتمحور فقط حول سؤال تقليدي من قبيل: أي نموذج أكثر ذكاءً؟ بل انتقلت إلى سؤال أكثر عملية: أي أداة تستطيع أن تنجز العمل نيابة عن المستخدم، وتتعامل مع ملفاته وتطبيقاته، وتتابع المهام لفترات طويلة، وتتحرك بين النص والصوت والصورة والبرمجة والبحث من دون أن يضطر الإنسان إلى إعادة توجيهها في كل خطوة؟ ومن خلال متابعة الإعلانات الرسمية والتحديثات المنشورة خلال الأيام الماضية، يبدو أن صناعة الذكاء الاصطناعي تدخل تدريجيًا مرحلة «الوكيل العامل» بعد مرحلة «روبوت المحادثة»، وهو تحول ستكون له انعكاسات عميقة على الصحافة والكتابة والتعليم والإدارة والبرمجة والصناعات الإبداعية.

Claude Duet: مساعد لا ينتظر أن تسأله

كان أحد أهم إعلانات الأسبوع إطلاق شركة Anthropic في 21 أكتوبر النسخة البحثية من Claude Duet لمستخدمي خطتي Pro وMax. والفكرة هنا تختلف نسبيًا عن Claude التقليدي؛ فبدل أن يبقى الذكاء الاصطناعي جالسًا داخل مربع محادثة في انتظار سؤال المستخدم، صُمم Duet ليعمل بصورة أكثر استباقية واستقلالًا، ويتابع الأعمال والمهام التي كُلّف بها ويعود إلى المستخدم بما يحتاج إلى قراره أو تدخله. وتصف Anthropic الأداة باعتبارها تجربة لوكيل قادر على مواصلة العمل وليس مجرد مساعد ينتظر الرسالة التالية.

وهذه النقلة مهمة لأن أدوات الذكاء الاصطناعي الأولى كانت تشبه «المستشار»: تسألها فتجيب، ثم تتوقف. أما Claude Duet فيقترب أكثر من فكرة الموظف الرقمي الذي يحتفظ بالسياق ويتابع مجموعة من الملفات أو الأعمال الجارية ويخبر صاحبه بما طرأ عليها. ومن المتوقع أن تكون مثل هذه الأدوات مؤثرة خصوصًا لدى الصحفيين والكتاب ومديري المشاريع والباحثين، حيث يمكن تكليف الوكيل بمتابعة مجموعة أعمال مترابطة بدل إعادة شرح المشروع من البداية في كل جلسة.

لكن هذه الاستقلالية تفتح في الوقت نفسه أسئلة جديدة بشأن الخصوصية وحدود الصلاحيات. فكلما تحولت الأداة من قارئ للنصوص إلى وكيل يدخل البريد والوثائق والخدمات المتصلة، أصبحت مسألة تحديد ما يمكنه رؤيته وما يمكنه فعله جزءًا أساسيًا من تصميم الذكاء الاصطناعي نفسه.

ChatGPT: المحادثات المقفلة تضيف طبقة جديدة من الخصوصية

أما OpenAI فأضافت في 20 أكتوبر ميزة Locked Chats أو المحادثات المقفلة في ChatGPT. وهي لا تمثل نموذجًا جديدًا للذكاء الاصطناعي، لكنها تطوير مهم في طريقة استخدامه، خصوصًا بعد أن أصبحت المحادثات تحتوي على مسودات كتب وتقارير ومعلومات مهنية وشخصية وملفات عمل. وتتيح الخاصية الاحتفاظ بمحادثات محددة داخل الحساب مع إخفائها من سجل المحادثات المعتاد ومن البحث والمحادثات المثبتة، ولا يمكن فتحها إلا برمز PIN من أربعة أرقام أو بواسطة وسائل التحقق البيومترية المدعومة في الجهاز. ويجري طرحها تدريجيًا لمستخدمي Free وGo وPlus وPro على الويب وتطبيقات الهاتف والحاسوب.

أهمية هذه الخاصية ليست تقنية فقط. فالذكاء الاصطناعي يتحول بسرعة إلى ما يشبه دفتر العمل الشخصي للمستخدم؛ فيه أفكاره ومخطوطاته واستشاراته ووثائقه ومشاريعه. وكلما اتسع هذا الدور أصبح تأمين المحادثة جزءًا من وظيفة الأداة وليس مجرد إضافة هامشية.

ويشير هذا أيضًا إلى اتجاه أوسع في المنافسة بين المنصات: المستخدم لن يختار الأداة مستقبلًا بناءً على قوة نموذجها وحدها، بل بناءً على البيئة المتكاملة المحيطة به، وما توفره من ذاكرة وخصوصية وربط بالتطبيقات وإدارة للملفات وأدوات إنشاء وتنفيذ.

Gemini يتحول إلى مكتب لإدارة المشاريع الصغيرة

دخلت Google بدورها أسبوع الأدوات الجديدة من باب مختلف، إذ أعلنت في 20 أكتوبر عن مجموعة أدوات جديدة داخل Gemini تستهدف أصحاب الشركات والمشروعات الصغيرة. وقد أنشأت الشركة مساحة مركزية مخصصة للأعمال تستطيع من خلالها مساعدة المستخدم في بناء العلامة التجارية وتحليل البيانات المالية وفهم ملاحظات العملاء وإنشاء محتوى تسويقي وتنظيم الأعمال اليومية.

الأهم أن Gemini لم يعد منفصلًا عن الأدوات الأخرى، فقد وسعت Google قدرته على الاتصال بخدمات مثل Google Business Profile وGoogle Ads وWorkspace، إلى جانب تطبيقات خارجية تشمل Adobe وCanva وDropbox وShopify وWix وZoho وXero.

وهنا تتضح بصورة قوية فلسفة الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي: لم تعد الغاية أن تطلب من Gemini أن يكتب لك إعلانًا لمشروعك الصغير فقط، بل أن يعرف هوية العلامة التجارية ويتصل بالأدوات التي تعمل عليها ويحلل المعلومات ويحوّل النتائج إلى مادة قابلة للاستخدام. وبالنسبة إلى كاتب أو صحفي أو ناشر مستقل، يمكن تخيل النموذج نفسه وقد أصبح مركزًا لإدارة المدونة والنشرة البريدية والحسابات والمحتوى البصري والوثائق في مكان واحد.

Perplexity Computer: الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى داخل الحاسوب

ربما كان أكثر اتجاهات الأسبوع دلالة هو ما فعلته Perplexity مع أداة Computer. ففي 20 أكتوبر أعلنت الشركة أن Perplexity Computer أصبح قادرًا على العمل محليًا بالكامل على أجهزة Mac، بما يسمح له بالتفاعل مع الملفات الخاصة والتطبيقات الأصلية للحاسوب مع بقاء العمل على الجهاز بدل الاعتماد الكامل على السحابة.

هذه الخطوة تستحق الانتباه لأنها تحاول حل واحدة من أهم مشكلات الوكلاء الأذكياء: الوصول إلى الملفات الحساسة. فالشركات والمحامون والصحفيون والباحثون قد يرغبون في استخدام وكيل ذكي لتحليل آلاف الوثائق، لكنهم لا يريدون بالضرورة رفع تلك الملفات إلى خوادم خارجية. والحوسبة المحلية تجعل نموذج «الوكيل الشخصي على الحاسوب» أكثر قابلية للتطبيق.

وسبق ذلك مباشرة تحديث آخر بتاريخ 19 أكتوبر أضاف إلى Perplexity Computer وضع Ultrafast لنماذج قوية مثل GPT-6 Astra وGPT-6.1 Sol، بحيث يمكن لمن يحتاج إلى السرعة اختيارها على حساب استهلاك أكبر للأرصدة. كما طرحت الشركة Decisions API، وهي واجهة مصممة لتصنيف النصوص والصور وJSON ومنح النتائج احتمالات رقمية يمكن للبرامج استخدامها مباشرة بدل محاولة استخراج القرار من إجابة نصية طويلة.

وتكشف هذه التطورات أن Perplexity تحاول الخروج من صورتها القديمة باعتبارها «محرك بحث بالذكاء الاصطناعي»، لتصبح منصة للوكلاء والتنفيذ وإدارة الأعمال.

Mistral Voxtral 3: الصوت يصبح مدخلًا كاملًا إلى عالم الوكلاء

ومن فرنسا جاء واحد من أبرز تحديثات الأسبوع في مجال الصوت. فقد أعلنت Mistral في 20 أكتوبر عن عائلة Voxtral 3 الجديدة، وهي مجموعة نماذج مخصصة لتحويل الكلام إلى نص، وتحويل النص إلى كلام، والعمل الصوتي المباشر. وشملت الإصدارات نموذجًا لتوليد الكلام مع إمكانية استنساخ الصوت دون تدريب مسبق، ونماذج للتفريغ الصوتي مع تحديد المتحدثين والطوابع الزمنية، إضافة إلى نموذج للتفريغ اللحظي في الزمن الحقيقي.

لكن الجزء الأكثر دلالة هو إطلاق Voice Agents، وهي بنية متكاملة تسمح ببناء وكيل يتلقى الصوت من الميكروفون، ويحوله إلى نص، ثم يمرره إلى نموذج لغوي، ثم يحوّل الإجابة مجددًا إلى صوت، وكل ذلك بصورة متواصلة وفي الزمن الحقيقي. ويمكن استخدام هذه البنية في الهاتف والمتصفح وأنظمة الاتصال الصوتي.

وتفتح هذه التكنولوجيا المجال أمام تطبيقات واسعة: خدمة الزبائن، والمساعدين الشخصيين الصوتيين، والمقابلات، والترجمة الشفوية، والتعليم، والوصول إلى الخدمات الرقمية لمن يجدون صعوبة في استخدام لوحة المفاتيح. والأهم أن الصوت لم يعد مجرد وسيلة لإملاء السؤال على روبوت المحادثة، بل أصبح واجهة كاملة لوكيل قادر على السماع والتفكير والكلام والتنفيذ.

Mistral وNVIDIA: الذكاء الاصطناعي يدخل المختبر الهندسي

وفي اليوم التالي، 21 أكتوبر، أعلنت Mistral تعاونًا جديدًا مع NVIDIA لتطوير سير عمل هندسي قائم على الذكاء الاصطناعي. المشروع يجمع نماذج Mistral، ومنها Mistral Large 4، مع تقنيات NVIDIA في الحوسبة المسرعة والمحاكاة الفيزيائية وOmniverse، بهدف تسريع المحاكاة الهندسية وربط التصميم والحساب والذكاء الاصطناعي ضمن حلقات عمل شبه آلية.

قد لا تبدو هذه «أداة جماهيرية» مثل ChatGPT أو Gemini، لكنها تكشف الوجه الآخر للثورة الحالية. فالذكاء الاصطناعي يتحرك من كتابة الرسائل والصور إلى تصميم الطائرات والسيارات والشرائح الإلكترونية والنماذج الصناعية. كما تخطط الشركتان لإعداد معايير وبيانات مفتوحة لتقييم الوكلاء والذكاء الاصطناعي الفيزيائي في الهندسة بمساعدة الحاسوب.

أي أن عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يبدأ تدريجيًا في الاندماج مع «الذكاء الاصطناعي الفيزيائي»، حيث لا يكفي أن يكتب النموذج إجابة مقنعة، بل عليه أن يقترح تصميمًا ثم يختبره في المحاكاة ويصحح أخطاءه.

Microsoft Copilot Studio: وكلاء يتحدثون إلى الزبناء

Microsoft بدورها واصلت الدفع باتجاه الوكلاء بدل روبوتات المحادثة التقليدية، وأعلنت في 21 أكتوبر عن ما تسميه customer conversation harness داخل Copilot Studio. والهدف هو تمكين الشركات من إنشاء وكلاء يتعاملون مباشرة مع العملاء عبر الصوت والدردشة ويربطون المحادثة بالمعرفة المؤسسية وبيانات الاتصال.

الفرق بين هذا الاتجاه وبين «الشات بوت» القديم جوهري. روبوتات خدمة العملاء السابقة كانت تعمل غالبًا وفق سيناريوهات جامدة: اضغط واحدًا، اختر موضوعًا، اكتب كلمة مفتاحية. أما الوكيل الحديث فيفترض أن يفهم اللغة الطبيعية ويتعرف على سياق المشكلة ويبحث في معلومات الشركة ويستخدم الأدوات اللازمة للوصول إلى نتيجة.

وبذلك تصبح المنافسة المقبلة في قطاع خدمة العملاء بين شركات لا تقدم أفضل روبوت محادثة فقط، بل أفضل «موظف رقمي» يمكن ضبط صلاحياته وتزويده بمعلومات المؤسسة ومراقبة تصرفاته.

Runway: سوق يجمع نماذج الصور المختلفة

وفي عالم صناعة الصورة، أضافت Runway في 21 أكتوبر نموذج Nano Banana 2 Lite إلى منصة Runway Dev. ويستطيع النموذج إنشاء الصور اعتمادًا على أوصاف نصية طويلة نسبيًا، كما يمكن استخدام ما يصل إلى 14 صورة مرجعية في عملية التحرير الواحدة، بينها صور للأشخاص والأشياء، مع دعم مجموعة واسعة من أحجام الصور.

وربما تكون أهمية هذا التحديث في ما يكشفه عن تغير بنية سوق صناعة الصورة. فالمنصة لم تعد مضطرة إلى الاعتماد على نموذجها الخاص فقط؛ أصبح بإمكانها أن تتحول إلى بوابة تجمع نماذج متعددة وتتيح للمطور أو المصمم اختيار الأداة المناسبة لكل مهمة. وقد أضافت Runway خلال أكتوبر أيضًا نماذج أخرى من شركات مختلفة، ما يؤكد أن منصات الذكاء الاصطناعي الإبداعي تتحول شيئًا فشيئًا إلى «استوديوهات متعددة النماذج».

وبالنسبة للمصممين والناشرين وصناع المحتوى، قد يصبح السؤال قريبًا ليس: أي منصة سأستعمل؟ بل: أي نموذج سأستدعي لهذه الصورة، وأي نموذج للفيديو، وأي نموذج للصوت، بينما تتولى منصة واحدة تنسيق الجميع.

ما الذي جمع كل هذه الأدوات خلال أسبوع واحد؟

عند جمع هذه التطورات المختلفة نكتشف أن المسألة أكبر من مجرد سلسلة تحديثات تقنية. هناك خمسة اتجاهات أصبحت واضحة خلال الأسبوع الماضي.

الاتجاه الأول هو الانتقال من المحادثة إلى التنفيذ. Claude Duet وPerplexity Computer وCopilot Studio أمثلة واضحة على أدوات لم يعد مطلوبًا منها تقديم اقتراح فقط، بل القيام بمجموعة أعمال مترابطة.

والاتجاه الثاني هو انتقال الذكاء الاصطناعي من السحابة إلى الجهاز الشخصي. تشغيل Perplexity Computer محليًا على Mac نموذج مهم لاتجاه قد يتوسع سريعًا بسبب حساسية البيانات وارتفاع تكاليف الحوسبة السحابية.

أما الاتجاه الثالث فهو اندماج التطبيقات. Gemini يربط الذكاء الاصطناعي بأدوات التجارة والإعلانات والتصميم والمحاسبة، بينما تتحول منصات أخرى إلى شبكات من الموصلات والمهارات والإضافات.

الاتجاه الرابع هو عودة الصوت بقوة. فبعد سنوات ركزت خلالها الثورة التوليدية على النص والصورة، تظهر أدوات مثل Voxtral 3 لتجعل الحديث الطبيعي بوابة إلى الوكلاء.

أما الاتجاه الخامس والأكثر أهمية فهو تحول الوكيل إلى الوحدة الأساسية للذكاء الاصطناعي. قبل سنوات كنا نتحدث عن «النموذج»، ثم أصبح الحديث عن «روبوت المحادثة»، أما اليوم فتدور المنافسة بصورة متزايدة حول «الوكيل»: كيان رقمي يعرف الهدف ويستخدم الأدوات ويتذكر السياق ويتابع المهمة ويتخذ خطوات متتابعة قبل العودة إلى الإنسان.

من الذكاء الذي يكتب إلى الذكاء الذي يعمل

حصيلة الأسبوع الماضي تكشف إذن أن عام 2026 يتجه إلى تثبيت تحول أساسي في تاريخ الذكاء الاصطناعي. المرحلة الأولى أدهشت العالم بآلة تستطيع أن تكتب قصيدة أو مقالًا أو شفرة برمجية. المرحلة الثانية أضافت الصورة والفيديو والصوت. أما المرحلة التي تتشكل الآن فتحاول بناء آلة تستطيع أن تعمل: تقرأ البريد، وتفحص الوثائق، وتستخدم التطبيقات، وتبحث، وتكتب، وتحلل، وتحدث الملفات، وتتابع المشروع ثم تعود إلى صاحبها بالنتيجة.

ولهذا ربما لن يكون السؤال الحاسم في نهاية هذه السنة: «من يملك أذكى نموذج؟» بل: «من يملك أفضل وكيل يستطيع تحويل ذلك الذكاء إلى عمل حقيقي؟».

وهنا تحديدًا ستدور المعركة المقبلة بين OpenAI وGoogle وAnthropic وMicrosoft وMistral وPerplexity وعشرات الشركات الأصغر: ليس حول من يجيب أفضل إجابة داخل مربع أبيض، وإنما حول من يستطيع الخروج من ذلك المربع إلى الكمبيوتر والمكتب والهاتف والمؤسسة والمصنع والاستوديو، مع الاحتفاظ بثقة الإنسان وسيطرته على ما تفعله الآلة.


0 التعليقات: