الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أكتوبر 10، 2026

لماذا نقرأ الأدب؟ سؤال كبير يفتتح أسبوع الكتاب في طنجة: عبده حقي


تستعيد طنجة هذا الأسبوع واحدا من أدوارها التي أحب أن أراها أكثر حضورا في المشهد الثقافي المغربي: مدينة لا تستقبل الكتب فقط، بل تجعل من الكتاب مناسبة لإعادة التفكير في هويتها وذاكرتها وصلتها بالأدب والفن والبحر واللغات. فمن 10 إلى 16 أكتوبر 2026 تحتضن ساحة رأس المصلى الدورة الرابعة عشرة للمعرض الجهوي للكتاب والنشر، الذي تنظمه المديرية الجهوية للثقافة بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة، ضمن برنامج يمتد سبعة أيام ويجمع الأدب والفكر والشعر والسينما والمسرح والتشكيل والموسيقى. وقد اختير للدورة شعار دال هو «طنجة مرفأ الخيال ومرسى الكُتّاب»، بما يجعل المدينة نفسها جزءا من موضوع المعرض، لا مجرد فضاء جغرافي يحتضنه.

وأنا أقرأ برنامج هذه الدورة، أجد أن أهم ما يميزها ليس عدد اللقاءات أو أسماء المشاركين فقط، بل محاولة وصل الكتاب بالمكان. طنجة، في النهاية، ليست مدينة عادية في تاريخ الثقافة المغربية والمتوسطية؛ إنها مدينة مرت بها لغات وحكايات وكتّاب وفنانون، وتشكلت صورتها الأدبية على تخوم الواقع والأسطورة، بين المغرب وأوروبا، وبين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. ولهذا تبدو عبارة «مرفأ الخيال» أكثر من شعار ترويجي؛ إنها توصيف لجزء من الشخصية الثقافية لمدينة طالما استقبلت المختلف والغريب والمسافر والكاتب والحالم.

وتأتي مشاركة دار الشعر بتطوان في افتتاح المعرض لتضيف إلى هذه الرمزية بعدا شعريا واضحا. فدار الشعر تشارك في أمسية افتتاحية مساء السبت 10 أكتوبر على الساعة الثامنة، تجمع الشاعرة وفاء العمراني، والشاعر عبد الله المنشوري الذي يقدم قراءات بالأمازيغية، والشاعرة لطيفة العمارتي بقراءات بالإسبانية، والشاعر محمد الفتوح، إلى جانب حضور موسيقي وفني. وتكتسب هذه الأمسية أهميتها، في نظري، من تعدد أصواتها ولغاتها؛ فالعربية والأمازيغية والإسبانية لا تظهر هنا باعتبارها لغات متجاورة فقط، بل بوصفها أجزاء من الذاكرة الثقافية لشمال المغرب ومن تاريخ التفاعل الذي صاغ هوية المنطقة عبر قرون.

وقد استعملت بعض التغطيات عبارة «ملتقى البحرين» في وصف أمسية دار الشعر، بينما يقدم البرنامج العام للمعرض شعاره الأشمل «طنجة مرفأ الخيال ومرسى الكُتّاب». وأجد في العبارتين، رغم اختلاف سياقهما، امتدادا للمعنى نفسه: طنجة منطقة عبور والتقاء، مدينة تنظر في آن واحد نحو الداخل المغربي ونحو المتوسط والعالم، ولذلك يبدو من الطبيعي أن يكون الشعر متعدد اللغات في افتتاح تظاهرة للكتاب تقام فيها.

ويزداد البرنامج الثقافي للدورة أهمية بحضور الكاتب والناقد عبد الفتاح كيليطو، الذي يقدم محاضرة بعنوان «لماذا نقرأ الأدب؟». والسؤال، على بساطته الظاهرة، هو في اعتقادي أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تطرحها معارض الكتب اليوم. ففي عصر الهاتف المحمول، والمنصات الرقمية، والفيديوهات القصيرة، والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال مقتصرا على ماذا نقرأ، بل أصبح يتعلق بسبب القراءة نفسها: ماذا يمنحنا الأدب لا تمنحنا إياه الشاشة السريعة؟ لماذا نخصص ساعات لرواية أو ديوان أو كتاب فكري بينما يمكن لخوارزمية أن تقترح علينا في ثوان آلاف المواد والصور والتعليقات؟

بالنسبة إلي، لا تكمن قوة الأدب في منافسة سرعة التكنولوجيا، بل في أنه يعمل في الاتجاه المعاكس تماما. القراءة تبطئ الزمن، وتمنح المعنى فرصة لكي يتشكل، وتضع الإنسان أمام خبرات وذوات وحيوات لم يعشها شخصيا. ولعل حضور سؤال كيليطو في افتتاح معرض للكتاب يمنح التظاهرة عمقا يتجاوز العرض والبيع والتوقيع إلى مساءلة فعل القراءة ذاته.

ويتضمن البرنامج كذلك درسا افتتاحيا لحسن طارق بعنوان «نحن أمة»، إلى جانب الاحتفاء بالروائي محمد عز الدين التازي باعتباره شخصية الدورة الرابعة عشرة. كما تقترح التظاهرة لقاءات حول طنجة في الأدب والسينما، وتكريمات وورشات وتوقيعات كتب وأنشطة موجهة للأطفال والشباب. ويهمني هنا بشكل خاص هذا الربط بين الكتاب والأجيال الصاعدة، لأن مستقبل القراءة لا يصنعه الكتّاب والناشرون وحدهم، بل يصنعه الطفل الذي يدخل معرضا للكتاب للمرة الأولى، ويمسك كتابا ويكتشف أن وراء الغلاف عالما كاملا يمكن أن يسكنه.

وأرى أيضا أن من الأفكار الجميلة في هذه الدورة خروج الثقافة من القاعة إلى فضاء المدينة نفسها. فالبرنامج يتضمن زيارات إلى أماكن مرتبطة بذاكرة طنجة الثقافية، بينها بيت عبد الله كنون ومواقع مرتبطة بمحمد شكري والفنان ماتيس. وهذه المقاربة مهمة لأنها تعيد إلينا فكرة كثيرا ما نفتقدها في تظاهراتنا الثقافية: المدينة يمكن أن تكون كتابا مفتوحا. الشارع والبيت والمقهى والفندق والساحة ليست أمكنة صامتة، بل طبقات من الذاكرة، ويمكن أن تتحول زيارة مكان عاش فيه كاتب أو مر منه فنان إلى فعل قراءة من نوع آخر.

غير أنني أعتقد أن نجاح المعارض الجهوية للكتاب ينبغي ألا يقاس فقط بعدد الندوات أو الزوار أو الكتب المعروضة. السؤال الأكبر هو ما الذي يبقى بعد إغلاق الأروقة؟ هل نصنع قراء جددا؟ هل نساعد مكتبات المدن على الاستمرار؟ هل نخلق صلة حقيقية بين المدرسة والجامعة والكتاب؟ هل يجد الكاتب المغربي طريقه إلى قارئ في مدينة أخرى؟ وهل تستطيع دور النشر الصغيرة أن تستفيد فعليا من هذه المواعيد الثقافية؟

هذه الأسئلة ضرورية لأن المغرب لا يحتاج إلى مناسبات للكتاب فحسب، بل إلى سياسة قراءة مستدامة. المعرض حدث مؤقت بطبيعته، أما القراءة فينبغي أن تكون عادة يومية. ويمكن للمعارض الجهوية، إذا تم ربطها بالمؤسسات التعليمية والمكتبات ودور الشباب والجامعات والإعلام المحلي، أن تتحول من أسبوع ثقافي عابر إلى حلقة ضمن مشروع طويل لبناء مجتمع أكثر اتصالا بالكتاب.

وأجد في المعارض الجهوية تحديدا قيمة أخرى لا تقل أهمية، وهي مقاومة المركزية الثقافية. فالثقافة المغربية لا ينبغي أن تظل مرتبطة بمحور واحد أو بمدينتين أو ثلاث. طنجة وتطوان والحسيمة ووجدة وفاس ومراكش وأكادير والداخلة والعيون وبقية المدن تملك ذاكراتها وأصواتها وكتّابها وجمهورها. وكلما انتشر الكتاب جغرافيا، اتسعت الخريطة الثقافية المغربية وأصبحت أكثر عدلا وتنوعا.

كما أن افتتاح دورة طنجة بالشعر يحمل بالنسبة إلي معنى يتجاوز الجانب الاحتفالي. الشعر في زمن السرعة يبدو أحيانا فنا يقاوم منطق السوق والانتباه الخاطف. القصيدة لا تعرض على القارئ سلعة جاهزة للمعنى، وإنما تطلب منه أن يشارك في صنعه. وحضور العربية والأمازيغية والإسبانية في أمسية واحدة يقول شيئا أساسيا عن المغرب نفسه: قوته الثقافية لا تأتي من لغة واحدة تغلق الباب أمام غيرها، بل من قدرة لغاته وروافده على التحاور.

وأتمنى أن تصبح مثل هذه التظاهرات فرصة أيضا لفتح نقاش أكثر جرأة حول مستقبل الكتاب المغربي في زمن التحول الرقمي. فالناشر يواجه ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع، والكاتب يبحث عن جمهور أوسع، والقارئ انتقل جزء كبير من وقته إلى الشاشة، بينما تتقدم الكتب الإلكترونية والكتب الصوتية وأدوات الذكاء الاصطناعي بسرعة هائلة. المعرض المعاصر، في تصوري، ينبغي أن يكون مختبرا لهذه التحولات، لا مجرد مكان تصطف فيه المطبوعات فوق الرفوف.

طنجة إذن لا تستقبل في أكتوبر 2026 معرضا للكتاب وحسب؛ إنها تستعيد شيئا من صورتها بوصفها مدينة للحكاية والعبور والتعدد. وبين محاضرة تسأل «لماذا نقرأ الأدب؟»، وأمسية تجعل القصيدة تتنقل بين العربية والأمازيغية والإسبانية، وذاكرة مدينة تتقاطع فيها آثار كتاب وفنانين من أزمنة وثقافات مختلفة، يبدو المعرض فرصة لإعادة طرح سؤال الثقافة في حياتنا العامة.

وأنا أنظر إلى هذه الدورة، أفضل أن أقرأها باعتبارها دعوة إلى ما هو أبعد من شراء كتاب. إنها دعوة إلى استعادة القراءة باعتبارها علاقة بالعالم، وإلى إعادة المدينة إلى الكاتب والكاتب إلى المدينة، وإلى الاعتراف بأن المجتمعات لا تبني مستقبلها بالإسمنت والطرق والبنيات الكبرى وحدها، بل تبنيه أيضا بما تضعه في مكتباتها، وبالأسئلة التي تعلم أبناءها أن يطرحوها، وبالكتب التي تسمح لهم بأن يتخيلوا واقعا آخر قبل أن يشرعوا في صنعه.

طنجة، بين البحر والكتاب، تبدو هذا الأسبوع كأنها تقول لنا إن المرافئ لا تستقبل السفن وحدها؛ بعضها يستقبل الأفكار أيضا.

بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: