شدّني في الأيام الأخيرة ذلك الزخم الإعلامي الذي رافق في الجزائر خبرًا جرى تقديمه بوصفه تحولًا سياسيًا لافتًا في الموقف الإسباني من المغرب، تحت عنوان يوحي بأكثر مما تثبته الوقائع: «إسبانيا تعترف رسميًا بفرع الحزب الوطني الريفي». وما إن انتشر العنوان حتى بدا وكأن مدريد بصدد تدشين منعطف دبلوماسي جديد يمس قضية شديدة الحساسية تتصل بالوحدة الترابية للمملكة. غير أن قراءة متأنية لما وراء العنوان تكشف صورة أقل إثارة بكثير؛ فبين الإجراء القانوني الذي يسمح لكيان ما بممارسة نشاطه وفق القوانين الإسبانية، وبين الاعتراف السياسي بمشروعه، مسافة واسعة لا يجوز للصحافة الجادة اختصارها بجملة مثيرة. ومن هنا وجدت نفسي أمام سؤال يتجاوز هذا الخبر في حد ذاته: هل نحن إزاء واقعة دبلوماسية حقيقية، أم أمام مثال جديد على قدرة الدعاية على تضخيم حدث محدود حتى يبدو في أعين الجمهور وكأنه تحول استراتيجي؟
المشكلة هنا ليست في وجود تنظيم أو جمعية
تحمل خطابًا انفصاليًا، فالدول الديمقراطية الأوروبية تسمح، في إطار قوانينها،
بإنشاء عدد كبير من الجمعيات والمنظمات والتيارات، بما فيها تلك التي تحمل مشاريع
سياسية راديكالية أو انفصالية. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يُقدَّم تسجيل كيان
قانوني كما لو كان اعترافًا رسميًا من الدولة التي سمحت له بالنشاط، وكأن مجرد
وجود جمعية في السجل الإداري الإسباني يعني أن إسبانيا تبنت مشروعها السياسي
وأصبحت طرفًا فيه.
هذا الخلط، في رأيي، ليس تفصيلًا لغويًا
بسيطًا، بل هو جوهر القضية كلها. فهناك فرق شاسع بين أن تسمح دولة بتأسيس جمعية
وفق قانونها الداخلي، وبين أن تعترف رسميًا بالمشروع السياسي الذي تتبناه تلك
الجمعية. الأول إجراء قانوني وإداري، والثاني موقف دبلوماسي وسيادي تتحمل الدولة
مسؤوليته أمام المجتمع الدولي.
عندما بحثت في الرواية التي رُوِّجت
إعلاميًا، وجدت أن المصدر الأساسي للخبر كان صادرًا عن التنظيم نفسه، الذي أعلن أن
السلطات الإسبانية وافقت على افتتاح فرع له داخل إسبانيا، وأن هذا الوضع يسمح له
بممارسة أنشطته والتواصل مع الأحزاب والمؤسسات والمنظمات المدنية. لكنني لم أجد في
المادة التي أمامي ما يفيد بصدور بيان رسمي عن الحكومة الإسبانية، ولا تصريح واضح
عن وزارة الخارجية، ولا موقف سياسي موثق يعلن اعتراف مدريد بما يسمى «القضية
الريفية» أو بمشروع انفصال المنطقة عن المغرب.
وهنا، بالنسبة إليّ، تبدأ الأسئلة الحقيقية.
إذا كانت إسبانيا قد اتخذت بالفعل قرارًا سياسيًا كبيرًا بهذا الحجم، فأين النص
الرسمي؟ أين بيان الحكومة؟ أين التصريح الدبلوماسي؟ أين الوثيقة التي تثبت أن
مدريد غيرت موقفها من وحدة الأراضي المغربية؟ هذه ليست أسئلة شكلية، لأن السياسة
الدولية لا تبنى على الانطباعات، ولا على تصريحات صادرة عن أصحاب المصلحة أنفسهم،
بل على مواقف رسمية قابلة للتوثيق والمساءلة.
بل إن المادة ذاتها تشير إلى معطيات تجعل
رواية «الاعتراف السياسي» أكثر هشاشة. فقد ورد أن التنظيم المعني سبق أن حاول
الحصول على لقاء مع وزارة الخارجية الإسبانية لمناقشة مطالبه السياسية، وأنه لم
يتلق ردًا على طلباته. وإذا كانت هذه المعلومة صحيحة، فإنها تضعنا أمام مفارقة
واضحة: كيف تكون الدولة قد «اعترفت رسميًا» بتنظيم ومشروعه، في الوقت الذي لا
تستجيب فيه مؤسساتها الخارجية لطلباته السياسية المباشرة؟
أرى أن ما حدث هنا أقرب إلى تضخيم إداري منه
إلى تحول دبلوماسي. أي أن واقعة محدودة، تتمثل في حصول كيان على وضع يسمح له
بالعمل داخل الإطار القانوني الإسباني، جرى دفعها إعلاميًا إلى مستوى أكبر بكثير،
بحيث أصبحت تُقدَّم كأنها انتصار سياسي واستراتيجي في مواجهة المغرب.
وهذا النوع من التضخيم ليس جديدًا في صناعة
الأخبار السياسية. فالدعاية الناجحة لا تحتاج دائمًا إلى اختلاق واقعة كاملة من
الصفر. أحيانًا يكفي أن تأخذ واقعة صحيحة جزئيًا، ثم تمنحها وصفًا يفوق معناها
الحقيقي. كلمة واحدة يمكن أن تغير كل شيء. وهنا كانت كلمة «الاعتراف» هي المفتاح.
لأن عبارة «إسبانيا اعترفت» تخلق في ذهن
القارئ فورًا صورة قرار سيادي صادر عن دولة، بينما قد يكون ما جرى في الواقع مجرد
تسجيل إداري لكيان جمعوي. الفرق بين العبارتين ليس لغويًا فقط، بل سياسي ودبلوماسي
وقانوني.
ما يثير استغرابي أيضًا هو ازدواجية المعايير
التي قد تظهر في مثل هذه التغطيات. فلو أن مجموعة من النشطاء ذات توجه انفصالي من
منطقة أخرى في شمال إفريقيا أو أوروبا أسست جمعية في بلد أوروبي، فهل يعني ذلك
تلقائيًا أن الدولة المضيفة اعترفت بمشروعها السياسي؟ بالتأكيد لا. سيكون التفسير
القانوني السليم هو أن الدولة سمحت بوجود جمعية وفق قوانينها، لا أنها تبنت
أهدافها.
هذا المعيار، في رأيي، يجب أن يكون واحدًا
للجميع. لا يمكن أن يكون تسجيل جمعية في حالة ما مجرد إجراء قانوني، وفي حالة أخرى
يتحول إلى اعتراف دبلوماسي كامل، فقط لأن النتيجة تخدم سردية سياسية بعينها.
والأهم أن التنظيم الذي قُدِّم تسجيله
باعتباره اعترافًا سياسيًا لا يزال، وفق المادة المتاحة، يطالب إسبانيا والمجتمع
الدولي بالاعتراف بمطالبه السياسية. وهذه نقطة بالغة الدلالة. فإذا كان الاعتراف
قد حصل فعلًا، فلماذا تستمر المطالبة به؟ ولماذا تستمر الدعوات إلى دعم ما يوصف
بحق تقرير المصير؟
بالنسبة إليّ، هذا يكشف بوضوح أن هناك
مستويين مختلفين جرى خلطهما عمدًا أو سهوًا: مستوى الاعتراف القانوني بوجود كيان،
ومستوى الاعتراف السياسي بالمشروع الذي يتبناه ذلك الكيان.
هذا الخلط لا يصبح مجرد خطأ مهني عندما تتورط
فيه وسائل إعلام رسمية أو شبه رسمية، لأن الإعلام الذي يحمل صفة العمومية أو
الوطنية يفترض فيه قدر أكبر من الحذر والدقة. هنا لا يعود الأمر مجرد سباق إلى
عنوان مثير، بل يصبح السؤال مرتبطًا بوظيفة الإعلام نفسه: هل ينقل الوقائع كما هي،
أم يصنع منها انتصارات رمزية تخدم لحظة سياسية؟
ما يزيد المسألة حساسية هو السياق المغربي
الجزائري المعروف. فمنذ سنوات طويلة، تحولت الخلافات بين البلدين إلى مواجهة
مفتوحة في الإعلام والدبلوماسية والملفات الإقليمية. ونزاع الصحراء ظل في قلب هذا
الصراع، كما أن كل طرف يراقب تحركات الآخر ويحاول استثمارها في معركة النفوذ
والصورة.
ومن هذا المنطلق، أفهم لماذا يمكن لأي نشاط
ذي بعد انفصالي داخل المغرب أن يتحول إلى مادة ضخمة في بعض وسائل الإعلام
الجزائرية. لكن الفهم لا يعني القبول. لأن الإعلام، إذا أراد الاحتفاظ بحد أدنى من
المصداقية، لا ينبغي أن يسمح للخصومة السياسية بأن تعيد تعريف المصطلحات القانونية
على هواها.
يمكن لأي دولة أن تختلف مع المغرب سياسيًا،
ويمكن لأي صحيفة أن تنتقد الرباط أو الحكومة المغربية أو اختياراتها الداخلية
والخارجية. هذا حق مشروع. لكن تحويل تسجيل جمعية إلى اعتراف دولي باستقلال منطقة
ما ليس نقدًا، بل قفزة تتجاوز ما تسمح به الوقائع.
النفوذ الدبلوماسي الحقيقي لا يُقاس بعدد
الجمعيات التي تُسجل في الخارج، ولا بعدد المكاتب التي تُفتح في هذه العاصمة أو
تلك، بل يُقاس بالمواقف الرسمية، والاتفاقيات، والتحالفات، والقرارات الصادرة عن
الحكومات والمؤسسات الدولية.
وإذا طبقنا هذا المعيار، يصبح السؤال بسيطًا
للغاية: هل توجد وثيقة إسبانية رسمية تقول إن مدريد تعترف بانفصال الريف أو بحق
قيام كيان مستقل عنه؟ إذا لم توجد، فإن كل ما يقال بعد ذلك يظل في دائرة التفسير
والدعاية والتضخيم.
وفي رأيي، هذه القضية تكشف مشكلة أوسع في
الإعلام السياسي العربي عمومًا: نحن لا نعاني فقط من الأخبار الكاذبة، بل من
الأخبار الصحيحة جزئيًا التي تُعاد هندستها لغويًا حتى تنتج معنى مختلفًا. وهذه
أخطر أحيانًا من الكذب الصريح، لأنها تستند إلى واقعة حقيقية ثم تبني فوقها
استنتاجًا لا تسمح به الوثائق.
ليس من مهمة الصحافة أن تصنع انتصارات وهمية
لجمهورها، بل أن تضع أمامه الوقائع مهما كانت غير مثيرة. فالخبر الذي يقول إن
«جمعية حصلت على تسجيل قانوني في إسبانيا» قد يكون أقل جاذبية من عنوان يتحدث عن
«ضربة سياسية للرباط»، لكنه أقرب إلى الدقة وأكثر احترامًا لعقل القارئ.
وأنا، من هذا المنطلق، لا أرى في ما عُرض
أمامي دليلًا كافيًا على أن إسبانيا غيرت موقفها السياسي من وحدة المغرب الترابية،
ولا أن مدريد تبنت مشروعًا انفصاليًا في الريف. ما أراه هو واقعة قانونية محتملة
جرى تحميلها أكثر مما تحتمل، ثم تحولت إلى مادة دعائية جاهزة للاستهلاك السياسي.
وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه أهم من كل
العناوين: ماذا تبقى من وظيفة الإعلام عندما يصبح نجاحه مرتبطًا بحجم الإثارة لا
بحجم الحقيقة؟
عندما يُحوَّل تسجيل جمعية إلى «زلزال
سياسي»، وتتحول إجراءات إدارية إلى «انتصارات دبلوماسية»، يصبح القارئ هو الخاسر
الأول. لأنه لا يتلقى المعلومة، بل يتلقى نسخة مصنوعة منها.
في النهاية، الوثيقة أقوى من العنوان،
والموقف الرسمي أقوى من التصريح الحزبي، والقانون أقوى من الانفعال. وإذا أراد من
يروج لفكرة «الاعتراف الإسباني» أن يقنعني، فما عليه إلا أن يقدم الوثيقة الرسمية
التي تثبت أن الحكومة الإسبانية غيرت موقفها السياسي من المغرب ومن وحدته الترابية.
أما قبل ذلك، فسأظل أعتبر المسألة نموذجًا
واضحًا على الفرق بين الخبر والدعاية، وبين التسجيل القانوني والاعتراف السياسي،
وبين الصحافة التي تدقق في الوقائع والإعلام الذي يحاول أن يصنع من التفاصيل
الصغيرة انتصارات كبرى.







0 التعليقات:
إرسال تعليق